شهد الفكر الأوروبي بعد عصر النهضة ثم عصر التنوير تحولاً كبيراً في الفلسفة عموماً وفلسفة العلوم بشكل خاص، وفي الأطر الفكرية السائدة. وذلك بعد أن كان سائداً في هذه العصور اعتقادٌ وثقة مفرطة بالعقل؛ بأن العقل البشري والمنهج التجريبي قادران على الوصول إلى حقائق ثابتة يقينية مؤكدة عن الطبيعة والكون. أدى ذلك إلى هيمنة وسيادة نوع من اليقين العلمي، وشعور الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين بأنهم قادرون على الإمساك بتلابيب العلم والمعرفة، وأنهم بالتالي قادرون على معرفة الحاضر وما سيؤول إليه المستقبل.

كان التصور والشعور العام السائد لدى فلاسفة ومفكري وعلماء ذلك العصر يتمثل في:

  1. ثقة مفرطة في قدرات العقل على اكتشاف وفك شفرات الطبيعة والكون، وذلك تحت تأثير قناعات ومسلمات مثل: اطراد أحداث الطبيعة، ويقينية الاستقراء، ومبدأ العلية أو السببية.
  2. إعطاء العلم والنظريات العلمية المكتشفة نوعاً من اليقينية.
  3. سعيهم واعتقادهم بإمكانية التوصل إلى نظريات ومبادئ فلسفية عامة، أو ما يسميه البعض بـ “النسق الفلسفي الشامل“، بحيث يمكن تفسير كل شيء من خلال مبدأ فلسفي واحد.

كان رواد الفلاسفة والعلماء الذين أدت فلسفتهم وجهودهم إلى سيادة مثل هذه القناعات في ذلك العصر هم: ديكارت، ونيوتن، وكانط، مروراً بهيجل، وصولاً إلى جون ستيوارت مل.

البحث عن علم يقيني

بدأ الأمر مع ديكارت (1596-1650) الذي بحث عن أساس يقيني مطلق للمعرفة عبر الشك المنهجي (“أنا أفكر، إذن أنا موجود”). ثم جاء عهد فيزياء نيوتن، وبرز الاتجاه الميكانيكي الذي قدم للعلم تصويراً للكون كأنه آلة محكومة بقوانين رياضية ثابتة يمكن التنبؤ بها بدقة؛ حيث ينتهي تحليل كل شيء إلى اندفاعات الذرات المادية والمواقف التي تنشأ عن ذلك. وكان الاعتقاد السائد عن حركة الذرات هذه أنها تتحرك حركة دقيقة منتظمة، فترسّخت فكرة أن الطبيعة “كتاب مكتوب بلغة الرياضيات”، واعتقد المفكرون كذلك بأن مبادئ علم الطبيعة ونظرياتها صادقة صدقاً مطلقاً [1].

وبما أن حركة هذه الذرات حركة منتظمة دقيقة معروفة -حسب وجهة نظرهم- وبما أن المعطيات الحالية عن الطبيعة والكون معروفة، وبوجود الحساب وقوانين الميكانيكا، ينتج عن ذلك أنه يصير في وسع العلم أن يستنبط من ذلك كله كل تطور سابق أو لاحق للعالم. فكان يدور في اعتقادهم: لو عرفنا موقع وسرعة كل جسيم في الكون للحظة معينة، لأمكن حساب المستقبل بأكمله يقيناً. وبذلك ظهرت نظرية الحتمية التي قاد لواءها عالم الرياضيات والفيزياء والفلك الفرنسي بيير سيمون لابلاس (Pierre-Simon Laplace) (1749-1827) [2]، وتبعه في ذلك مواطنه كلود برنار (1813-1878) [3].

صورة تاريخية لرجل يرتدي زيًا عسكريًا تقليديًا، يظهر بتعبير جاد، مع تفاصيل دقيقة في ملابسه. تعكس الصورة حقبة تاريخية مميزة في التاريخ العسكري.
سيمون لابلاس (Pierre-Simon Laplace) (1749-1827)

ثم جاء دور إيمانويل كانط (1724-1804م) الذي يختلف عن ديكارت في تطرفه في الاعتماد على العقل وحده في الحصول على المعرفة اليقينية. ولكن كانط، رغم أنه كان يؤمن بأن المعرفة تبدأ من التجربة، كان يرى أن العقل يمتلك بنى ومفاهيم قبلية مستقلة عن التجربة تجعل الخبرة العلمية ممكنة. من هذه المفاهيم والمقولات القبلية: الزمان والمكان والسببية؛ فهذه المفاهيم، وخصوصاً الزمان والمكان، بالنسبة لكانط مطلقة ومنفصلة عن بعضها.

النسق الفلسفي الشامل

التطور الكبير في الفلسفة والعلوم والمناهج العلمية جعل العلماء يشعرون بأنهم قادرون على التوصل لنظريات وقواعد علمية ونسق فلسفي شامل يفسر كل شيء. كان هيجل من أبرز العلماء الذين سعوا لمثل هذا النسق الفلسفي الشامل. لا يعني هذا أن هيجل كان يعتقد بوجود قانون بسيط يشرح كل ظاهرة، مثل أي قانون فيزيائي. بل المقصود أن الواقع المتعدد يمكن فهمه باعتباره صورة وتعبيراً عن مبدأ عقلي واحد شامل، وأن المجالات المختلفة للوجود ليست أشياء منفصلة بلا رابط، وإنما هي نسق واحد مترابط، فالطبيعة والإنسان والتاريخ والفن والدين والسياسة بالنسبة لهيجل ليست عوالم منفصلة تماماً، بل يجمعها مبدأ واحد، وهذا المبدأ الأساسي عند هيجل هو الروح (Geist) أو الفكرة المطلقة.

وبالمثل في مجالات العلوم الأخرى، أدت الإسهامات في أسس الفيزياء والكيمياء والأحياء والاقتصاد إلى اعتقاد الكثيرين آنذاك أن هذه الأسس تكاد تكون مكتملة، وأن القوانين الفيزيائية قادرة على تفسير الواقع بأكمله. يقول ألكساندر كراوس في كتابه “علم العلم Science of Science”: “مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، بدا أن قوانين الحركة والجاذبية والكهرباء والمغناطيسية، إلى جانب قوانين حفظ الطاقة والديناميكا الحرارية، قادرة على تفسير الواقع الفيزيائي بأكمله. وبدا أن الفيزياء قد كشفت القوانين الأساسية التي تحكم العالم. وفي عام 1900 صرح اللورد كلفن، أحد أبرز علماء الفيزياء في عصره، خلال اجتماع للجمعية البريطانية للعلوم قائلاً: “لم يعد هناك شيء جديد يمكن اكتشافه في الفيزياء، وكل ما تبقى هو إجراء قياسات أكثر دقة” [4].

غلاف كتاب "علم العلم" لألكسندر كراوس، يظهر صورة للكاتب مع ابتسامة، وخلفية تحتوي على نباتات. الكتاب يناقش أسس وحدود العلم من منظور بين تخصصات مختلفة.
كتاب “Science of Science” للمؤلف ألكسندر كراوس،اصدار دار نشر جامعة أكسفورد (2024).

يقينية واتساق علم الرياضيات

كان الاعتقاد السائد عند كثير من الفلاسفة والرياضيين منذ فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو وإقليدس، مروراً بفلاسفة عصر النهضة وعصر التنوير مثل ديكارت وكانط ولايبنتز، أن الرياضيات تمثل النموذج الأعلى لليقين العقلي، وأن الرياضيات تتأسس على مبادئ عقلية وبديهيات واضحة وراسخة. وإذا كانت هذه المبادئ بهذا الرسوخ واليقين، فعن طريق الاستدلال المنطقي يمكن الوصول لنتائج صحيحة ثابتة.

ثورة علمية مضادة تهز أركان التي قبلها

نقد العلم واليقين العلمي

أدى ظهور ميكانيكا الكم، والتي بدأت شرارتها الأولى في عام 1900 على يد العالم ماكس بلانك، وكذلك نظرية النسبية العامة التي نشرها كاملة ألبرت أينشتاين في عام 1915، إلى ما يشبه الزلزال في القناعات السابقة المتعلقة بالنزعة النيوتنية ونظرية الحتمية وفلسفة كانط فيما يتعلق بالمفاهيم القبلية مثل الزمان والمكان.

فميكانيكا الكم بينت أن الأجسام ما دون الذرات لا تتحرك حركة منتظمة وفق مسارات ثابتة كما تخيلها علماء الفيزياء الكلاسيكية مثل لابلاس وبرنار كما بينا سابقاً، بل هذه الجسيمات تتحرك حركة غير منتظمة وفق مسارات متقطعة من وحدات الطاقة، كل وحدة أُطلق عليها اسم الكم (Quantum). ثم جاء تأكيد الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرغ عبر مبدأ اللايقين، والذي ينص على أنه لا يمكن قياس موقع جسيم وزخمه (الكتلة والسرعة Momentum) في آن واحد، وذلك ليس بسبب قصور أدوات الدراسة والمعرفة، وإنما بسبب طبيعتها نفسها. فكلما زادت دقة معرفتك لموقع الجسيم (قلّت نسبة الخطأ في الموضع)، زاد الغموض وصعب تحديد كمية حركة ذلك الجسيم أو زخمه بدقة، والعكس صحيح.

هذا يعني أن حركة هذه الجسيمات لا تخضع لسببية حتمية صارمة بل لاحتمالات جوهرية؛ فحتى لو عرفنا كل الشروط، لا يمكن التنبؤ بنتيجة حدث بعينه يقيناً، بل باحتمال فقط. وبالتالي أدى هذا إلى نسف كل آمال أصحاب النظرية الحتمية في المعرفة اليقينية للطبيعة والمادة بناءً على معرفة الواقع الحالي، وبناءً على الحسابات والقوانين الفيزيائية.

وبمثل ما أحدثته ميكانيكا الكم من زلزال في أسس الفيزياء الكلاسيكية، جاءت نظرية أينشتاين النسبية لتهز وتنسف قناعات ظلت راسخة لعقود متعلقة بالزمان والمكان. فبينت نظرية أينشتاين النسبية أن الزمان والمكان ليسا مطلقين بل نسبيين، وأن الزمان يتباطأ كلما تحرك الجسم بسرعة عالية جداً تقارب سرعة الضوء، وهو ما يُعرف بـ تمدد الزمن (Time Dilation).

كذلك، بينما كان الاعتقاد سابقاً -كما في الفيزياء النيوتنية- أن حركة الأجسام ومداراتها في الفضاء سببها قوى الجاذبية بين الأجرام السماوية، يأتي أينشتاين بمفهوم وتفسير جديدين يهدم به نظريات نيوتن المتعلقة بقوى الجذب، حيث يقرر أن الأجرام السماوية تتحرك لا بسبب قوى الجذب بل بسبب انحناء الزمكان، مدمجاً مفهومي الزمان والمكان في مفهوم واحد “الزمكان“. وبهذا أيضاً يضرب مقولة كانط حول مفاهيم الزمان والمكان القبلية. وفي هذا الصدد يقول بوشنسكي: “وعلى هذا اتضح أن ديكارت وكانط أساءا التصور على نحو يتسم بالسذاجة الشديدة” [5].

انتقد أرنست كاسيرر أيضاً فلسفة عصر التنوير في ثقتها الزائدة بنفسها وعدم اعتبار عوامل ومعايير أخرى في العلم غير التي تعتبرها هي فقط، مما أدى لمثل هذا الانغلاق والانخداع بالنفس. يقول كاسيرر في كتابه “فلسفة التنوير“: “فمن المتعارف عليه اعتبار العيب الأكبر لحقبة التنوير يتمثل في افتقارها إلى فهم البعيد تاريخيًّا والغريب عنها، وفي أنها بسذاجتها وثقتها الزائدة بنفسها نظرت إلى معاييرها الخاصة باعتبارها وحدها المطلقة والشرعية والممكنة لتقويم الأحداث التاريخية” [6].

كتاب فلسفة التنوير لألست كاسر، يغطي مواضيع فلسفية معاصرة، مع غلاف ملون يعكس الفضاء. يُعرض الكتاب في مكتبة مع خلفية من الكتب، مما يعكس جوًا ثقافيًا.
فلسفة التنوير، إرنست كاسيرر، ترجمة إبراهيم أبو هشهش، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ( 2018 )

أزمة الرياضيات

أما في الرياضيات فقد ظهرت اكتشافات ونظريات عدة أدت إلى خلخلة ذلك الاعتقاد الذي كان سائداً حول يقينية هذا العلم وبديهيته واتساقه. فقد جاء جورج كانتور (Georg Cantor) بنظرية المجموعات، وخصوصاً عند الحديث عن المجموعات اللانهائية، والتي من خلالها يظهر نقض لمبدأ منطقي عقلاني وهو أن “الكل أكبر من الجزء“. فتظهر مجموعة الأعداد الزوجية اللانهائية لها نفس المقدار الذي لمجموعة الأعداد الطبيعية، مع أن الأعداد الزوجية جزء من الأعداد الطبيعية.

يقول طه عبد الرحمن عن ذلك: “يدل تاريخ المنطق الحديث، كما دل على ذلك تاريخ العلوم الطبيعية، على أن ما نصطنعه من قوانين ليس محفوظاً من التغير والزوال؛ فالقوانين المنطقية قابلة للمراجعة وللمناقضة كما تقبلها القوانين الطبيعية، بحكم التفاعل الذي يجب أن يقوم بين النسق المنطقي والبنية التي يصوغها؛ ولا أدل على ذلك من قوانين بلغ الاعتقاد في ثباتها درجة نِسْبتها إلى العقل الإلهي ذاته، فصارت، بعد ذلك، معدودة في العلاقات الجائزة غير الضرورية مثل مبدأ (إن الكل أكبر من الجزء) الذي ينقضه شاهد الأعداد: فمجموعة الأعداد الزوجية لها نفس المقدار الذي لمجموعة الأعداد الطبيعية، والأعداد الزوجية جزء من الأعداد الطبيعية” [7].

تبع ذلك ظهور مفارقة راسل (نسبة للفيلسوف والرياضي البريطاني برتراند راسل 1872-1970)، مما جعل عالم الرياضيات الألماني دافيد هيلبرت (1862-1943) يسعى لمقترح جديد لتأسيس الرياضيات الكلاسيكية، عُرف لاحقًا باسم برنامج هيلبرت. كان عمل هيلبرت عبارة عن استكمال لعمل راسل نفسه مع ألفرد نورث وايتهد من خلال كتابهما الشهير “برينسيبيا ماثماتيكا” (Principia Mathematica ). فقد سعى كل من راسل ووايتهد إلى البرهنة على أن جميع الرياضيات يمكن اشتقاقها من مجموعة صغيرة من المبادئ المنطقية وقواعد الاستدلال. ويُعرف هذا التوجه الفلسفي باسم النزعة المنطقية (Logicism). وبعبارة مبسطة، كان هدفهما إثبات أن الرياضيات ليست سوى امتداد للمنطق؛ فقد اعتقدا أن المفاهيم الرياضية، مثل الأعداد والحساب والجبر وغيرها، يمكن تعريفها وإثبات قوانينها انطلاقًا من المنطق الخالص، دون الحاجة إلى افتراضات رياضية مستقلة. وكان أحد الدوافع الرئيسية لتأليف الكتاب هو معالجة التناقضات التي ظهرت في نظرية المجموعات، وعلى رأسها مفارقة راسل.

كان برنامج هيلبرت يدعو إلى صياغة الرياضيات كلها في صورة نسقٍ بديهي (أكسيومي) رسمي، مع تقديم برهان يثبت اتساق هذا النسق البديهي (أي لا يؤدي إلى أي تناقض) وأنه “كامل” (أي أن أي عبارة رياضية صحيحة يمكن إثباتها داخل النظام نفسه) [8].

لكن يبدو أن برنامج هيلبرت وتفاؤله لم يكن في محله، فقد اصطدم باكتشاف عالم الرياضيات والمنطق والفيلسوف النمساوي-الأمريكي كورت غودل (Kurt Gödel) من خلال عمله الشهير مبرهنات عدم الاكتمال الأولى والثانية.

تنص مبرهنة عدم الاكتمال الأولى على أنه “في أي نظام صوري متسق يمكن فيه إجراء قدر معين من العمليات الحسابية، توجد عبارات ضمن لغة هذا النظام لا يمكن إثبات صحتها ولا إثبات بطلانها داخله“.

لأجل إثبات هذه الحقيقة، ابتكر غودل جملة رياضية تقول: “هذه العبارة لا يمكن إثباتها“. فإذا تم إثبات هذه العبارة فقد تم إثبات أنه لا يمكن إثباتها، وإذا لم يتم إثباتها فقد صدقت العبارة ولم يتم إثباتها [9].

رجل مسن يرتدي نظارات وقميص أبيض يجلس أمام طاولة يتحدث، خلفه صورة توضح عنوان كتاب "سؤال المنهج في آفاق التأسيس لنموذج فكري جديد" مع رموز زخرفية.
“سؤال المنهج” للمفكر طه عبد الرحمن، المؤسسة العربية للفكر والإبداع (2015)

وتنص مبرهنة غودل الثانية لعدم الاكتمال -وهي نتيجة مترتبة على مبرهنته الأولى- على أن أي نظام صوري يتضمن الحساب لا يمكنه إثبات اتساقه الذاتي. وهذا يعني أنه من المستحيل البرهنة على خلو مثل هذا النظام من التناقضات باستخدام القواعد والبديهيات الموجودة داخل النظام نفسه فقط. وتُبرز هذه المبرهنة قصوراً جوهرياً في الأنظمة الصورية، مما يؤثر على فلسفة الرياضيات من خلال إظهار أن اليقين المطلق بشأن اتساق النظام لا يمكن تحقيقه من داخل النظام ذاته.

هذا يعني أن الرياضيّات لا تستطيع أن تثبت “لنفسها” أنها خالية من الأخطاء أو التناقضات من الداخل، أي من داخل النظام الرياضي. فإذا أردت أن تبرهن على اتساق نظام ما، فعليك الاستعانة بنظام آخر أكبر وأقوى منه، والذي بدوره لا يمكنك إثبات اتساقه إلا بنظام أكبر، وهكذا [10].

الخلاصة

نستطيع أن نلاحظ من خلال هذا التحول الكبير في تاريخ العلم والفلسفة أن السؤال الفلسفي الأساسي تحول من “كيف نستطيع أن نحصل على معرفة يقينية تفسر كل شيء؟” إلى سؤال أكثر واقعية وأكثر ملاءمة لطبيعة العلم وللحدود العقلية البشرية. فقد أصبح السؤال “ما الذي نستطيع أن نعرفه؟ وكيف نعرفه؟ وما هي حدود معرفتنا؟”

فكما كانت أفكار وفلسفة عصر النهضة ثم عصر التنوير ثورة ضد أفكار العصور الوسطى متضمنة تعاليم الكنيسة والفلسفة المدرسية، فإنه وبالمثل كان هذا التحول في الفلسفة والنظريات والأطر العلمية في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين يعد ما يمكن أن يُسمّى ثورة فلسفية وفكرية على أفكار عصر النهضة وعصر التنوير.

إن الاعتقاد بعدم وجود اكتشافات علمية كبرى متبقية هو رأي تكرر عبر التاريخ بين كثير من العلماء، ثم تأتي الاكتشافات والتحولات اللاحقة لتهدم ما قبلها وتهدم مثل هذه الآراء والقناعات. ولم تزل هذه التحولات مستمرة إلى يومنا هذا، ما دام البشر مستمرين في سعيهم العلمي الحثيث لاكتشاف أنفسهم والكون من حولهم.

عندما يدرك عقل الإنسان قصوره ويعرف حدوده، ويعرف أن الكون كتاب كبير، أكبر بكثير مما يظن، وأنه ما زال هناك الكثير ما لم يُعرف بعد، حينها ستتجلى ميزة العقل البشري في البحث واكتشاف ما لم يكتشف بعد.