الرياضة بين اللعب والعلم

رياضة

لازمت الرياضة المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها، فلا يوجد مجتمع إلا وعرف شكلا من أشكالها إلى أن تحولت الرياضة من اللعب إلى العلم والمعرفة.

بعيدا في شمال اليونان، وفي جبل “أوليمبوس”، وقريبا من معبد “زيروس” كانت تقام الألعاب الأولمبية كل أربع سنوات، بدءا من العام 776 قبل الميلاد، وحتى القرن الرابع الميلادي، عندما ألغاها الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول، كانت مدتها خمسة أيام، وتشمل المصارعة والعدو ورمي الرمح وسباق العجلات والخيول والقفز، لكن موقع الأولمبياد طمرته الرواسب مع مرور السنوات الطويلة، وبمنتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أخذت تظهر بعض تلك الأطلال، فتشجعت بعثات الآثار للبحث عن المكان القديم،  ومع العام 1875م  عثر علماء الأثار الألمان على معبد “زيروس”.

بعث الاكتشاف فكرة للبارون الفرنسي دي كوبرتان Pierr de Cobertin تتمثل في إقامة أولمبياد في نفس المكان، وبعد جهود طويلة يُقام أول أولمبياد في العام 1896م، كان “دي كوبرتان” يأمل في توحيد البشر على روابط جديدة تتجاوز فكرة القومية والحدود السياسية والعنصرية، ومن ناحية أخرى كان يرى في الرياضة طريقا لتجاوز الآثار النفسية للهزيمة الفرنسية  عام 1870 أمام مملكة بروسيا، فجاء ازدهار الرياضة على الصعيد الدولي عقب ظهور القوميات الأوروبية، ونضج الوعي القومي.

ومنذ ذلك التاريخ تحولت الرياضة من اللعب والترفية، لتحتل مساحة فاعلة في عالم السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة، ويقدم كتاب “الرياضة والمجتمع”[1] للدكتور أمين أنور الخولي ، رحلة تحول الرياضة من اللعب إلى العلم والمعرفة، ومن الهامش إلى التغلغل في نسيج المجتمع المعاصر.

علم اجتماع الرياضة

لازمت الرياضة [2] المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها، فلا يوجد مجتمع إلا وعرف شكلا من أشكالها، سواء كمدخل للتأهيل للقتال، أو متنفسا للمتعة، أو أسلوبا للتربية والتقويم، والرياضة طور متقدم من اللعب، إذ تحكمها قوانين وأعراف ومعايير، لكنها تبلورت اجتماعياً من نفس النسيج الثقافي للعب، بعدما كانت في القرن التاسع عشر أحد الحلول الرئيسية لشغل وقت فراغ الطبقة الأرستقراطية، وفي العصر الحديث بزع “علم اجتماع الرياضة“، وظهر مفهوم “علوم الرياضة” Sport Sciences، كتعبير عن تقدم المجتمعات وتحضرها ووفرتها الاقتصادية والمعرفية.

كتاب “الرياضة والمجتمع” للدكتور أمين أنور الخولي رحمه الله

وتناول الرياضة كموضوع بحثي لم يعالج إلا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، حيث توالت الجهود لإرساء أسس نظرية وإمبريقية [3] لعلم اجتماع الرياضة كمبحث فرعي لعلوم التربية البدنية، فتم تحليل علم الرياضة وفق علم الاجتماع ونظرياته، ومن أهم هذه الأبحاث تطرق الفيلسوف هربرت سبنسرHerbert Spencer  للعب على أساس أنه طاقة متراكمة في قدرات غير مستخدمة، وعرفت نظريته باسم (نظرية الطاقة الزائدة Surplus Energy Theory) والتي تفسر الميل للعب على أساس أن الكائن الحي قد خلق وهو يمتلك من الطاقة ما يزيد على احتياجاته البدنية، بمختلف أوجهها، وهذا التراكم في الطاقة يستلزم مخرجا لاستنفادها وهذا ما يدفع الإنسان إلى اللعب، ومن ثم يوفر اللعب مخرجا لتصريف تلك الطاقة الزائدة، ويعمل كصمام أمان للحفاظ على التوازن الطبيعي لطاقة الفرد، وتم تشبيه ذلك بصمام الأمان في المراجل، والتي تُخرج البخار الزائد حتى لا تنفجر الغلايات، لهذا فاللعب والرياضة يحافظ على توازن الفرد، خاصة في مرحلة الطفولة، وهناك نظريات تذهب أن اللعب يؤدي في حياة البشر دوراً تدريبياً تأهيليا للتطبيع على مقومات الحياة الاجتماعية، فاللعب يقوم  باستعادة الأحداث غير السارة بهدف السيطرة عليها، وتقليل تأثيرها أو حتى إبطاله.

الفيلسوف هربرت سبنسر

ويلاحظ أن الرياضة تأسست عبر تاريخها على أسس من القيم الاجتماعية، فالأساس الأخلاقي من أهم الأسس والدعائم التي استندت إليها الرياضة في دعم مسيرتها الإنسانية، فهي إحدى الوسائل الاجتماعية المقبولة لتفريغ الدوافع والنوازع المكبوتة، وتخفيف مشاعر المعاناة والتوتر التي يستشعرها الفرد حيال ضغوط الحياة الاجتماعية اﻟﻤﺨتلفة، كما أنها أحد وسائل التخلص من العدوانية، وأحد وسائل تنمية الشخصية الاجتماعية، وأوضحت بحوث في مجال حركة الطفل أن شعور الفرد بالرضا عن جسمه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفسه، كما أن درجة قبول الطفل لذاته تتأثر بدرجة كفايته الإدراكية الحركية.

اقرأ أيضا :

الرياضة في تاريخ المسلمين

الرياضة والمنهج الخفي

لعبت وسائل الاعلام والاتصال الحديث خاصة التلفزيون دورا في شيوع الاهتمام بالرياضة، كما أن دخول الرياضة على خط الأرباح والاستثمارات الضخمة، جعلها مشاريع رائجة، خاصة أن بعض الرياضات ترتبط بالطبقة التي يتنمي إليها الشخص والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وهناك ربط بين التقدم والرفاهية الاجتماعية وبين الرياضة، فالرياضة واجهة حضارية للمجتمع، وقد أدى تزايد الرياضيين والرياضات إلى خلق سوق استهلاكية واسعة سواء في مستلزمات الرياضة أو ملابسها، وفي مجال الاعلانات.

وهناك حديث عن دور الرياضة في إكساب القيم، وأطلق على هذا النوع من التعلم “المنهج الخفي” Hidden Curriculum، وهو يعني: “الأشياء التي يتعلمها التلميذ في المدرسة، ولكنها ليست ضمن المنهج الرسمي، ومن ذلك تعلم التسامح، وتعلم مفهوم المنافسة، والإصرار على الفوز، والتعاون مع الآخرين”، فالمنهج الخفي يعبر مجموع القيم والسلوكيات التي تكتسب خارج المنهج الدراسي.

ويساهم المنهج الخفي، الذي تعد الرياضة أحد أهم أدواته، في تعليم وتكوين الطلاب للتعامل مع بيئاتهم ومجتمعهم، فيتعلمها الطلاب من خلال الممارسة والاحتكاك والتفاعل والخطأ والصواب والتجربة، وربما يكون دورها محوريا في صياغة الشخصية؛ خاصة في مراحل التنشئة الأولى، وربما هذا ما أكده عالم التربية الأمريكي ( جون تايلور جاتو John Taylor Gatto)  في كتابه “المنهج الخفي للتعليم الإلزامي” [4] بقوله:” لاحظت ظاهرة خلال الثلاثين عامًا التي أمضيتها في التدريس، أنه لم يعد أحد يعتقد أن العلماء قد تدربوا في فصول العلوم، أو السياسيين في فصول التربية المدنية، أو الشعراء في فصول اللغة الإنجليزية، الحقيقة هي أن المدارس لا تعلم حقًا أي شيء سوى كيفية إطاعة الأوامر”.

والحقيقة أن “المنهج الخفي” الذي يتسرب من خلال الكثير من القيم والسلوكيات إلى الطلاب في المدارس، وتعد الرياضة أحد عناصره، لا يقتصر على المدرسة فقط، ولكن يمتد إلى الحياة بكافة تنويعاتها، فممارسة الرياضة تناهض إلى حد كبير التعصب العرقي واللوني، من خلال تأسيس قيمة التسامح وتنمية مفهوم التنافس القائم على الجد والمثابرة، وأن سبيل الفوز مرهون بالاجتهاد، وربما هذا ما يفسر الحضور الكثيف لذوي البشرة السوداء في عالم الرياضة، وتحول بعضهم إلى أبطال عالميين، فالرياضة قد تكون قادرة على إسكات الكثير من الحساسيات الثقافية والعرقية والطبقية.


[1]  الكتاب صادر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت في ديسمبر 1996
[2] كلمة رياضة في اللغة الإنجليزية والفرنسية  Sport وفي اللاتينية   Disport ومعناها التحويل والتغيير ، ولقد حملت معناها ومضمونها من الناس عندما يحولون مشاغلهم واهتماماتهم بالعمل إلى التسلية والترويح من خلال الرياضة.
[3]  الإمبريقية هي توجه فلسفي يؤمن بأن كامل المعرفة الإنسانية تأتي بشكل رئيسي عن طريق الحواس والخبرة.
[4]  Dumbing Us Down: The Hidden Curriculum of Compulsory Schooling

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين