ورد في صحيح البخاري (3802) أنه أهديت للنبي ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال:” أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها –أو ألين”
وخلف المناديل قصة مناقب، والمناقب في جوهرها مواقف صنعت الرجال، ونظمت بالمحن والابتلاءات عقدا فريدا حول الرسالة في مهدها. وحين يستحضر النبي ﷺ اسم سعد بن معاذ في حادثة معينة، فليس القصد فقط هو التذكير بالفارق بين عطاء الدنيا ونعيم الآخرة، وإنما استنفار الذاكرة الحية لأسماء رجال ونساء لا تكتمل السيرة بغيابهم، ولا ينتصب حائط البطولات دون لبناتهم.
إن سفر الإنسانية قد استوعب أسماء عديدة خلدتها المواقف الحاسمة، والتي إذا قيست بالعمر الزمني لأصحابها فإنها لا تساوي غير لحظات معدودة. لكن ما تثمره من نتائج، وما تحققه من مكاسب دعوية أو سياسية أو غيرها، يكون له أثره البين، ودوره الآكد في تصويب المسار، وتجديد النظر، ومطابقة الخطى للمساعي النبيلة.
وسعد بن معاذ رضي الله عنه أحد هؤلاء العظام الذين حظوا بولادة ثانية، ضاق بها العمر الزمني ليتسع لها سفر الخلود. لكن قبل المضي في الكشف عن ” أسرار ” مناديله لا بد لنا من وقفة مع “كوكب” الأنصار!
يحلو اليوم لبعض شبابنا أن يردد عبارة “كوكب اليابان” كلما استوقفه منجز علمي أو تكنولوجي، أو نمط سلوك انفرد به اليابانيون، وسط عالم يضج بالتردي القيمي. وتحرص مواد إعلامية على تزكية هذا الطرح، غير عابئة بما يعج به هذا الكوكب الآسيوي من تجليات التذويب الحاد للفرد في بوتقة الجماعة. إلا أننا كمسلمين يحق لنا أن نعتز بكوكب الأنصار، الذي قدم للإنسانية أنموذجا حيا للجماعة التي تعلي من قيمة الفرد، وللعقيدة التي تفجر الطاقات والقدرات الخاصة، بما يجعل سعادة الفرد وثيقة الصلة بالامتداد الذي تحققه الجماعة، وتبلغه الرسالة .
شكل قدوم وفد من الأوس والخزرج إلى مكة منعطفا حاسما في مسار الدعوة. ونقلة حضارية هامة، استشرفت معها الجماعة المسلمة آفاقا جديدة؛ كما واجهت أسئلة مغايرة لمألوف الاحتدام اليومي مع الملأ من قريش؛ ذلك أن استقبال يثرب لرسول الله ﷺ، ومن سبق أو لحق به من المهاجرين، فجر العاطفة الدينية على نحو غير مسبوق، وأسس لعلاقات اجتماعية لم يألفها النظام القبلي السائد. فكان عقد المؤاخاة ودستور المدينة محطتين بالغتي الأهمية، لصهر التمايزات السابقة ضمن مرجعية واحدة هي: مراد الله ورسوله.
وخلال كل الأحداث التي تلت الهجرة، أبدى الأنصار تجاوبا عجيبا مع ما قدموه من مواثيق في بيعة العقبة الثانية، وأظهروا من النصرة والثبات والوفاء ما يثير الدهشة والتساؤل معا:
فهل كان الإسلام المفاجئ للأنصار حلقة متوقعة في مسلسل الدعوة؟
وهل تكفي التعليلات المقدمة من لدن كُتاب السيرة، لتبرير حدث ضخم أربك حسابات المشركين وتوقعاتهم؟
ألسنا أمام كوكبة مختارة، سيقت إلى المعترك بموجب المعجزة الحسية لا التخطيط المسبق؟
يقف كُتاب السيرة دائما عند تعليلين اثنين، لا يستوعبان ضخامة هذا الحدث:
أما التعليل الأول، فهو الإنهاك الذي أصاب الأوس والخزرج جراء الحروب المتواصلة، مما حذا بهما إلى سرعة الاستجابة لدعوة التوحيد، باعتبارها مدخلا للاستقرار واستتباب الأمن.
في حين يرتبط التعليل الثاني بالخصومات مع اليهود المجاورين ليثرب، وما شابها من تخويف بقرب بعثة نبي يوحد صفوفهم، لاستئصال شأفة أعدائهم.
غير أن الكاتب الإسلامي محمد فريد وجدي يرى أن كلا التعليلين لا يقنعان أي دارس للتطورات النفسية والاجتماعية للأمم، بل يولدان جملة أسئلة، ينبغي إثارتها لاستكمال قراءة متجددة للسيرة النبوية:
فأين كان الأنصار طوال ثلاث عشرة سنة هي عمر الدعوة بمكة؟
ولِم أحجم اليهود عن المسارعة إلى قبول الدعوة وقد بلغتهم بمكة والمدينة؟
وهل من طبعهم أن يفشوا أسرارهم لأعدائهم؟
ثم يمضي الكاتب داحضا كلا التعليلين، عبر وضع المسألة ضمن إطار علمي، يسمح بتحليلها إلى عناصرها الأولية. فيوضح بأن ما يورده كُتاب السيرة سواء من المسلمين أو المستشرقين حول دواعي اعتناق الأوس والخزرج للدين الجديد، لا يستقيم مع مجريات الأحداث، والمعهود في طبيعة البشر لأسباب أهمها:
– أن وضع النبي ﷺ وأصحابه المستضعفين لا يسمح البتة بالاعتماد عليهم لإخماد فتيل نزاع. بل إن الاتفاق معهم يفتح جبهة إضافية للحرب مع قريش. ولا يصح في ذهن عاقل أن يستكثر من الأعداء في وقت يسعى فيه للبحث عن حلفاء.
– ولا يمكن لقبيلتين جاهليتين ليستا من أهل كتاب، ولا دراية لهما بأمر النبوات إلا ما يترامى من أحاديث عامة اليهود، أن تعتقدا برسالة لم يقم دليل على أن العاقبة ستكون لها، ولا يمكن لأفرادها أن يبذلوا أموالهم ويبيعوا أنفسهم في سبيل نصرة ديانة لم تتكون بعد.
– ثم إن كلتا القبيلتين لم يعرف عنهما تهذب نفسي أو تطور عقلي، يؤهلهما لالتماس غذاء روحي أرقى مما لدى غيرهم من سائر العرب. وهو أمر لم تحققه قريش برغم صلاتها واحتضانها للكعبة، وسهرها على الشأن الديني؛ فكيف تبلغه قبيلتان لم تدع لهما الحروب المتواصلة فرصة التفكير في شؤون الآخرة؟
لم يبق غير تعليل واحد، هو أن الحق سبحانه بث في روع القبيلتين هداية إجماعية، قبلتا بموجبها عبء حماية الدعوة الإسلامية ضد العالم بأسره. وهو أمر لن تطيقه في دنيا الأسباب أمة عظيمة. إن هذا الأمر الجلل، يقول المؤلف، ليس إلا آية إلهية. وكم في السموات والأرض من آيات يتخيلها الجاهلون أمورا عادية. (1)
إن ما يعتبره الكاتب هنا آية إلهية وهداية إجماعية، عبر عنه النبي ﷺ أصدق تعبير في قوله: (لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار) -البخاري 3779-. وما كان لنبي أن يطابق خطوه مسير كوكبة مختارة، إلا إذا كانت أشعة من نور الهداية الرباني قد تسلل إلى شغاف القلوب، فحررتها من شواغل الأرض وهمومها لتتلمس غاياتها في السماء.

أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه، ثم عاد إلى مجلس قومه. فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟
قالوا: سيدنا وأفضلنا.
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
قال: فوالله ما أمسى في بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة!
إن هذا المشهد لوحده كفيل باستنفار الأذهان للتساؤل حول سر المكانة التي تمتع بها سعد وسط قومه، لتحملهم على التخلص من عقيدتهم وعاداتهم الجاهلية في لمح البصر. فمهما بلغت مكانة القائد وحجم الثقة المتبادلة بينه وبين أتباعه، تظل العقيدة خطا أحمر يفرض شدا وجذبا قد يطول؛ هذا إن لم يغامر القائد بمكانته وسلطته. لكننا أمام رجل لم تعاند نفسه ما انكشف لها من صحة رسالة الداعي، فتلقفته دون تردد وتأثرت به، ثم سرى إلى قلوب كل من حوله سريانا لا تدرك كنهه الألباب وإنما تطمئن إليه أرواح هائمة تواقة إلى دليل!
ويكشف موقف ثان عن معدن هذا الصحابي وعزيمته وقوة شكيمته، والتزامه بما جاء في بيعة العقبة الثانية نصا وروحا. أما النص فالشهود عليه يوم البيعة كُثُر، وأما الروح فتمتد لما وراء الكلمات لتُري رسول الله ﷺ من مواقف السمع والطاعة والنصرة ما تطيب به نفسه، ويشد من أزره لاستكمال دعوته. وقد كان سعد بطل هذه المواقف، وتجليا لروح الميثاق الذي فوض ليثرب أعباء رسالة ضاقت بها جبال مكة!
حين بلغ النبي ﷺ خبر مسير قريش لتمنع عيرها يوم بدر، قرر استشارة الصحابة قبل ملاقاتهم؛ فأيد أبو بكر الصديق والمقداد بن عمرو رضي الله عنهما قراره، لكنه أحب أن يسمع رأي الأنصار، لأن ما ينص عليه الميثاق هو نصرته في المدينة، ورد كل أذى قد يناله وهو بين أهلها. أما وقد سار بهم لملاقاة عدو خارج ديارهم، فأمر فيه نظر! وهنا سيكشف سعد عن معدن قائد يطمح لما وراء الحجب، ولا يؤمن بالمكاسب الظرفية:
– والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
– أجل
– لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصُبُر في الحرب، صُدُق عند اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله!
في هذا الرد من الحماس اللاهب، والاستعداد المثير للتضحية ما يعزز الاستثناء الذي حققته بدر في موسوعة المعارك والمواجهات الحربية. إن شعلة إيمان وعزم، واستشراف لما وراء الأفق، كفيلة بأن تهزم العدد والعتاد، وتربك حسابات أهل الخبرة والحنكة والدهاء. وموقعة بدر لم تكن تصفية للحساب مع المشركين، وردا على الإيذاء الذي لقيه النبي وأصحابه في مكة فحسب، بل هي أيضا كشف لطبيعة التحول الذي شهدته الجماعة المسلمة بعد الهجرة إلى يثرب، وتصحيح للصورة المغلوطة التي حرصت قريش على تسويقها بين العرب: صورة الداعي إلى “أساطير الأولين “، يستميت حوله حشد من المستضعفين.
إن ما لقيته قريش في بدر، وما سيشهده العرب بعدها هو رسالة السماء إلى الأرض، تحرسها كوكبة من الذين هاجروا وصبروا، والذين آووا ونصروا!
ويصر سعد بن معاذ في موقف ثالث على الذود عن روح الميثاق كما التزم قومه بنصه، فيعترض على مبادرة للصلح مع غطفان في حصار الخندق الشهير. ويأبى إلا أن يُقر عين رسول الله ﷺ مرة أخرى بثبات يصنع الملحمة: “إنا لصُبُر في الحرب صُدُق عند اللقاء”.
أحب النبي ﷺ أن يخفف من وطأة الأحزاب على أهل المدينة، فيعطي غطفان شيئا من ثمار المدينة لقاء انسحابها من حلف قريش. ولم يتصرف على هذا النحو إلا لأنه رأى العرب وقد رمتهم عن قوس واحدة. إلا أن سعدا الذي يضع الميثاق نصب عينيه، يؤكد على معنويات الأنصار المرتفعة قائلا: “يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى -طعام الضيف- أو بيعا.
أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا الله وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ مالنا بهذا من حاجة. والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم”. فكان رد النبي ﷺ: “أنت وذاك“. فتناول سعد بن معاذ وثيقة الصلح فمحا ما فيها ثم قال: ليجهدوا علينا”.(2)
نعم، ليجهدوا عليهم، فهم ورثة السيف كابرا عن كابر. ومادام الله قد أعزهم بالإسلام والنصرة فلن ترهبهم القوى المعادية!
إن معركة الأحزاب، يقول الشيخ محمد الغزالي، لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب. وأي اهتزاز في الروح المعنوية سيقلب الموازين في طرفة عين. وحين يرى الأنصار ثلث محاصيلهم يذهب إلى غطفان في عز الإسلام، وهي التي لم تقدر على حبة منه في ذل الجاهلية إلا قرى أو بيعا، فإن المعنويات ستنخفض، وقد يغذي المنافقون الخبر بإشاعات وأقاويل مغرضة تفت في عضد الأنصار، فيحدث مالا تُحمد عقباه. ذاك ما ألمح إليه سعد وهو يضع النبي ﷺ في سياق الاعتراض على الصلح ومبرراته، بعد أن تبين له أن الأمر اجتهاد لا وحي.
لقد هيأت غزوة الأحزاب مجالا واسعا لحركة سعد بن معاذ وتألقه، كما نسجت أحداثها المباغتة مناديل تتويجه. وأي تتويج أعظم من الشهادة في سبيل دين آمن به، وميثاق التزم به؟
تنصل يهود بني قريظة من حلفهم مع المسلمين، وقرروا ممالأة قريش. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ أرسل سعدا بن معاذ وسعدا بن عبادة في رجال من الأنصار، ليتبينوا حقيقة الأمر. “فوجدوهم على شر مما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد و لا عقد “(3).
إنها طعنة من الخلف كشفت لابن معاذ عن طينة اليهود وديدنهم في الغدر ونقض العهود. وهو تصرف سيذكي رغبته في الاقتصاص، وفك الارتباط بشكل نهائي مع الوجود اليهودي في يثرب.
أصيب سعد بن معاذ في مناوشات مع المشركين عند محاولتهم اقتحام الخندق. فلما أيقن بالموت قال:” اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة”. ولابد لنا هنا أن نستحضر طبيعة العلاقة التي جمعت بين اليهود والأوس والخزرج قبل الإسلام، حتى نستوعب عظمة هذا الموقف من لدن سعد، وتقديمه الولاء لله وللرسول على تاريخ من المصاهرة والحلف.
فمما لا شك فيه أن عددا من العرب المنتمين إلى الأوس والخزرج وغيرها من القبائل الأصيلة، قد اعتنقوا اليهودية، إما بتأثير من المصاهرة، أو بفعل النشأة في بيئة يهودية. بل إن بعض أبناء العرب جرى تهوديهم وفاء لنذر.
يروي الإمام أبو داود السجستاني بسنده عن ابن عباس أن المرأة المقلاة – أي التي لا يعيش لها ولد – كانت تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوده. وشكل انضمام فريق من اليهود إلى حلف الأوس، وفريق آخر إلى حلف الخزرج، مظهرا آخر من مظاهر التفاعل الاجتماعي، برغم ما أبداه اليهود من كيد وتآمر ودسائس، لإطالة أمد النزاع بين القبيلتين العربيتين.
وحتى بعد قدوم النبي ﷺ إلى المدينة، وإرسائه نظاما اجتماعيا قائما على عقد المؤاخاة، واعتبار المهاجرين والأنصار أمة واحدة، تحكم علاقتها مع اليهود منظومة من الحقوق والواجبات، فإن رواسب من المودة والتعاطف ظلت مستمرة حتى إجلائهم من المدينة. لذا فما أبداه سعد بن معاذ من حرص على الثأر من بني قريظة، وحكمه الصادم في حقهم بين يدي رسول الله، لهو أبلغ شاهد على عظمة هذا الرجل، وتجريده الولاء لله والمودة لرسوله. وإنه لامتحان قاس، يندر خلاله ثبات النفس أمام ما يجيش بداخلها من مشاعر الحنو والإشفاق على أصهار الأمس القريب، وحلفائه ومواليه.
لما نزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ أرسل إلى سعد بن معاذ ليحكم فيهم. فأقبل على حمار. فلما دنا من النبي ﷺ قال: قوموا إلى سيدكم، أو قال: إلى خيركم. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، قد ولاك رسول الله ﷺ أمر مواليك لتحكم فيهم.
فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه؟
قالوا: نعم.
قال: وعلى من هاهنا؟ من الناحية التي فيها رسول الله ومن معه، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له.
فقال رسول الله ﷺ: نعم.
فقال سعد: أحكم أن تُقتل الرجال، وتُقسم الأموال، وتُسبى الذراري(4).
إنه مشهد صادم ذاك الذي عاشته الأوس وهي تترقب من سيدها، بحسب روايات أخرى، أن يحسن إلى مواليه ويشفع لهم بين يدي النبي، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول حين حوصر حلفاؤه من بني قينقاع. فإذا بالحكم يدوي في سماء يثرب معلنا تجريد الولاء لدين الله لا لسواه.
نعم، كان حكما صادما، لكنه وافق حكم الله من فوق سبع سموات، كما وافق قانون الحرب في شريعة بني إسرائيل. جاء في سفر التثنية، الإصحاح العشرون: “حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، وتستعبد لك.
وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفع الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك”(5).
أبت المشيئة الإلهية إلا أن تمهر مفارقة سعد لعالم الأحياء والأشياء بتوقيع خاص، وأن تُقرب الأذهان من إحدى تجليات التكريم الرباني لرجل صدق ما عاهد عليه الله ونبيه، فكان اهتزاز عرش الرحمن لموته، وتشييع الملائكة لجنازته، ثم خبر مناديله في الجنة، حفزا للأجيال اللاحقة، ليكون سيرها في الأرض تحققا عمليا لمقاصد الدين الخاتم.
