تمهيد: الأخلاق في بنية الدين
تحتل الأخلاق مكانة أساسية في بنية الدين؛ فالدين لا يقتصر على تقديم تصورات عن الله والإنسان والكون، أو تنظيم الشعائر والعبادات، بل يتضمن كذلك توجيه سلوك الإنسان وعلاقاته، ويؤسس لقيم العدل والرحمة والأمانة والإحسان والمسؤولية. ومن ثم فإن دراسة الأخلاق ليست بحثًا في جانب هامشي من جوانب الدين، وإنما هي مدخل لفهم كيفية انتقال المعتقدات الدينية من مستوى التصور إلى مستوى الممارسة والسلوك. ويُعد البعد الأخلاقي والقانوني أحد الأبعاد التي يمكن من خلالها دراسة الدين ومقارنة تجلياته في التقاليد المختلفة.¹
ويتجلى ذلك بوضوح في اليهودية والمسيحية والإسلام، حيث ترتبط الأخلاق في كل منها بمصادرها العقدية والنصية والتشريعية، وإن اختلفت طبيعة هذا الارتباط وطرائق التعبير عنه. ففي اليهودية تتصل الأخلاق بالعهد والتوراة والشريعة، وفي المسيحية ترتبط بالمحبة والرحمة والغفران والاقتداء بالمسيح، بينما تتداخل في الإسلام مع التوحيد والوحي والتقوى وتزكية النفس والعدل والإحسان. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، فإن التقاليد الثلاثة تؤكد، بدرجات وصور مختلفة، أن التدين لا يستقيم بمجرد الاعتقاد أو أداء الشعائر بمعزل عن أثرهما في السلوك الإنساني.
ومن هنا، فإن المقارنة بين أخلاق هذه الأديان لا ينبغي أن تقوم على افتراض التطابق بينها، وإنما يكون المقصود الكشف عن مواضع الاشتراك والاختلاف، وفهم كل منظومة أخلاقية في ضوء مصادرها وتصوراتها الخاصة. وهذا هو المنهج الذي تؤكد عليه دراسات الأخلاق المقارنة التي تسعى إلى فهم الرؤى الأخلاقية الدينية في سياقاتها، مع المحافظة على خصوصية كل تقليد ديني وعدم اختزاله في قاسم مشترك واحد.²
من عناصر المنظومة الدينية إلى المجال الأخلاقي
تُفهم الأديان، من منظور علم الأديان، بوصفها منظومات متكاملة تتفاعل داخلها مجموعة من العناصر، من أبرزها: العقيدة الدينية، والمؤسس أو النبي، والنص المقدس أو النص المؤسس، والمنظومة الأخلاقية، والشعائر والطقوس، والجماعة الدينية. ولا يمكن الإحاطة بالظاهرة الدينية إحاطة كاملة من خلال دراسة عنصر واحد منها بمعزل عن العناصر الأخرى؛ فالعقيدة تؤسس للتصور، والنص يحدد المرجعية، والشعائر تحول الاعتقاد إلى ممارسة، والجماعة تحمل الدين في المجال الاجتماعي، بينما تظهر الأخلاق في الطريقة التي يترجم بها الإنسان معتقداته وعباداته إلى سلوك وعلاقات ومواقف.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الأخلاق باعتبارها منظومة منفصلة عن الدين، بل باعتبارها جزءًا من بنيته الكلية. فالمعتقدات الدينية تنتج تصورات عن الخير والشر، والواجب والمسؤولية، والإنسان وعلاقته بالله وبالآخرين، ثم تجد هذه التصورات طريقها إلى السلوك الفردي والاجتماعي من خلال التشريع والعبادة والتربية والممارسة.
وقد عرف التراث الإسلامي مبكرًا محاولات لتقسيم عناصر الدين ومقارنتها بين التقاليد الدينية. ومن أبرزها ما نجده عند أبي الحسن محمد بن يوسف العامري في كتابه الإعلام بمناقب الإسلام، حيث قسّم مجالات المقارنة بين الأديان إلى أربعة أركان رئيسة: الأركان الاعتقادية، والأركان العبادية، والأركان المعاملية، والأركان المزجرية.³ ويكشف هذا التقسيم عن وعي مبكر بأن الدين لا يقتصر على العقائد والعبادات، وإنما يمتد إلى تنظيم العلاقات والمعاملات وضبط السلوك من خلال ما يترتب على الأفعال من أحكام وجزاءات.
وتظهر الأخلاق، وفق هذا التصور، بصورة خاصة في مجالَي المعاملات والمزاجر، وإن كانت حاضرة في الأركان الأخرى كذلك؛ فالعبادة نفسها تحمل أبعادًا تربوية وأخلاقية، والعقيدة تؤسس لمجموعة من القيم التي تحدد موقف الإنسان من الله ومن نفسه ومن المجتمع. ومن ثم فإن دراسة الأخلاق في الأديان السماوية تقتضي النظر إليها باعتبارها ثمرة تفاعل بين الاعتقاد والنص والعبادة والتشريع والممارسة الاجتماعية.
الأخلاق في اليهودية: الاقتداء بالله والالتزام بالشريعة
تتصل الأخلاق في اليهودية اتصالًا وثيقًا بمفهومي العهد والشريعة، كما ترتبط بفكرة القداسة والاقتداء بالله. فالإنسان مطالب بأن يعكس في حياته قدرًا من الصفات التي ينسبها التقليد اليهودي إلى الله، ولا سيما القداسة والعدل والرحمة. ويظهر ذلك بصورة واضحة في سفر اللاويين: «كونوا قديسين، لأني أنا الرب إلهكم قدوس» (اللاويين 19:2).⁴ فالقداسة هنا لا تُفهم بوصفها حالة شعائرية مجردة، وإنما تتصل كذلك بطريقة العيش والسلوك.
ويظهر البعد الاجتماعي للأخلاق في النص نفسه في الأمر بمحبة القريب: «تحب قريبك كنفسك» (اللاويين 19:18). ولا يقف الأمر عند حدود الجماعة الدينية؛ إذ يرد في الموضع نفسه توجيه واضح إلى معاملة الغريب معاملة تقوم على الاحترام والمحبة: «ويكون لكم الغريب النازل عندكم كواحد منكم، وتحبه كنفسك» (اللاويين 19:34).⁵ ويكشف ذلك عن اتساع المجال الأخلاقي ليشمل العلاقة بالآخر، لا الاقتصار على العلاقة داخل الجماعة.
كما تعرض أسفار الحكمة مجموعة من السلوكيات التي تُعد مرفوضة أخلاقيًا، ومنها الكبرياء والكذب وسفك دم البريء والتآمر على الشر وشهادة الزور وإثارة النزاع بين الناس (الأمثال 6:16–19).⁶ ويربط سفر الأمثال كذلك بين التواضع وتقوى الرب من جهة، وبين الخير والكرامة والحياة من جهة أخرى: «ثواب التواضع ومخافة الرب غنى وكرامة وحياة» (الأمثال 22:4).⁷
وتظهر العلاقة بين الأخلاق والتشريع بصورة أكثر وضوحًا في الوصايا العشر، التي تتضمن النهي عن القتل والزنا والسرقة وشهادة الزور والطمع، إلى جانب تنظيم علاقة الإنسان بالله وبر الوالدين (الخروج 20:2–17).⁸ وهذا يدل على أن المنظومة الأخلاقية في اليهودية لا تنفصل عن الشريعة، بل تتشكل في إطارها، بحيث يصبح السلوك الأخلاقي جزءًا من الوفاء بالعهد والالتزام بأوامر الله.
ومن القضايا التي تظهر في النصوص العبرية كذلك تنظيم المعاملات المالية والنهي عن بعض صور الاستغلال، ومن ذلك النهي عن أخذ الربا أو الزيادة في بعض السياقات الواردة في التشريع والنصوص، كما في حزقيال 18:13.⁹ ومن ثم يمكن القول إن الأخلاق اليهودية تجمع بين البعد الديني والبعد الاجتماعي والتشريعي، وتربط صلاح الإنسان بمدى التزامه بأحكام الشريعة ومبادئ العدل والرحمة والقداسة.
ثالثا: الأخلاق في المسيحية: المحبة والاقتداء بالمسيح
إذا كانت الأخلاق اليهودية قد ارتبطت بالعهد والشريعة والاقتداء بالله، فإن الأخلاق في المسيحية تبرز بصورة خاصة من خلال مفهوم المحبة والاقتداء بالمسيح. ولا يعني ذلك أن المسيحية تنفصل عن التراث الأخلاقي السابق لها، بل إن تعاليم المسيح أعادت تأكيد عدد من المبادئ الأخلاقية (وهي تعمل وتعترف بالوصايا العشر السابقة ذكرها) ووسعت مجالها الروحي والإنساني.
ويُعد أمر المحبة من أبرز الأسس الأخلاقية في العهد الجديد؛ فعندما سُئل المسيح عن أعظم الوصايا، جمع بين محبة الله ومحبة القريب، قائلًا: «تحب الرب إلهك من كل قلبك… وتحب قريبك كنفسك» (متى 22:37–39).¹⁰ وبذلك تصبح المحبة أساسًا للعلاقة بالله وبالإنسان معًا، وليست مجرد عاطفة فردية.
وتتخذ هذه الأخلاق في تعاليم المسيح بعدًا يتجاوز مجرد الامتناع عن الانتقام، إذ يدعو إلى التعامل مع الإساءة بمنطق مختلف عن منطق المعاملة بالمثل: «من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا» (متى 5:39).¹¹ ويمكن فهم هذه التعاليم في سياق الدعوة إلى ضبط رد الفعل، والتسامح، وكسر دائرة الانتقام، وهي قيم ارتبطت في الفكر المسيحي بمفهوم المحبة والتضحية.
ويظهر الجانب الأخلاقي أيضًا في تعليم بولس عن «ثمر الروح»، الذي يشمل المحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة وضبط النفس (غلاطية 5:22–23).¹² وهنا لا يعود الأخلاق مجرد مجموعة من الأوامر الخارجية، بل تصبح مرتبطة بتكوين الشخصية والتحول الداخلي للإنسان.
كما استمرت الوصايا الأخلاقية الموروثة من التقليد الكتابي في الحضور داخل المسيحية، مع إعادة قراءتها في ضوء تعاليم المسيح. ولذلك فإن الأخلاق المسيحية تجمع بين الوصية والمحبة، وبين الالتزام السلوكي والتحول الداخلي، وبين ضبط الفعل وتكوين الشخصية. وقد جعل هذا التركيب من مفهوم الاقتداء بالمسيح محورًا مهمًا في فهم الأخلاق المسيحية؛ فالغاية ليست فقط معرفة ما ينبغي فعله، وإنما السعي إلى تشكيل حياة تتوافق مع المثال المسيحي في المحبة والتواضع والرحمة.
الأخلاق في الإسلام: تكامل الإيمان والعبادة والسلوك
أما في الإسلام، فإن الأخلاق لا تأتي بوصفها مجالًا منفصلًا عن العقيدة والعبادة والتشريعات الأخلاقية، وإنما تتداخل معها في منظومة واحدة. فالتوحيد يؤسس لعلاقة الإنسان بالله، والوحي يحدد مرجعيات الخير والشر، والعبادة تعمل على تزكية النفس وضبط السلوك، بينما تنظم الأخلاق علاقات الإنسان بنفسه وبغيره وبالمجتمع.
ويجمع القرآن بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع كثيرة، ومن أبرزها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ…﴾ (البقرة 2:177).¹³ فالآية تربط بين الاعتقاد ومجموعة واسعة من الأعمال الأخلاقية والاجتماعية، مما يؤكد أن البر في التصور القرآني ليس مظهرًا تعبديًا منفصلًا عن الحياة.
وتأتي سورة النحل لتضع صياغة جامعة لعدد من المبادئ الأخلاقية والاجتماعية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل 16:90).¹⁴ وتجمع هذه الآية بين قيم إيجابية، كالعدل والإحسان، وبين النهي عن صور الانحراف والاعتداء، بما يجعلها من أكثر الآيات وضوحًا في بيان مركزية الأخلاق في التصور الإسلامي.
ولا تقتصر العلاقة بين العبادة والأخلاق على المعاملات الاجتماعية؛ فالعبادات نفسها تؤدي وظيفة تربوية. فالصلاة، بحسب القرآن، ينبغي أن يكون لها أثر في ضبط السلوك: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت 29:45).¹⁵ والزكاة مرتبطة بالتطهير والتزكية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة 9:103).¹⁶ أما الصيام، فيرتبط بتحقيق التقوى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة 2:183).¹⁷ وهكذا لا تظهر العبادة في الإسلام باعتبارها أداءً شكليًا، وإنما باعتبارها ممارسة يفترض أن تترك أثرًا في بناء الشخصية والسلوك.
ويتأكد هذا المعنى في وصف القرآن للنبي محمد ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم 68:4)،¹⁸ وفي تقديمه نموذجًا للاقتداء: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب 33:21).¹⁹ فالأخلاق هنا ليست مجرد أحكام نظرية، بل تتجسد في نموذج إنساني عملي يمثل إمكان انتقال القيم من النص إلى السلوك.
ويؤكد الحديث النبوي هذا الاتجاه في قوله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».²⁰ ومع اختلاف ألفاظ الروايات وطرق تخريج الحديث، فإن معناه ينسجم مع الحضور الواسع لموضوع الأخلاق في القرآن والسنة، حيث تتكرر الدعوة إلى الصدق والأمانة والعدل والرحمة والإحسان والعفو وضبط النفس وحسن المعاملة.
ومن هنا يمكن فهم أركان الإسلام كذلك من زاوية أثرها الأخلاقي والتربوي. فالشهادة تؤسس للمرجعية العقدية التي يقوم عليها السلوك، والصلاة تربط الإنسان بالله وتدربه على الانضباط، والزكاة تعزز التكافل والمسؤولية الاجتماعية، والصيام يربي على ضبط الرغبات وتقوية التقوى، والحج يجمع بين العبادة والانضباط والمساواة والتجرد. وهذا لا يعني اختزال العبادات في وظائف أخلاقية فقط، وإنما يعني أن البعد الأخلاقي جزء أصيل من آثارها ومقاصدها.
المشترك الأخلاقي واختلاف الأسس
تكشف المقارنة بين اليهودية والمسيحية والإسلام عن مساحة واسعة من القيم المشتركة، من أبرزها العدل والرحمة والصدق والأمانة واحترام الإنسان والعناية بالفقراء والمحتاجين وضبط الشهوات والمسؤولية تجاه المجتمع. غير أن وجود هذه القيم المشتركة لا يعني أن الأديان الثلاثة تقدم تصورًا أخلاقيًا واحدًا؛ إذ تختلف المرجعيات التي تمنح هذه القيم معناها ودرجة إلزامها، كما تختلف طرائق تفسيرها وتطبيقها داخل كل تقليد ديني.
ففي اليهودية يرتبط السلوك الأخلاقي بصورة وثيقة بالعهد والشريعة والاقتداء بالله، وفي المسيحية يحتل مفهوم المحبة والاقتداء بالمسيح موقعًا مركزيًا، بينما يرتبط في الإسلام بالتوحيد والوحي والتقوى وتزكية النفس والعدل والإحسان. ولذلك فإن التشابه في النتائج السلوكية لا ينبغي أن يقود إلى إلغاء الفروق في الأسس والمفاهيم.
وتنبّه الدراسات الحديثة في الأخلاق المقارنة إلى أهمية المحافظة على خصوصية التقاليد أثناء المقارنة؛ فالمقارنة العلمية لا تعني جمع مجموعة من القيم المتشابهة وإطلاق اسم واحد عليها، وإنما تقتضي فهم القيمة داخل سياقها الديني والتاريخي والنصي، ثم النظر في أوجه التقارب والاختلاف بينها.²¹ ومن هنا فإن القول بوجود مشترك أخلاقي بين الأديان السماوية ينبغي أن يُفهم بوصفه مساحة للتقاطع، لا بوصفه إلغاءً للفوارق العقدية والتشريعية والفكرية. الأخلاق بوصفها تجسيدًا للدين
يتضح من المقارنة أن الأخلاق تمثل عنصرًا أساسيًا في بنية الأديان السماوية، وأنها ليست ملحقًا بالدين يأتي بعد العقيدة والعبادة، بل تتفاعل معهما بصورة مستمرة. فالعقيدة تحدد تصور الإنسان عن الله والإنسان والعالم، والنص يؤسس المرجعية، والعبادة تعمل على تربية الإنسان، ثم تظهر آثار ذلك كله في السلوك الفردي والاجتماعي.
وتقدم اليهودية نموذجًا تتداخل فيه الأخلاق مع العهد والشريعة والقداسة والعدل، بينما تبرز في المسيحية المحبة والرحمة والاقتداء بالمسيح وتكوين الشخصية الأخلاقية، ويقدم الإسلام نموذجًا تتكامل فيه العقيدة والعبادة والتقوى والتزكية والتشريع والسلوك في منظومة واحدة.
وعليه، فإن دراسة الأخلاق في الأديان لا تقتصر على حصر الوصايا والمبادئ، وإنما تتطلب البحث في الأسس التي تقوم عليها هذه المبادئ، والطرق التي تتحول بها إلى ممارسة، والعلاقة بين الأخلاق والعقيدة والعبادة والجماعة الدينية. وبهذا تصبح الأخلاق مدخلًا مهمًا لفهم الدين في كليته، كما تصبح المقارنة الأخلاقية وسيلة للكشف عن مساحات الالتقاء الإنساني مع المحافظة في الوقت نفسه على خصوصية كل تقليد ديني وتاريخه ومفاهيمه ومرجعياته.