تستند عناية المسلمين بالصحة العامة إلى إقرار النبي -ﷺ- لقول سلمان: «لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[1]، ولفت انتباههم كثرة ترداده -ﷺ- لهذا الدعاء الجامع: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»[2]، وإلى حاجة الإنسان للعافية لكي يقوم بدوره المنوط به في عبادة الله تعالى وعمارة الكون. وكانت هذه العناية فردية كما كانت شغلاً للأمة؛ علمائها وأولي الأمر فيها، فظهر النبوغ العلمي في الشأن الطبي، وبدت آثار الرحمة، ودون ذلك قلم المؤرخ بمداد من نور.

نعود إلى الماضي المجيد نستلهم منه مدداً وعبرة وخبرة، ونقدم نموذجاً للصلاح حين يتجسد في عمل يسبب راحة البشر وتقليل آلامهم، وحين يكون مورداً متجدداً لصاحبه يدر عليه حسنات وهو في قبره. ويبدو أن نور الدين زنكي -رحمه الله- تصفح أعمال الخير فوجد من أعظمها بناء مشفى يقدم الخدمة الطبية المجانية للناس، وأوقف عليه الأوقاف الكثيرة التي توفر المال لاستمرار عمله، وجمع فيه بين تقديم العلاج للمريض والتعليم للطبيب؛ وهذا نوع من الخير الباقي، فكل مريض يداويه هذا الطبيب في ميزان حسنات من أقام هذا المبنى وجعله سبباً للتعليم.

حين يتحول فداء الأسير إلى سبب لشفاء المرضى

أسر نور الدين في بعض حروبه شخصية إفرنجية مهمة كانت تؤذي المسلمين، وعرض الأسير فدية مالية ضخمة. استشار نور الدين زنكي أمراءه فرفضوا الفداء، لكن نور الدين استخار الله ثم قبل الفداء. وما إن وصل الأسير إلى مأمنه حتى مات، فكفى الله المؤمنين شره ونفعهم بمال الفدية الكبير وبقي هذا النفع لأجيال، إذ بنى به نور الدين مستشفى من أكبر المستشفيات.

وهكذا بدأت قصة طبية وإنسانية من أروع القصص التي مرت على البشرية، ولم يقف مستشفى نور الدين عند حدود المكان الذي يقدم الدواء فحسب، بل كان مؤسسة طبية على أرقى مستوى؛ له موارده المالية المستقلة، وهيئته الطبية، وهيئة معاونة من صيادلة وممرضين وخدم تقدم ما يحتاجه المرضى.

«وهو بيمارستان مبارك يُستشفى به نَيّر، شَرَح، ومفروش من الرخام. وبه بِركتا ماء يأتي إليهما الماء الحلو»[3].

رواد المستشفى النوري والتجربة الإنسانية

بُني هذا المستشفى للفقراء الذين لا يملكون ثمن الدواء، وعند عدم توافر الدواء في الأسواق يُعطى للغني والفقير على حد سواء، ومن طلب الدواء لا يُرد. واتسعت دائرة المنتفعين بهذا الوقف ليشمل أصحاب الأمراض العقلية الذين وصلوا إلى مراحل متقدمة، إذ يوضعون في هذا المستشفى ويقدم لهم العلاج.

آلية العمل داخل البيمارستان التاريخي

وصف ابن جبير آلية العمل في هذه المؤسسة الطبية الكبيرة، والتي تتكون من موظفين لكل منهم عمل مخصوص، وهناك من يقوم على أمر إعداد ملف للمريض يشمل اسمه وما يحتاج إليه من غذاء ودواء ونفقات. كما وصف زيارة الأطباء للمرضى واحداً واحداً يتابعون حالتهم ويخصصون لهم ما يحتاجونه من علاج وغذاء ويتفقدون أحوالهم، ثم يأمرون بما يناسب كل مريض من دواء وغذاء، وتسارع الهيئة التمريضية بتنفيذ ما يراه الطبيب مناسباً لحالة المريض.

حين يتحول المستشفى إلى كلية للطب وتطوير العلوم

وإلى جوار التطبيب، تجري عملية تعليمية لطلبة الطب في ساحة كبيرة بها مكتبة طبية أوقفها نور الدين على المستشفى. وتدور في هذه الساحة مناقشات علمية وقراءة للكتب، ويجمع الطالب بين العلم النظري والعملي، وتتاح الفرصة للحوار البنّاء الذي يفتح آفاق المعرفة أمام الطالب وأستاذه في الفحص والتشخيص وتسجيل الدواء، وبذلك تجتمع المعرفة النظرية والفحص السريري والمناقشة حول العملية الطبية برمتها.

أشهر أطباء عملوا في البيمارستان النوري:

بلغت شهرة هذا المستشفى التعليمي أن يجتذب الكفاءات لممارسة الطب والتدريس، ومن أبرزهم:

  1. عز الدين بن السويدي: عَلامَة أَوَانه وأوحد زَمَانه، اشتغل بصناعة الطِّبّ حَتَّى أتقنها إتقاناً لَا مَزِيد عَلَيْهِ، وَلم يصل أحد من أَرْبَابهَا إِلَى مَا وصل إليه؛ فقد حصل كلياتها واشتمل على جزئياتها، وَاجْتمعَ مَعَ أفاضل الْأَطِبَّاء، ولازم أكَابِر الْحُكَمَاء، وَأخذ مَا عِنْدهم من الْفَوَائِد الطبية والأسرار الْحكمِيَّة[4].
  2. موفق الدين ابن المطران: الطبيب صاحب المكتبة الزاخرة بالمؤلفات الطبية، حتى قيل إنها ضمت قرابة عشرة آلاف كتاب طبي.
  3. موفق الدين عبد العزيز السلمي: وهو يمثل الطبيب الإنسان شديد الشفقة على المرضى، يتفقد احتياجاتهم من الأدوية والأغذية -وخصوصاً الفقراء- وله طلاب يتلقون العلم على يديه.
  4. كمال الدين الحمصي: الذي كان يعالج المرضى بلا أجر.
  5. عبد الواحد المغربي: ولي الطبابة في البيمارستان النوري بدمشق، ومن آثاره: «تحفة المحب في الطب» و«عقد الجمان فيما يلزم من ولي البيمارستان»، ومن عنوانه يتضح أنه كتاب في الإدارة الطبية.
  6. الشيخ الإمام العالم مهذب الدين أبو محمد عبد الرحيم بن علي بن حامد: ويعرف بـ «الدَّخْوار»؛ خدم مهذب الدين كحَّالاً بالبيمارستان الكبير النوري، ثم اشتغل بصناعة الطب، ثم توجه إلى الديار المصرية وخدم الملك العادل أبا بكر بن أيوب وولاه رياسة الطب بمصر والشام. ثم أقام بدمشق وتولى العلاج بالبيمارستان الكبير النوري، ثم شرع في تدريس صناعة الطب، واجتمع إليه كثير من أعيان الأطباء، ووقف داره وجعلها مدرسة للطب ووقف لها ضياعاً وعدة أماكن، وتوفي ليلة الاثنين 15 من شهر صفر سنة 628هـ / 1230م.

مصادر دخل المستشفى واستدامة الوقف الإسلامي

مستشفى بهذا الحجم يقدم هذه الخدمات يحتاج إلى نفقات كبيرة ليواصل تقديم ما يحتاجه المرضى والأطباء والهيئات المعاونة. ولمعرفة نور الدين -رحمه الله- وأجزِلَ مثوبته، أوقف عليه قرى وأجزاء من مزارع وطواحين ودكاكين وأحكاراً في أنحاء مختلفة.

وهكذا تتعدد الموارد، حتى إذا ما قل إيراد أحدها غطت بقية الموارد نفقات هذه المؤسسة. ويوفر الوقف استقلالية في الإدارة وقدرة على الاستمرارية والعطاء.

تجربة علمية فريدة لاختيار مكان المستشفى

وفقاً لأحدث المعايير الطبية، طلب نور الدين أن يُبنى المستشفى في أفضل الأماكن من حيث جودة الهواء، ولا شك أن لنقاء الهواء دوره في سرعة التماثل للشفاء، كما أن الهواء الملوث يؤثر بالسلب على حالة المريض الطبية والنفسية. وقد أجريت تجربة عملية لاكتشاف أكثر الأماكن جودة من حيث الهواء؛ فُذبح خروف وقُسِم إلى أربعة أقسام، وُضع كل قسم منه في ناحية، وفي الصباح اكتشفوا أن قسماً منها لم يتغير بينما فسدت بقية الأجزاء، فاستنتجوا أن هذا المكان هو أكثر الأماكن جودة.

المستشفى النوري عبر الزمان والتطوير المستمر

مات نور الدين سنة 569هـ، لكن لم يتوقف عمل البيمارستان بموته، فقد ازدادت مساحته واتسعت قاعاته وحُسِّن بنيانه وأُجري الماء إليه. وطالت يد التجديد والتعمير المستشفى النوري بحلب فُبنيت قاعة للنساء، وزِيدت قاعة صيفية، وأُنشئ سقف لبعض القاعات المكشوفة.

وفي دمشق، وبعد قرون من وفاة نور الدين، تولى حسن باشا بن عبد الله إدارة وقف البيمارستان في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، فوجده قد عجز عن القيام ببعض ما كان يقوم به، فعمل على إعادته لسابق عهده، وراجع أوقافه وأحسن تنميتها.

دور ناظر الوقف في إدارة المؤسسات الصحية

هذه المؤسسة الكبرى تحتاج لمدير طبي ومدير إداري يُسمى في ذلك العصر “ناظر الوقف”، ويقع نطاق عمله في الحفاظ على مال الوقف وحمايته من العدوان، واستثماره بما يعود على المرضى بالفائدة، وصرف الوقف في الجهات المخصصة له.

وقد كان لبعض النظار أثر كبير في تنمية مال الوقف على المستشفى، مما مكنهم من إضافة عقارات جديدة وإلحاقها بالوقف، وبذلك تتسع دائرة المنتفعين بالمستشفى.

قصة تاريخية تبين مدى كفاءة البيمارستان

قال عز الدين خليل بن شاهين الظاهري في كتابه: «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» بعد أن زار دمشق:

«وبها مارستان لم ير مثله في الدنيا قط، واتفقت نكتة أحببت أن أذكرها: وهي أني دخلت دمشق في سنة 831هـ / 1427م، وكان بصحبتي رجل عجمي من أهل الفضل والذوق واللطافة، وكان قاصد الحج في تلك السنة، فلما دخل البيمارستان المذكور ونظر ما فيه من المآكل والتحف واللطائف التي لا تحصى، قصد اختبار رجال البيمارستان المذكور فتضاعف “تمارضاً” وأقام به ثلاثة أيام، ورئيس الطب يتردد إليه ليختبر ضعفه. فلما جَسَّ نبضه وعلم حاله، وصف له ما يناسبه من الأطعمة الحسنة والدجاج المُسَمَّن والحلوى والأشربة والفواكه المتنوعة. ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة من معناها: أن الضعيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام. وهذا في غاية الحذاقة والظرافة»[5].

وقيل إن البيمارستان المذكور منذ عُمر لم تنطفئ فيه النار.

البيمارستان بعد سبعة قرون من العطاء

استمر المستشفى يقدم خدماته لقرون طويلة حتى سنة 1317هـ / 1899م تقريباً -كما قال الدكتور أحمد عيسى نقلاً عن محمد كرد علي- ولم يَقِلَّ عدد أطبائه وصيادلته في أواخر عهده عن عشرين.

ثم أنشأت بلدية دمشق مستشفى للغرباء، أحد مصادر الإنفاق عليه ما يؤخذ من أوقاف البيمارستان النوري، وعُرف المستشفى الجديد بالحميدي. واستُخدم المبنى القديم بعد ذلك مدرسة للبنات، فلم ينقطع النفع بالمبنى.

خريطة بيمارستانات نور الدين زنكي

أنشأ نور الدين ثلاثة مستشفيات سُميت بالبيمارستان النوري:

  1. البيمارستان النوري الكبير بدمشق: أشهرها، وهو مؤسسة تجمع بين العلاج والتعليم الطبي والمكتبة، وعمل فيه عدد كبير من مشاهير الأطباء.
  2. البيمارستان النوري العتيق بحلب: أوقف نور الدين عليه مجموعة كبيرة من العقارات والأراضي.
  3. بيمارستان نور الدين بحماة: يذكر محمد كرد علي أنه كان المستشفى الوحيد في المدينة، وكانت له نفقات وأوقاف.

خلاصة: ما الذي بقي من تجربة نور الدين؟

هذه التجربة القيمة تعلمنا كيف نحافظ على أعمالنا الخيرية، وكيف يمكن للمؤسسة الواحدة أن تقدم خدمات عديدة، وكيف يحقق القائمون عليها فكرة الاستدامة والتطوير وتوسيع القاعدة، والنظر إلى هذا العمل العظيم على أنه سبب للخير الدنيوي والأخروي مما يدفع العاملين إلى بذل أقصى الجهد لنيل الأجر والثواب.