الأخضري الجزائري ناظم العلوم ومحيي السنّة

كتاب مختصر الأخضري

على فترة من فوات الدرس العلمي في جزائر ما بعد الموحدين، ومن عمق الصحراء الجزائرية برز عالم نحرير ذو مواهب خلاّقة مبدعة في تيسير العلم الشرعي وآلاته من  العلوم الخادمة كالمنطق والبيان والبلاغة والحساب بطرائق النظم السهل السلس والتلخيص المتين، فضلا عن ربطه بالمعاني الأخلاقية التعبدية التي تجردت منها أكثر  كتب المتأخرين في الشروح والحواشي والاختصارات والتقاييد والتقريرات والاستدراكات.

وشهرته تأتت من ذيوع كتبه التي صارت مقررات في الزيتونة والأزهر وإفريقيا، فضلا عن المعاهد المغربية والزوايا الجزائرية، فمن من طلبة العلم والتحصيل لا يعرف “السلم المرونق في علم المنطق” و”الجوهر المكنون في الثلاثة فنون”.

إنه العلامة الأخضري الجزائري عبد الرحمان بن محمد الصغير الذي يعود نسبه لقبائل هلال بن عامر، ويقال أنه ينتسب للصحابي الشاعر العباس بن مرداس السلمي، ومن المعروف أن قبائل هلال وسليم استوطنت الجزائر في التغريبة المشهورة، وأسهمت في نشر اللغة العربية وتعميق الانتماء الشرقي للجزائر المسلمة.

من هو العلامة الأخضري ناظم العلوم؟

ولد رحمه الله  في الجزائر بالزيبان الشرقي في قرية بنطيوس قرب مدينة بسكرة، وذلك في مطلع القرن العاشر سنة (920ه)، وهو قرن حافل بالتغيرات الكبرى على الغرب الإسلامي، تغيرات أعقبت سقوط غرناطة وطرد الأندلسيين، وبدايات الغزوات الصليبية الإسبانية والبرتغالية على السواحل المغربية والجزائرية، وأخيرا تهاوي السلط القائمة التي خلفت دولة الموحدين، وكانت الكارثة ستكون أكبر لولا هبّة العثمانيين لإنقاذ المسلمين ودفع أساطيل المسيحيين الغازين لمدن وهران وسبتة وطنجة والعرائش والصويرة وتونس وبنزرت.

نشأ العلامة الأخضري الجزائري في بيئة بسيطة، وأخذ مبادئ العلوم في بلده عن علمائها، منهم والده العلامة محمد الصغير الذي كتب حاشية على خليل، وكتابا في نقد متصوفة الوقت، وقد كان تلميذا للعلامة زروق الفاسي.

والظاهر أنه قصد قسنطينة، فتتلمذ على عالمها الشيخ عمر الوزان تلميذ الشيخ زروق، ويقال أنه  رحل إلى قفصة وتونس وأخذ عن أبي يحي بن عقبة وأبي عبد الله القلجاني، ولقي هناك  العلامة قاسم العقباني التلمساني مجتهد زمانه، وأخذ عن شيئا من العلوم عن الإمام الخروبي الطرابلسي أثناء مروره بالزيبان، ولكن هذه الرحلات كانت قصيرة، وأغلب التكوين كان عصاميا  لكونه لم يخلّف ثبتا أو فهرسة لشيوخه.

وبعد استواء سوقه اشتغل بالتدريس في بلدته الصغيرة شتاء، فإذا جاء الصيف وحلّ القيظ ارتحل إلى الشمال حيث مصيفه، إذ كان يشغل وقته بتدريس طلبة زاوية “قجال” بنواحي سطيف، حيث انثال عليه الطلبة، وتخرج به جيل من العلماء والمدرسين، وكان له الأثر البالغ في العلم والسلوك والتربية، إذ كان آية في العبادة، وله خلوة ينقطع فيها للتعبد والتأله، وكان غاية في الزهادة  والعبادة، والانقطاع عن الدنيا وحكام الوقت.

توفي الإمام الأخضري الجزائري صغيرا ولما يتمّ ثلاثا وثلاثين سنة (953ه)، ولكن البركة أحاطت بهذا العمر القصير، حيث خلّف تآليف طارت مشرقا ومغربا، وتقرّرت كبرامج تعليمية في جامعات الزيتونة والأزهر وفي مدارس بلاد الهوسا في نيجيريا، فضلا عن معاهد ليبيا والجزائر والمغرب، ومن هذه المؤلفات:

مختصر الأخضري في الفقه: وهو مختصر فقهي منثور وقف به في باب السهو، وقدّمه بمقدمة تربوية أخلاقية في ربط العمل بغايته من إصلاح النفس وتصحيح النية واستصحاب التوبة.

-الدرة البهية في النحو: منظومة صغيرة ألفها لطلبته، وقد جارى بها متن الأجرومية.

– الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون: (291بيتا) وهو نظم لتلخيص المفتاح للخطيب القزويني، حيث نظم علوم البلاغة والبيان والبديع، وقد شرح هذا النظم، وصار عمدة في الدراسات البلاغية.

-السلم المرونق في علم المنطق:(144 بيتا) المتن المشهور لدى طلبة العلم، وقد خلّده هذا العمل  الذي فرض نفسه على الدراسات المنطقية  لقرون تالية، إضافة إلى شرحه الذي وضعه عليه حتى صار عمدة في المستويات الأولى لهذا العلم، وقد نظمه وهو صغير لم يتجاوز واحدا وعشرين سنة كما قال فيه:

ولبني إحدى وعشرين سنة **** معذرة مقبولة مستحسنة

-الدرة البيضاء: (117 بيتا) في علم  الحساب والفرائض والرياضيات، وقد كان العلماء لا يتخرجون في عصره إلا بإتقان تلك العلوم للحاجة الماسّة إليها في المواريث والتوقيت وكتابة العقود والشروط، والقسمة والشفعة وغيرها، وقد شرح منظومته الدرة في شرح كبير، وظل هذا الشرح عمدة الدراسات لقرون عديدة.

– السراج في علم الفلك: منظومة في علم الفلك والتوقيت، وقد شرحه تلميذه عبد العزيز بن أحمد الفارسي، وكذا سحنون الراشدي في “مفيد المحتاج في شرح السراج”.

-أزهار المطالب في الاسطرلاب: وهو تأليف في الهيئة والاتجاهات لمعرفة المشارق، وتحديد القبلة.

وهذه التآليف في الحساب والفلك والهيئة تدل على موسوعية الأخضري، وجمعه بين علوم الشرع والآلة والرياضيات والفلك، وتلك منقبة خالدة لعلماء الإسلام المؤسسون لمفاهيم التكامل المعرفي.

– الرائية: (163 بيتا) في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر شمائله ومحاسنه،  ومبشرات نبوته.

– اللامية: (250 بيتا) في الدعوة والإرشاد، ونقد علماء الوقت والحالة الاجتماعية، وهي قصيدة  معبرة عن  الموقف العلمي للإمام الأخضري من تردي الأحوال، وتقهقر الأوضاع، وهي شهادة صادقة على عصره، ومما جاء فيها:

واحذروا علماء السوء فقد *** خُصوا بالإفك والخطل
حفظوا الأقوال وما عملوا*** بالعلم فساء القوم قل
ما حرفتهم إلا لعبا *** ولحوم الناس بلا قلــــــــــــــل
أرباب قلوب قاسية **** للطاعة أصلا لم تمل
لا نطق لذكر الله لهم **** إلا باللهو وبالهزل
لا يكسبون العلم سوى **** لرياء الناس وللجدل

-القدسية: (357بيتا) وهي منظومة رائدة في نقد متصوفة الوقت، وفيها هجوم على البدع والفلكور الذي ألحق بالتصوف وأذهب جوهره في التربية والترقي في مقامات الإحسان، ولذلك شكل عبد الرحمان الأخضري لحظة فارقة في انتقاد الوضع الديني الذي آلت إليه بعض المسلكيات الصوفية في عهده، وقد غدت قصيدة ” القدسية” إنجيل الفقهاء والإصلاحيين من بعد في نقد الواقع الطرقي، وقد تأثر فيها بالعلاّمة زروق بطريق والده الذي درس عليه ببجاية، ومن المعروف أن زروق  انتقد واقع التربية في زمانه قائلا:” تتبعت الطرق الاصطلاحية الموجودة بأيدي الناس فلم أجد عند أهلها نفحة ولا نورا ولا حقيقة ولا علما ولا ذوقا ولا فهما جاريا على القياس الأول، إلا لذة نفسية  غالبها من استشعار الرئاسة والالتذاذ بالامتياز والاختصاص بالنسبة”، ولتصحيح ذلك الوضع كتب الإمام زروق كتابه المشهور” قواعد التصوف”، واشتهر بلقب محتسب الصوفية والعلماء.

كما أن الأخضري الجزائري كان متأثرا حتما بأصداء وآثار حركة الشيخ سعادة الرياحي الطولقي في الجزائر، والذي سعى لإعادة الدين إلى نصابه في واقع قبلي متفلّت من الالتزامات الشرعية والنظامية.

 وقد أشار الإمام عبد الرحمان الأخضري إلى شيوع إدعاء الولاية في زمانه، وألّف القصيدة القدسية في الرد على انحرافات أدعياء التصوف، والذين تناسلت أعدادهم مما جرّ بعضهم إلى مخالفة الشريعة، وللدلالة على خطورة اللحظة الأخضرية في نقد الواقع الاجتماعي والديني، فإننا ننقل بعض ما جاء في هذه القصيدة القدسية التي يقول فيها:

وقال بعض السادة الصوفية **** مقالة جلية صفية
إذا رأيت رجلا يطير ****  أو فوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف عند حدود الشرع **** فإنه مستدرج أو بدعي
وآسفا على الطريق السابلة **** أفسدها طائفة الدجاجلة
قد أحدثوا طريقة بدعية **** ورفضوا الطريقة الشرعية.

والقصيدة قطعة سامقة في التربية والتزكية والدلالة على مقامات الإحسان، ولأجل ذلك نالت مكانتها في الشرح والتعليق من بعض العلماء المهتمين بتصحيح الأوضاع والعودة بالأمة إلى الجادة والطريقة القويمة. والمستفاد من سيرة هذا الإمام العبقري الفذ ذي العمر القصير خصال كثيرة أهمها الصبر والمثابرة على التحصيل والإفادة، ومزج العلم بالعمل، والحرص على النفع، وعدم الاستسلام للظروف القاهرة، ومغالبة العوائق النازلة، والبرمجة الجادة لتلخيص العلوم وتقديمها للناشئة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات