الإتحاف في بيان مسائل الاعتكاف

فقهه الاعتكاف والاتحاف والاعتكاف

على مرِّ التاريخ الإسلامي ظل الاعتكاف من المسائل الفقهية التي يَسأل الكثير من المعتكفِين وغير المعتكفِين عن حقيقتها وأحكامها وشروطها وأقسامها وزمانها ومبطلاتها، ومن الملاحظ أن الأسئلة المتعلقة بهذه العبادة تتجدَّد كل عام مع حلول شهر رمضان المبارك واقتراب العشر الأواخر، رغم وجود أحاديث نبوية في الصحيحين (البخاري ومسلم) تبيّن مسائل هذه العبادة التي ينبغي على المؤمن أن لا يضيَّعها نظراً لفضلها الكثير ودورها العظيم في إصلاح القلوب وتزكية النفوس وعودة الإنسان إلى ربه والاشتغال بعبادته.

ويمكن القول إن تجدُّد الأسئلة حول مسائل عبادة الاعتكاف يعود إلى أسباب عديدة، منها قلة الكتب التي تُعنى بجمع مسائل هذه العبادة في مؤلَّف واحد سهل يُعين المسلم على الوقوف بكل سهولة على حقيقة الاعتكاف وحكمه وشروطه وأقسامه وزمانه ومبطلاته ووقت الخروج منه والدخول فيه، وكل ما يتعلق به من الأحكام والآداب والفضائل والمسائل والشروط والمبطلات.

وفي هذه المقالة سنحاول أن نقدم للقارئ خلاصة عن مسائل الاعتكاف من خلال الاعتماد على كتابين خاصين بالاعتكاف، الأول: “فقه الاعتكاف” لخالد بن علي المشيقح، والثاني: “الإتحاف في الاعتكاف” وهو عبارة عن رسالة موجزة لعبد الله بن سليمان بن عبد الله الشويمان تطرق فيها، من خلال خمسة عشر مبحثاً موجزاً، إلى كل ما يتعلق بالاعتكاف من الأحكام والآداب والمسائل والشروط ومبطلات، واقتصر على القول الصحيح والراجح عند أهل العلم في جميع مسائل الاعتكاف، ويبدو أن عبد الله بن سليمان اعتمد في رسالته هذه على كتاب “فقه الاعتكاف” لخالد بن علي المشيقح[1].

مفهوم الاعتكاف

الاعتكاف في اللغة الافتعال، قال صاحب لسان العرب في مادة (عكف): “والاعتكاف افتعال من عكف على الشيء يَعكُفُ ويَعكِفُ عكفاً وعكوفاً، وهو متعدٍ فمصدره العكف، ولازم فمصدره العكوف”، والمتعدي لغة بمعنى الحبس والمنع قال تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}، واللازم لغة بمعنى ملازمة الشيء والإقبال عليه قال تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي مقيمون، ويسمى الاعتكاف “جواراً” لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض”.

أما في الاصطلاح، فقد عرف الفقهاء الاعتكاف بأنه “حبس النفس في المسجد خاصة مع النية”، و”لزوم مسجد لطاعة الله”، وقد دارت تعريفات أئمة المذاهب حول هذا المعنى مع وجود بعض الفوارق في الأحكام والشروط، فمن تعريفات الحنفية للاعتكاف أنه “اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف”، ومن تعريفات المالكية أنه “لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً بصوم كافاً عن الجماع ومقدماته يوماً وليلة فأكثر للعبادة بنية”، في حين عرفه الشافعية بأنه “اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية”، وعرفه الحنابلة بأنه “لزوم المسجد لطاعة الله على صفة مخصوصة عاقل، ولو مميزاً طاهر مما وجب غسلاً”.

حكم الاعتكاف

الاعتكاف عبادة مشروعة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. أما الأدلة على مشروعية الاعتكاف من السنة النبوية فكثيرة، ومنها حديث: “عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر أواخر من رمضان”، وحديث: “عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده”.

ولا جدال في أن الله تعالى شرع لعباده الاعتكاف لحكمة بالغة تتمثل في العودة إلى الله تعالى والاشتغال به، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد” حين قال إن الله تعالى شرع لعباده “الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيَّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته.. إلخ”.

وعلى هذا المنوال، نجد خالد بن علي المشيقح يتحدث عن الحكمة من الاعتكاف فيقول في كتابه “فقه الاعتكاف” إن الاعتكاف من العبادات التي “بها يحي القلب وتزكو النفس، ويتوجه بها العبد إلى الخير والإحسان، ويتذكر بها عقيدة الثواب والعقاب، ويكون في محاسبة لأعماله وواجباته”.

أقسام الاعتكاف

ينقسم الاعتكاف من حيث الحكم إلى قسمين، الأول: الاعتكاف المسنون، قال ابن منذر رحمه الله: “وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه”، والثاني الاعتكاف الواجب، فيجب الاعتكاف بالنذر إجماعاً لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه”، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما “أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد، قال: أوفِ بنذرك”.

وهناك سؤال مهم في هذا الباب يمكن أن يطرحه أحد المهتمين بمعرفة أحكام الاعتكاف وهو: هل يجب الاعتكاف بالشروع فيه؟ وإجابة على هذا السؤال نقول إن خالد بن علي المشيقح توقف في كتابه “فقه الاعتكاف” مع هذا السؤال وقال إن هناك قولين لأهل العلم بخصوصه، الأول: أنه لا يجب بالشروع فيه وهو قول جمهور أهل العلم، والثاني: أنه يجب بالشروع فيه بمعنى أنه إذا قطعه وجب عليه أن يقضيه، وهذا هو المشهور عند المالكية.

زمن الاعتكاف

وقد اعتنى علماء الإسلام بالمدة الزمنية للاعتكاف، فتحدثوا عن الزمن المتأكد للاعتكاف وعن أقل زمن وأكثره للاعتكاف، ولكنهم اختلفوا حول أقل زمن على أقوال: ذهب أصحاب القول الأول إلى أن أقل زمن للاعتكاف يوم، وقال أصحاب القول الثاني إن أقله يوم وليلة، وقال أصحاب القول الثالث إن أقله عشرة أيام، أما أصحاب القول الرابع فقالوا إن أقل مدة للاعتكاف لحظة، جاء في “المجموع”: “الصحيح الذي المنصوص عليه الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة”.

أما بخصوص أكثر مدة للاعتكاف فيبدو أنه لا حدَّ لها ما لم يتضمن محذوراً شرعياً، لعموم قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، ولهذا فقد ذهب ابن الملقن إلى أن الاعتكاف لا يكره في أي وقت من الأوقات، وأن العلماء أجمعوا على أن لا حدَّ له، لكن المالكية يرون أن “منتهى المندوب شهر، ويكره أن يزيد على الشهر”. 

ويعتبر وقت دخول المعتكف وخروجه من المسائل التي يحتاج المعتكفون إلى معرفتها ويسألون عنها من حين لآخر، ويمكن القول إن السبب في ذلك يعود إلى اختلاف أهل العلم رحمهم الله في هذا الأمر، فقد اختلف العلماء في الوقت المستحب لدخول المعتكف على قولين: الأول أنه من قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين وبه قال جمهور أهل العلم، والثاني أنه من بعد صلاة الصبح من يوم الحادي والعشرين، وهو رواية عن الإمام أحمد والليث، وبه قال الأوزاعي، ومال إليه الصنعاني.

أما بخصوص زمن الخروج من الاعتكاف، فيبدو أن العلماء استحبوا أن يكون خروج المعتكف من معتكفه عند خروجه إلى صلاة العيد، قال إبراهيم النخعي: “كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يكون غدوّه منه إلى العيد” ولكي يصل عبادة بعبادة، أما الأوزاعي فقال إنه يخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام العشر، “لأن العشر تزول بزوال الشهر، والشهر يزول بغروب الشمس من ليلة الفطر”.

شروط الاعتكاف

وللاعتكاف شروط تكلّم عنها العلماء رحمهم الله وقد حصرها خالد بن علي المشيقح في ثمانية وناقش الاختلافات التي دارت حولها من قِبل العلماء قبولاً ورفضاً، وهذه الشروط إجمالاً هي: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، والطهارة من الحيض والنفاس والجنابة، وإذن السيد للرقيق والزوجة، والصوم، والمسجد، ويتضح من هذا -مثلاً- أنه لا يصح الاعتكاف من كافر لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}، ولا يصح الاعتكاف من مجنون ولا سكرات لحديث “إنما الأعمال بالنيات”.

أما بخصوص اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال، فذهب الشافعية والحنابلة وابن حزم وبعض المالكية إلى عدم اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف، وقال الحنفية إن الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب دون التطوع، وذهب المالكية وبعض الشافعية وشيخ الإسلام وابن القيم إلى أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف مطلقاً.

ويبدو أن ابن رشد قد توقف في “بداية المجتهد” مع هذا الخلاف حول شروط الاعتكاف من أجل تحليله معرفة أسبابه فقال: “والسبب في اختلافهم أن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما وقع في رمضان، فمن رأى الصوم المقترن باعتكافه هو شرط في الاعتكاف وإن لم يكن الصوم للاعتكاف قال: لا بد من الصوم مع الاعتكاف، ومن رأى أنه إنما ما اتفق ذلك اتفاقاً لا على أن ذلك كان مقصوداً له عليه الصلاة والسلام في الاعتكاف قال: ليس الصوم من شروطه، ولذلك أيضاً سبب آخر وهو اقترانه مع الصوم في آية واحدة”.  

مبطلات الاعتكاف

والاعتكاف ليس بدعاً من العبادات الأخرى، وبالتالي فله مبطلات حددها العلماء وذكرها خالد بن علي المشيقح في أحد عشر مبطلاً وناقش اختلافات العلماء حولها، وهي: الجماع، ومباشرة الزوجة ونحوها، وإنزال المني، وطروء الحيض والنفاس، والإغماء والجنون، والسكر، وفعل كبيرة من الكبائر، والردة، وإفساد الصوم، وقطع نية الاعتكاف، والموت.

والظاهر أن المبطلات السابقة لها شروط، حيث اختلف العلماء “فيما يشترط لمن تلبّس بمبطل من مبطلات الاعتكاف حسب اختلافهم في اعتباره مبطلاً أو عدم اعتباره”، ويمكن إجمال تلك الاختلافات في ثلاثة أقوال: الأول أنه يشترط لبطلان الاعتكاف بأي مبطل أن يكون عالماً ذاكراً مختاراً، والثاني أن يكون عامداً مختاراً إذا كان البطلان بالخروج وما يتعلق به، والثالث أن يبطل الاعتكاف مطلقاً.  


[1] “الإتحاف في الاعتكاف” رسالة موجزة جدا لم يريد شيئا موجزا: تبلغ (66 صفحة)، أما كتاب “فقه الاعتكاف” فهو كتاب اهتم صاحبه بالتفصيل وجاء في (360 صفحة).

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين