نظمت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، مساء الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، أولى ندوات الموسم الثقافي الخامس لمشروعها الفكري “ندوة الأمة”، تحت عنوان “التأسيس المنهجي للتكامل بين العلم والإيمان في الفكر الإسلامي”. وعقدت الندوة في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بالعاصمة الدوحة.
وجاءت الندوة في مستهل موسم ثقافي جديد يرفع شعار “العلم والإيمان.. ركائز البناء وأعمدة النهوض” بهدف تأصيل العلاقة بين المعارف الدينية والعلوم الكونية، وتفكيك دعاوى الانفصال المستوردة من السياقات الفلسفية الغربية. وشهدت الفعالية حضور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة سعادة السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم.
وافتتحت أعمال الندوة بكلمة لمدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، شدد فيها على أن الإسلام بنى صرح حضارته تاريخيا على التلازم الدائم بين نور الوحي وصحيح العلم. وبين أن الإيمان كان باعثا على طلب المعرفة، التي مثلت بدورها سبيلا لتثبيت الإيمان وترسيخه، مؤكدا أن “ندوة الأمة” تواصل رسالتها في نشر المعرفة المؤسسة وربط قضايا الواقع بهداية الوحي.
وأدار أعمال الندوة الأستاذ مشاري النملان مساعد مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية حيث توزع برنامج الفعالية على ثلاثة محاور علمية متخصصة قدمتها نخبة من الأكاديميين استهلها الأستاذ محمد جاسم الجاسم، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة قطر وإمام وخطيب جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، بورقة تناولت أصول النظر المعرفي عبر ثلاثية «البرهان والسنن والتدبر». وتلاه الأستاذ الدكتور نور الدين بن مختار الخادمي أستاذ الفقه وأصوله بجامعة قطر، متناولا «فقه التحضر الطبي المعاصر» والعلاقة البينية بين الطب والفقه انطلاقا من مركزية الجسد الإنساني، واختتم الدكتور إبراهيم الأهدل، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف، الجلسة بورقة حول «الأسس المنهجية للتكامل بين العلم والإيمان» مخصصة لتفكيك جذور الصراع الغربي وبيان مسارات إعمال المعرفة الحديثة في الفقه الإسلامي
ثلاثية قرآنية لتنظيم أصول النظر
انطلقت أعمال المحور الأول للندوة، التي أدارها الأستاذ مشاري النملان، بورقة قدمها عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة بجامعة قطر وإمام وخطيب جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب الأستاذ محمد جاسم الجاسم، بعنوان “البرهان والسنن والتدبر.. منهجية قرآنية للتكامل بين العلم والإيمان”، فند فيها مقولة “التجسير والتوفيق بين العلم والإيمان”.
وأوضح الجاسم أن هذا الطرح يقوم على افتراض مغلوط يتعامل مع الطرفين بوصفهما كيانين منفصلين أو ضفتي نهر، مؤكدا أن هذه الثنائية الانشطارية تمثل سؤالا مستوردا نشأ في بيئة جغرافية وفلسفية غربية لها ملابساتها الصدامية الخاصة، ثم تسربت بحمولاتها إلى الواقع الإسلامي الذي لا يعرف هذا الفصل في بنيته التأسيسية. واعتبر أن السؤال الحقيقي ليس “كيف نوفق؟”، بل “كيف نبني المعرفة من أصلها؟” عبر تقويم أصول النظر.
وفي معرض تحليله النقدي للمقاربات التوفيقية، حذر الجاسم من تحويل “الإعجاز العلمي” إلى محاكمة للنص القرآني المطلق أمام فرضيات ونظريات العلوم الطبيعية المتغيرة. كما انتقد “المدرسة التوفيقية التأويلية” التي تخضع القرآن لتأويلات قسرية لتطابق مقولات الحداثة؛ لما يترتب على ذلك من استبطان شعور بدنو النص ونزع التسامي والقداسة عن الشريعة. وأشار في المقابل إلى أن مدرسة “أسلمة المعرفة” قدمت إسهامات هامة وأنتجت مؤلفات رائدة، غير أن عوائق تطبيقية حالت دون مواصلة مسارها في الفضاءات العلمية.
ودعا الأستاذ الجاسم إلى اعتماد منهج “الاستثمار القرآني” بدلا من “الإسقاط”، مبينا أن الاستثمار يقتضي وضع ضوابط محددة تقوم على إدراك النتائج بوصفها اجتهادات بشرية نسبية تنتفي عنها القداسة المطلقة منعا للمساءلة، مع التزام ظواهر النصوص ودلالات لسان العرب، وتمتع المفاهيم المستنبطة بصدق ذاتي مستقل غير مرهون بالدليل الخارجي الطارئ. وأكد أن القرآن الكريم ليس مصنفا في فلسفة العلم بالمعنى الاصطلاحي، بل يقدم أصولا تعصم التفكير وتضبط حركته، صاغها في إطار نموذج تصنيفي وتحكيمي سماه “مثلث التكامل المعرفي.
وأضاف الأستاذ الجاسم أن هذا النموذج يتشكل من ثلاثة أركان حاكمة؛ أولها “البرهان”، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، ليمثل المرشح المعرفي الأول الذي يلزم أي دعوى، علمية كانت أو شرعية، بتقديم بينتها وتحديد وزن دليلها بين القطع والظن، قاطعا الطريق أمام تحكيم الهوى أو فرض الآراء بمنطق القوة والسلطان الذي جادله القرآن تاريخيا لدى الخصوم. وثاني الأركان هو “السنن”، الذي ينقل النظر من توصيف الحادثة المفردة إلى استقراء القوانين الكلية الحاكمة لشروط اطرادها وأسبابها، سواء كانت سننا كونية أو نفسية أو اجتماعية أو تاريخية.
وتطرق إلى عجز الفلسفات المادية التجريبية، وفي مقدمتها أطروحة الفيلسوف ديفيد هيوم، عن حل “لغز الاستقراء” وتبرير الانتقال المنطقي من ملاحظة وقائع الماضي إلى التيقن من اطرادها في المستقبل. وأكد أن هذا الإشكال يظل معضلة غير محسومة في الفلسفة المادية، ولا ينحل إلا في ظلال النموذج التوحيدي الإيماني؛ لأن الله الخالق هو الضامن لثبات القوانين واستقرار الوجود وسننية العالم وتسخيره، مستشهدا ببحوث الأستاذ في جامعة قطر رضوان خميس حول السنن الإلهية. أما ثالث الأركان فهو “التدبر“، الضابط الغائي والقيمي الذي ينقل الفكر من سـؤال الإمكان التقني “هل نستطيع؟” إلى سؤال القيمة والمشروعية “هل ينبغي؟.
وحذر الجاسم من أن عزل العلم عن التدبر يسقط الحضارة في “العقل الأداتي” الذي وظف المعرفة للقهر والإبادة، كما تجلى في تجارب الحداثة الغربية القاتمة كأفران الغاز النازية وتصنيع أسلحة الدمار الشامل، حيث حضر البرهان العلمي واستيعاب السنن وغاب التدبر الأخلاقي الرشيد.
وبين الأستاذ الجاسم أن تفاعل أضلاع هذا المثلث يكفل تحقيق الكشف الوجودي وضمان الاطراد بتآزر البرهان والسنن، ويمنح العلم التسويغ والتوجيه الأخلاقي بتفاعل البرهان والتدبر، ويهدي إلى التسخير الحكيم وحساب العواقب بتكامل السنن والتدبر. ووظف الباحث هذه المنظومة في معالجة نماذج تطبيقية معاصرة؛ مثل إخضاع بعض الأنظمة الصحية الرائجة للبرهان الطبي الحاسم والتأمل السنني قبل الترويج لها، ورد شبهات الملاحدة ببيان الخطأ المنطقي في المطالبة بدليل مخبري مادي على قضايا الغيب لكون المختبر محدودا بعالم المادة، فضلا عن تقديم إجابات عميقة لقضايا الطاقة والاستدامة البيئية بميزان السنن والتدبر لحفظ التوازن في الأرض، كما فكك إشكالات الفحص الجيني قبل الزواج حيث يثبت البرهان قطعية وجود الجين المرضي، وتحدد السنن احتمالات توارثه وتفاعله البيئي، بينما يتولى التدبر وزن المآلات الأخلاقية والقانونية الشائكة حول جدوى الإلزام القانوني بالمنع من عدمه، وتحديد الجهة المتحملة لكلفة رعاية طفل قد يولد بإعاقة دائمة.
وخلص الأستاذ الجاسم في نهاية حديثه، استنادا لدراسات توثيق الصعود الصيني المعاصر، إلى أن النهوض الحضاري رهن بامتلاك أمة تجمع بين طلب البرهان، وفقه السنن، وممارسة التدبر والمسؤولية الأخلاقية في توجيه المعرفة.
فقه التحضر الطبي المعاصر
تناول أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، الأستاذ الدكتور نور الدين بن مختار الخادمي، ورقة عمل جاءت بعنوان: “فقه التحضر الطبي المعاصر.. مقاربة بينية في سياق جديد”، مستفتحا طرحه بالاستناد إلى التلازم النصي بين قوله تعالى: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، والتوجيه النبوي التشريعي في قوله ﷺ: “تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم”.
وجعل الدكتور الخادمي من فكرة “الجسد الإنساني” النواة المركزية والمفصل الرابط بين الحقيقة الطبية والحقيقة الفقهية والوضع الكوني؛ مبينا أن هذا الجسد يمثل في آن واحد: وضعا كونيا مخلوقا، ووضعا مكلفا، ووضعا محاسبا. فهو في عالم الطب يمثل الموضوع الفيزيائي والبيولوجي المباشر للبحث من جهة عوارض الصحة والمرض، بينما يشكل في أصول الفقه وعاء ومحل “فعل المكلف” الذي تتعلق به الأحكام التكليفية الشرعية (من وجوب وندب وحرمة وإباحة) وموضع المساءلة والابتلاء في الدنيا والآخرة. كما يمثل الجسد في التقدير الكوني التوحيدي كائنا مخلوقا بتكريم إلهي استثنائي مصداقا لقوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾؛ إذ إن هذه “الأحسنية” خلقة مقدرة ومودعة في البنية البشرية ابتداء لتلائم روحه، وعقله، ومساره الدنيوي، ومصيره الأخروي، وتمكنه من القيام بأمانة الاستخلاف، والعبادة، وعمارة الأرض، وإقامة العدل، والنهي عن المنكر.
وانطلاقا من هذا التقاطع المفاهيمي، قرر الخادمي أن “الفعل الطبي” في الإسلام ليس تدخلا تقنيا معزولا، بل هو منظومة تشغيلية وسلوكية مركبة تتأسس عبر شبكة من الفاعلين المتكاملين: فالطبيب يمارس فعله بتشخيص المرض وتحديد الدواء لتحقيق “مصلحة جزئية”، والفقيه يمارس فعله ببيان حكم الشرع وتكييف هذا المسار العلاجي وضبط مآلاته، والمريض يمارس فعله بالامتثال التعبدي لأمر الله في حفظ النفس والأخذ بأسباب الوقاية والحماية والتداوي متكاملا مع توجيهات الطبيب وحكم الفقيه، فضلا عن امتداد هذا الفعل إلى عائلة المريض، ومؤسسات الرعاية، والبيئة المجتمعية المحيطة.
ومن هذا المنطلق البيني، دعا الدكتور الخادمي إلى تأسيس وتدوين حقل معرفي ومنهجي مستحدث يحمل اسم “أصول الفقه الطبي”، ينبثق من “بينية خماسية” متسلسلة تضم علوم الوحي وعلوم الكون؛ تبدأ ب علم الطب المعني بفيزيولوجيا الجسد صحة وسقما، وتتصل ب فقه الجسد المتضمن لبيان الأحكام الشرعية الجزئية للنوازل والممارسات الطبية، ثم أصول فقه الجسد (أصول الفقه الطبي) بوصفها القواعد الاستنباطية والمرجعية الكلية الموجهة لفقه الفروع الطبية، لترتقي إلى مقاصد فقه الجسد التي تعنى بالغايات التشريعية الكبرى وفي صدارتها المقصد الكلي “حفظ النفس” من جهة استشفائها وتناول أسباب سلامتها، وتتوج أخيرا ب علم الحضارة (حضارة فقه الجسد) الذي يترجم هذا التكامل المعرفي إلى عمران صحي، ومؤسسات استشفائية، وسياسات للصحة العامة والعمومية تسهم في رفاه المجتمع وإنجاز الأمة وتطويرها.
وفصل الخادمي في الكليات الخمس الكبرى المؤسسة لأصول فقه الجسد؛ مشيرا إلى أنها تشمل: كليات كونية مرتبطة بمراد الله في أصل الخلق والتكريم للبنية البشرية، وكليات لغوية مستمدة من قواعد دلالات الألفاظ الأصولية (كحمل صيغة الأمر في قوله ﷺ “تداووا” على الوجوب لحفظ النفس من التلف)، وكليات شرعية ابتدائية تقرر أن الجسد خلق بوضع إلهي مراد لغاية التكليف والابتلاء، وكليات مصلحية تؤصل لقاعدة أن الأصل الخلقي الأولي للإنسان هو المصلحة والصلاح والسلامة، وأن “المرض والمفسدة” وضع عارض وطارئ يناقض الأصل؛ ولذا جاء الطب ليدرأ المفسدة البدنية بالاستشفاء، وجاء الفقه ليدرأ المفاسد السلوكية والتشريعية، وصولا إلى كليات حضارية تعنى باستثمار طاقة هذا البدن المعافى في إنتاج ثمار مادية وروحية تثمر حضارة راقية قائمة على النفع والخير العام.
وفرق الدكتور الخادمي بدقة منهجية بين الكليات التعليمية والمباني المادية المتمثلة في كليات الطب الجامعية ومؤسساتها الاستشفائية، وبين “الكليات الطبية المفهومية” المتمثلة في النظريات العلمية، والموجهات الفلسفية، والمصفوفات القانونية والدستورية الحاكمة للممارسة الطبية؛ مشددا على حتمية تأطير هذه المصفوفات وتوجيهها لخدمة رسالتها التشغيلية وفق مراد الله في حماية الجسد واستشفائه.
واختتم الخادمي ورقته ببلورة الغاية القصوى لفقه التحضر الطبي المتمثلة في استيفاء “المصلحة الكونية الكبرى”، موضحا أنها ثمرة الجمع المتناغم بين ثلاث مراتب للمصالح:
- مصلحة خلق وإنشاء: ترتبط بسلامة الفطرة وحسن التقويم الأصلي.
- مصلحة تكليف وابتلاء: تعنى بالنهوض بأعباء الاستخلاف والعبادة الدنيوية من خلال الوقاية والتداوي وإدامة العافية.
- مصلحة بعث وجزاء: تتوجه نحو الفوز بالنعيم الأخروي ورضا الله في الجنة الذي يعد أعلى مراتب المصالح في هذا الوجود الكوني كله، والجزاء الأخروي إنما هو امتداد وتتويج لسلامة المصلحة التكليفية الدنيوية.
وخلص إلى أن “فقه التحضر الطبي المعاصر” يلزم الفاعلين جميعا -من طبيب يشخص المصلحة الجزئية، وفقيه يضبط حكمها الشرعي، ومريض يمتثل تعبديا، ومؤسسات تخطط للصحة العمومية- بالعمل ضمن نسق كلي مصلحي منضبط بمراد الله تعالى في خلقه وفي شرعه، بما يحقق كمال العافية في الدنيا والفوز في الآخرة.
الأسس المنهجية في تحقيق التكامل بين العلم والإيمان
وفي المحور الثالث والأخير من أعمال الندوة، قدم الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور إبراهيم الأهدل، ورقة تناولت منهجية التعامل مع نصوص الوحي بين ثوابت الدين ومتغيرات المعرفة، والاتجاهات الفكرية التي تفصل بين العلم والدين، ودور المؤسسات العلمية في مأسسة هذا التكامل.
واستهل الأهدل مداخلته بتفكيك الجذور التاريخية لمقولة الفصل بين العلم والدين، موضحا أنها ليست أصيلة في ثقافتنا، بل هي مقولة مستوردة نتجت عن صراع سلطوي وسياسي في أوروبا بين الكنيسة والعلماء حول “من يملك سلطة تفسير النص والكون”. وبين أن هذا الصراع انتهى باعتذار الكنيسة رسميا في نهايات القرن العشرين عما مارسته من منع وتضييق على الكشوف العلمية.
وأشار إلى أن هذا المسار الأوروبي أفرز طرفي نقيض: الأول نزعة إلحادية مادية سعت لإقصاء الدين جملة وتفصيلا واعتباره خرافة، والثاني تيار أصولي ديني (الخلقيون) تمسك بحرفية النصوص التوراتية ورفض العلوم التجريبية كليا. واعتبر الأهدل أن استيراد هذه المعارك الصفرية العدمية إلى البيئة الإسلامية ليس سوى أصداء جوفاء لثقافة مستوردة لا تمت لواقعنا بصلة.
وفند الدكتور الأهدل النماذج المعرفية الأربعة التي يصنف بها المنظرون العلاقة بين العلم والدين:
- نموذج الصراع: الذي تتبناه النزعة الإلحادية باشتراط إخضاع كل شيء (بما فيه الغيب) للتجربة والمختبر والقياس الحسي. وكشف الأهدل التناقض الذاتي والتهافت في هذا الاتجاه؛ موضحا أن المقولة ذاتها “إن كل ما لا يخضع للتجربة فهو باطل” قانون ذهني ومعنوي لا يخضع لأي اختبار حسي، مما يسقط النظرية من أساسها، كما استشهد بآيات قرآنية ترسم حدود العلم البشري مثل قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ و﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، مبينا أنه يمتنع عقلا استخدام أدوات العقل المحدود للحكم على عالم الغيب غير المحدود ونفيه.
- نموذج الاستقلال: القائل بأن العلم يفسر “كيف؟” والدين يفسر “لماذا؟”، وأنهما مساران متوازيان لا يلتقيان. ونقض الباحث هذا النموذج لتلازم السؤالين بالضرورة في الحدث الواحد وفي الزمان نفسه، فضلا عن اقتحام نصوص الوحي المباشر لموضوعات كونية علمية بحتة كنشأة الكون وأحداث الخلق والبعث والمعاد.
- نموذج الحوار: ووصفه بالنموذج الغامض لافتقاره إلى آليات إجرائية حاسمة عند وقوع التعارض الظاهري؛ إذ لا يبين متى يعاد تفسير النص ومتى ترد النظرية العلمية.
- نموذج التكامل : وهو النموذج الأصيل القائم على تضافر المعرفة لبلوغ الحقيقة الكاملة، وتؤسس له الآية الكريمة: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾؛ حيث إن الخلق (عالم التكوين وظواهره) والأمر (التشريع والنبوات) يصدران عن مصدر واحد (الله عز وجل)، وإذا اتحد المصدر اتحدت الغاية بالضرورة وامتنع التناقض، مع الحفاظ على وظيفة الوحي الأساسية وهي الهداية، وعالج الأهدل مسألة التفسير والإعجاز العلمي، مستعرضا اتجاهات العلماء:
- الاتجاه التوسعي المتكلف: ويمثله قديما الإمام أبو حامد الغزالي في كتابيه “جواهر القرآن” و”إحياء علوم الدين”، حيث قرر أن كل كلمة في القرآن تحمل علما مكنونا، وادعى إمكانية استخراج (77 ألف ألفا من العلم) من القرآن.
- اتجاه الرفض الصارم: وتزعمه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتاب “الموافقات”، رافضا هذا التوسع بقصر فهم القرآن على لسان العرب ومعهود الأميين زمن التنزيل.
- الاتجاه الوسطي المقبول : وهو الذي يتبناه التحقيق المعاصر، ويقوم على قبول التفسير العلمي بشرطين صارمين: ثبوت الحقيقة العلمية ثبوتا قطعيا مستقرا، ومطابقتها لدلالة النص القرآني صراحة وبلا تعسف مع صيانة مقصود القرآن الأصل كهداية.
وختم الدكتور الأهدل مدشاركته برسم خريطة طريق أصولية دقيقة لكيفية توظيف واستثمار المعارف الحديثة والعلوم التجريبية في الصنعة الفقهية لإنتاج الأحكام الشرعية، مفرقا بصرامة بين دائرتين:
- أولا: دائرة النصوص القطعية : وهي النصوص قطعية الثبوت والدلالة التي لا تحتمل التأويل (كأصول العقائد، وفرائض الصلوات الخمس، والمحرمات المجمع عليها كالربا والخمر، وقسمة المواريث المحددة). وأكد الأهدل أن هذه الأحكام ممتنعة تماما عن إعادة التأويل أو التبديل تحت ذريعة المتغيرات وتطور الواقع؛ ضاربا المثل بالدعاوى التي تطالب بتعديل أنصبة المواريث بحجة تغير الوضع المدني للمرأة والتزاماتها المعاصرة، معتبرا هذا الكلام غير وارد إطلاقا. وينحصر توظيف المعرفة الحديثة في دائرة الثوابت في مسارين فقط:
- تأكيد صدقية النص القرآني: كالكشوف الأثرية التي تدلل على صدق أخبار الأمم البائدة الواردة في التنزيل.
- تعزيز الحكم وتعميق مقصده: كالأبحاث الطبية والاقتصادية الكاشفة للمحاذير والمفاسد الكامنة وراء تحريم المسكرات والتعاملات الربوية.
- ثانيا: دائرة النصوص الظنية ومساحة ما لا نص فيه: وهي الفضاء الرحب للاجتهاد الفقهي، حيث توظف أدوات العصر المعرفية وتقنياته المستجدة في أربعة أبعاد جوهرية:
- تحقيق المناط: الاستفادة من المعارف التقنية والطبية والمادية في الإحاطة الدقيقة بالواقعة والنوازل وتوصيفها قبل تكييفها الشرعي وإنتاج حكمها.
- تطوير أدوات المجتهد والنظر في المآلات: توظيف قواعد البيانات الضخمة (Big Data)، والمؤشرات، والإحصاءات، والأقيسة المعاصرة، لمنح الفقيه قدرة فائقة وتقديرا حكميا دقيقا في التنبؤ بآثار الفتوى وتداعياتها المجتمعية، بشكل يتفوق على التقديرات الذاتية الفردية الظنية.
- مراعاة سياقات التصـرفات النبوية: عبر التفريق الأصولي بين ما صدر عن النبي ﷺ بمقام “الرسالة والتشريع والبلاغ” (وهو ملزم لا اجتهاد فيه)، وبين ما صدر عنه بمقام “الفتيا والقضاء وإدارة شؤون الدولة” (حيث تظل مقاصدها بحفظ الأمن والمصلحة ملزمة، بينما تتجدد وسائلها باستثمار المعرفة كأنظمة الأمن السيبراني وقواعد البيانات المعاصرة)، وما صدر بمقام “الحاجة والجبلة البشرية والخبرة الدنيوية” المتروكة لاجتهاد الناس وفق قاعدته ﷺ: “أنتم أعلم بأمر دنياكم.
- التصحيح الدقيق للتصورات الظرفية القديمة: استخدام المعرفة التجريبية الحديثة لإعادة النظر وتنقية شروح التفسير والحديث التراثية من التصورات الكونية والطبية البائدة التي ارتهنت لمعارف زمانها المحدودة. وضرب مثالا بتصحيح الفهم القديم الذي كان يعتقد أن الجنين يتخلق من دم الحيـض أو من مني الرجل وحده دون عملية تسلسلية، حيث تدخلت المعرفة البيولوجية وعلم الأجنة الحديث لتصحيح هذه التصورات وإبراز الدلالة القرآنية الدقيقة المطابقة لتخلق الجنين من النطفة المشتركة والتي تعرف بـ “الأمشاج.