انطلقت في قاعات كلية القانون بجامعة قطر، يوم الإثنين ٢٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ الموافق ٥ أكتوبر ٢٠٢٦م، فعاليات النسخة الثانية من “مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة” تحت شعار “يهدي للتي هي أقوم”، بالتوازي مع افتتاح أعمال النسخة الثانية من “ملتقى كتاب الأمة” الذي ينعقد تحت شعار “كتاب الأمة: مشروع حضاري في عالم مضطرب”.
ويمثل هذا الحدث الفكري، الذي يشهد إقبالا أكاديميا واسعا ومشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين من تسع دول، امتدادا لشراكة مؤسسية وعلمية استراتيجية بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلة بإدارة البحوث والدراسات الإسلامية، وجامعة قطر، ممثلة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ومركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
استكشاف الأبعاد المعرفية وتوسيع دوائر الحوار
ويهدف المؤتمر بشكل رئيس إلى استكشاف دور القرآن الكريم في ترشيد مسارات المعرفة الإنسانية، وإبراز الأبعاد المعرفية والأخلاقية والتشريعية التي يقدمها في معالجة القضايا الفكرية والإنسانية المعاصرة، كما يسعى إلى تعزيز حضور المرجعية القرآنية في مختلف الحقول العلمية، ودعم التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، وتوسيع دوائر الحوار العلمي وتعزيز الدراسات البينية التي تستلهم الرؤية القرآنية في معالجة تحديات العصر وقضاياه المتجددة.
وتتوزع أعمال المؤتمر على أربعة محاور رئيسة، هي: القرآن الكريم والفلسفة، والقرآن الكريم واللسانيات، والقرآن الكريم والقانون، والقرآن الكريم والسياسة.
تحويل المؤتمرات إلى مشاريع معرفية مستدامة
وأكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، أن النسخة الثانية من المؤتمر والملتقى تجسد رؤية الوزارة في تعزيز الحضور المعرفي للقرآن الكريم، وتوظيف المعرفة الشرعية في بناء الإنسان وترسيخ الوعي الحضاري.
وأوضح أن تنظيم هاتين المبادرتين ينطلق من الإيمان العميق بأن القرآن الكريم ليس مصدرا للهداية والتشريع فحسب، بل يمثل مرجعية حضارية ومعرفية قادرة على الإسهام في بناء الوعي، وترشيد الفكر، وتوجيه مسارات المعرفة الإنسانية. وأضاف أن المؤتمر يسعى إلى تعميق البحث العلمي في العلاقة بين الوحي ومختلف الحقول المعرفية، وإبراز قدرة الرؤية القرآنية على الإسهام في معالجة التحديات الفكرية والإنسانية المعاصرة.
ولفت الشيخ أحمد إلى أن النسخة الحالية تواصل البناء على النجاح العلمي للنسخة الأولى، والتي أثمرت بحوثا علمية محكمة جرى جمعها وتحكيمها وإصدارها في ثلاثة مجلدات علمية متخصصة. واعتبر أن هذا الإنجاز يعكس حرص الوزارة على تحويل الملتقيات والمؤتمرات العلمية إلى مشاريع معرفية مستدامة الأثر، تتجاوز حدود الفعالية الوقتية لتصل إلى إنتاج علمي راسخ يخدم الباحثين والمؤسسات الأكاديمية.

وفيما يخص “ملتقى كتاب الأمة”، شدد مدير إدارة البحوث على أنه يمثل أحد المسارات المهمة في المشروع المعرفي للوزارة؛ إذ يسعى إلى استقراء تجربة هذه السلسلة العلمية الرائدة وإبراز إسهاماتها في التأصيل الفكري، وتعزيز الوعي الحضاري، ومعالجة القضايا الفكرية المعاصرة، واستشراف آفاق المشروع الحضاري الإسلامي. وأشار إلى أن الملتقى يمثل امتدادا لجهود الوزارة في دعم المشاريع الفكرية والثقافية التي أسهمت في إثراء المكتبة الإسلامية والعربية بعشرات الإصدارات، مسهما في معالجة قضايا الفكر والخطاب الإسلامي المعاصر، وتعزيز الحوار العلمي حول التحديات الحضارية والإنسانية الراهنة.
نموذج وطني وتكامل أكاديمي لمواجهة التحولات
من جانبه، أشاد الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، بالشراكة العلمية القائمة بين الوزارة والجامعة، مؤكدا أن هذا التعاون المؤسسي يمثل نموذجا وطنيا رائدا في تكامل الجهود لخدمة البحث العلمي وبناء المعرفة، ويعكس الأهمية القصوى للعمل المشترك بين المؤسسات العلمية والأكاديمية في مواجهة التحديات الفكرية والمعرفية المعاصرة.
ولفت الأنصاري إلى أن اجتماع الجهود حول كتاب الله تعالى واستلهام هداياته في مختلف ميادين المعرفة، يعد من أعظم صور العمل العلمي المؤثر. وذكر بأن القرآن الكريم ظل عبر التاريخ منطلقا للحضارة الإسلامية ومصدرا لإلهام العلماء والباحثين، وأسهم في بناء نهضة علمية ومعرفية تركت آثارها العميقة في مختلف مجالات العمران والعلوم والفنون.

وأكد عميد كلية الشريعة أن الأمة لم تبلغ مكانتها الحضارية المرموقة إلا حين جعلت القرآن الكريم إماما يهدي مسيرتها العلمية والفكرية، واستمدت منه قيم العلم والإيمان والعمل. واختتم كلمته بالدعوة إلى مواصلة تعميق الصلة بالوحي واستثمار هداياته في بناء المعرفة الإنسانية، وترشيد الفكر، وتعزيز الإسهام الحضاري للأمة في عالم يشهد تحولات معرفية وفكرية متسارعة.
استنطاق الوحي وتأسيس “المعرفة الراشدة”
وفي تفكيكه للرؤية الأكاديمية للمؤتمر، قدم الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، مقاربة شاملة لرسالة الحدث، مؤكدا أنه ينطلق من إيمان راسخ بأن القرآن الكريم كتاب هداية ومرجعية معرفية قادرة على الإسهام في تكوين الرؤية، وترشيد العقل، وتسديد مسارات المعرفة الإنسانية، وإعادة وصل العلوم بمقاصدها الأخلاقية والإنسانية والحضارية.
وأوضح بن لحسن أن الإقبال العلمي الكبير على المؤتمر يعكس حاجة متزايدة إلى فضاء علمي جاد يعيد طرح موقع الوحي في بناء المعرفة الإنسانية، ويستكشف إمكانية الانتقال من مرحلة الاستشهاد بالنص القرآني، إلى استنطاق بنيته المعرفية، ومنظومته القيمية، ورؤيته للإنسان والعالم والمجتمع والتاريخ.
وكشف أن اللجنة المنظمة تلقت قرابة ألفي ملخص بحثي ضمن محاور المؤتمر الأربعة. وبعد خضوع المشاركات لمراحل دقيقة من الفحص والتحكيم العلمي، اختير ١٧ بحثا نهائيا يقدمها باحثون من تسع دول (قطر، المغرب، الجزائر، مصر، تركيا، اليمن، سلطنة عمان، العراق، والسودان)، مما يؤكد المكانة الدولية المتنامية للمؤتمر وقدرته على استقطاب الباحثين المهتمين بقضايا الوحي والمعرفة الإنسانية.

وبين بن لحسن أن اجتماع الفلسفة واللسانيات والقانون والسياسة في إطار مؤتمر واحد، يجسد طبيعة الرؤية القرآنية الشاملة التي تخاطب الإنسان في كليته؛ وتربط بين الفكر والسلوك، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين الفرد والعمران. وحدد مفهوم “المعرفة الراشدة” التي يتطلع إليها المؤتمر بأنها تلك المعرفة التي تسترشد بالقرآن الكريم، وتنفتح على منجزات العلوم الإنسانية المعاصرة، دون أن تنفصل عن قيم الحق والعدل والرحمة والكرامة.
وأعرب عن أمله في أن تسهم جلسات المؤتمر ومداولاته العلمية في تأسيس حوار معرفي منتج، وإطلاق مشروعات بحثية مشتركة تؤصل المفاهيم وتطور المناهج وتبني النظريات، بما يعزز حضور المرجعية القرآنية في الدراسات الإنسانية ويسهم في بناء معرفة إنسانية أكثر رشدا واتصالا بقضايا الواقع وتحدياته المعاصرة.
الجلسة الأولى: الفلسفة في ضوء الهداية القرآنية
شهدت أعمال اليوم الأول انعقاد الجلسة العلمية الأولى ضمن محور “القرآن الكريم والفلسفة”، وأدارها الدكتور محمد الساعي، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر. وتناولت الجلسة ثلاث أوراق بحثية سعت إلى تعميق البحث في العلاقة بين الوحي والمعرفة الإنسانية، واستكشاف دور الهداية القرآنية في بناء الرؤى الفكرية والفلسفية المعاصرة.
واستهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الأستاذ الدكتور المكي إقلاينة بعنوان “العقل القرآني والعقل الفلسفي: نحو إعادة بناء منهج التفكير الإنساني في ضوء مقاصد الهداية”. وتناولت الورقة مفهوم العقل في الخطاب القرآني بوصفه عقلا موجها بالهداية ومتصلا بالمسؤولية الأخلاقية والعمرانية، ساعية إلى بناء نموذج معرفي يجمع بين العلم والقيمة ويعيد التوازن بين المعرفة والغاية بما يخدم الإنسان والعمران.
وقرر المكي خلال الورقة أن خطاب القرآن في سياق توجيه التفكير الإنساني لا يقدم نفسه بديلاً عن العقل أو منافساً له، بل مبدأً يعيد بناء منهج التفكير الإنساني ذاته، من خلال ربط المعرفة بالمسؤولية، والقدرة بالمشروعية، والحكم باعتبار المآلات.
والعقل الراشد الذي اقترحته هذه الدراسة ليس عقلاً أقل قدرة على الإنجاز من العقل الذاتي، بل عقل أكثر وعياً بشروط إنجازه وحدوده وآثاره، لأنه لا يفصل بين المعرفة والقيمة، ولا بين الفعل والمسؤولية، ولا بين النجاح والإصلاح.
تلاها الأستاذ الدكتور وائل أحمد خليل الكردي بورقته البحثية “التأسيس القرآني لمنطق المستويات المتعددة في تكوين الرؤى الكونية العلمية الشاملة”، طارحا تصورا معرفيا يستلهم القرآن الكريم في بناء نسق منطقي يربط بين عوالم الشهود والغيب، ويسهم في تكوين رؤى فلسفية أكثر شمولا واتساقا مع الدلالات القرآنية للوجود والعلم والإنسان.
أسس الدكتور الكردي في هذه الورقة لمفهوم الرؤى الكونية العلمية الشاملة مشيرا إلى العلاقة الفلسفية بين الوجود والوعي باعتبارها رؤى كونية شاملة، وضرورة تكوين مرجعية لها، ومن هنا حدد المرجعية القرآن الكريم ومركزيته نظاما مرنا لتكوين الرؤى الكونية الشاملة ترتبط بمتغيرات الزمان والمكان. وبناء عليه عالج منطق القيم المتعددة، حيث استمد من القرآن الكريم نظاماً منطقياً ملائماً أسميته «منطق المستويات المتعددة»، باعتباره منطقا يؤمن بأن الصدق والكذب ثابتة، ولكنها ليست في حيز القيم الثنائية، وإنما في حيز الدلالات المتعددة.
هذا المنطق يقوم على الدلالة وليس على القيمة المطلقة؛ فهناك المستويات الوقائعي، ومستوى التصورات، وغيرها. تعدد المستويات الدلالية وصعودها وهبوطها هو الذي يُصاغ حوله الحكم بالصدق أو الكذب.
واختتمت الجلسة بورقة قدمتها الدكتورة شيماء فوخري بعنوان “الأقومية والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء”، حيث تناولت البعد المعرفي للهداية القرآنية من خلال مفهوم “الأقومية”. وقدمت الباحثة إطارا نظريا لإعادة تفعيل الدور المعرفي للقرآن الكريم في توجيه إنتاج المعرفة وتقويمها وفق معايير الاستقامة والإقامة، بما يسهم في بناء مشروع معرفي وحضاري يستلهم الهداية القرآنية في معالجة إشكالات الفكر المعاصر.

وقد انطلقت الباحثة شيماء في طرحها العلمي من إشكالية مقلقة تمثلت في غياب فاعلية المفاهيم القرآنية في تأطير الواقع المعاصر رغم كثافتها المعرفية. ولمعالجة ذلك، ميزت بين نمطين للاهتداء بالقرآن:
النمط الحاضر : الذي يقتصر على توجيه المعرفة القائمة وفق إطار أخلاقي (كاشتراط الصدق)، وهو لا يُنتج معرفة جديدة بل يؤطرها فحسب.
النمط المنسي: وهو النمط التاريخي الأصيل الذي صنعت به الهوية الإسلامية حضارتها، حيث تتحول الآيات القرآنية إلى أسس إبستمولوجية ومعرفية مستقلة تُنتج علوماً جديدة؛ وقد دلّلت على ذلك بتجربة الإمام الشافعي في الأصول وابن خلدون في العمران.
وخلصت الدكتورة شيماء إلى أن العقل الإسلامي ينبني على ما سمته “إبستمولوجيا التصديق” (التي تبدأ باليقين المرجعي للنص ثم تبني شروط إمكان تحققه في الواقع) في مقابل إبستمولوجيا التحقق. ودعت إلى الانتقال من سؤال “إسلامية المعرفة” -الذي وصفته بالمحكوم بلحظة دفاعية وإيديولوجية- إلى أفق أوسع يتمثل في مشروع “الأقومية” المستند إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ}. ويعد هذا المشروع إطاراً معيارياً عالمياً قادراً على نقل وظيفة العقل من مجرد التوصيف إلى التقييم والتقويم، والمساهمة الفاعلة في معالجة تحديات الفكر المعاصر.