كان المنهج النبوي الدعوي منهجًا ربانيًا شريفًا متكاملًا، عقيدة وشريعة، وأخلاقًا وسلوكًا، وهو المنهج الخالد المبرأ من النقص؛ هدفه الأسمى إسعاد جميع الخلق وهدايتهم؛ ومن ثم يعد تأليف القلوب من مقاصده السامية، القائم على استمالة النفوس إلى المحبة والمودة، وجمعها على الحق والخير، وإزالة أسباب النفرة والعداوة، وتقوية روابط الأخوة والتعاون بين أفراد المجتمع، وذلك بمختلف الوسائل المشروعة التي تحقق الألفة والوحدة والاستقرار، وتسهم في تقوية الروابط الإيمانية والاجتماعية بين المسلمين.

وفي صفحات القرآن الكريم آيات بينات تدل على عِظَم أثر التأليف في اجتماع القلوب وأهميته، ومن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 62-63]. وفيها بيان أن اجتماع القلوب نعمة تحتاج إلى رعاية أسبابها مع الاعتقاد بأن التوفيق بيد الله تعالى.

وقال جل شأنه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]. فانظر كيف جعل الله تأليف القلوب سببًا للانتقال من العداوة إلى الأخوة.

كما جعل الله تعالى المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60]. وكانت هذه الآية هي أصرح آية في باب التأليف.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأمته علنًا: “يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا، ولا تنفِّروا”[1].

ولهذا تتأكد أهمية هذا المقصد الدعوي في حق المسلمين الجدد؛ لأن انتقال الإنسان إلى الإسلام قد يصاحبه تغير في علاقاته الاجتماعية وعاداته السابقة، أو تحديات نفسية وأسرية، مما يجعل إحاطته بالرعاية والرحمة وحسن المعاملة من الوسائل المهمة التي تعينه على الاستقرار والثبات وتقوية صلته بالإسلام.

ومن هنا ينبغي الانتباه لقولنا لمن أسلم: “أنت أخونا في الإسلام”، فهذا القول لا يكفي دون أن تُشاهد وتُعاش هذه الأخوة في تعاملنا معه، وفي سؤالنا عنه، وفي وقوفنا بجانبه، وفي صبرنا على تعلمه، وفي رحمتنا بأخطائه؛ أي إنه لا ينبغي للداعية أن تنتهي مسؤوليته عند نطق الشهادتين.

مظاهر تأليف قلوب المسلمين الجدد في السنة النبوية

في السنة النبوية مواقف كثيرة تكشف لنا أساليب النبي عليه الصلاة والسلام في تأليف القلوب والتعامل مع الداخلين في الإسلام، وهي الأساليب التي تجمع بين الرحمة والحكمة وحسن التربية، ومن أشهرها ما يلي:

أولًا: التأليف بالعطاء

إن العطاء المعنوي هو الأكثر استعمالًا واشتهارًا في الهدي النبوي لتأليف القلوب، وكثيرًا ما كان يُعطي عليه الصلاة والسلام عطاء الوقت، أو الابتسامة، أو الاهتمام، أو فرصة للتعلم. وقد يستعمل عليه الصلاة والسلام العطاء المادي أحيانًا في بعض المواطن كوسيلة من وسائل التأليف، أو لغة من لغات الرحمة، أو لإزالة الحواجز.

وقد ظهر ذلك بصورة واضحة بعد غزوة حنين، حيث أعطى عليه الصلاة والسلام جماعة من رؤساء القبائل وغيرهم من المؤلفة قلوبهم عطاءً عظيمًا، ومنهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس رضي الله عنهم. وحتى حين رأى بعض الأنصار ما أُعطي أولئك، ووجدوا في أنفسهم، خطبهم النبي عليه الصلاة والسلام وذكرهم بفضله عليهم، وقال: “أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ؟”[2] فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله عليه الصلاة والسلام قسمًا وحظًّا”[3].

وصار العطاء والبذل من أبرز مظاهر تأليف القلوب في السنة النبوية، وقد نقل أنس “أن رجلًا سأل النبي عليه الصلاة والسلام غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا فوالله إنّ محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر”، فقال أنس رضي الله عنه: “إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.”[4]

ولكن لا يظنن ظانّ أن العطاء شراء للإيمان، فليس الأمر كذلك، ولم يكن الهدف أن يصبح المسلم الجديد مرتبطًا بالمال، وإنما الهدف كما تقدم هو استجلاب القلوب إلى محاسن الإسلام، وإزالة ما في النفوس، وتحقيق الأخوة، وتثبيت المسلم على الخير. ولهذا يحسن أن يكون العطاء متنوعًا ولا ينحصر في الجانب المادي، وأن يكون بالحكمة؛ فقد يكون المال سببًا في إزالة حاجة، والهدية سببًا في إيجاد محبة، والزيارة سببًا في إزالة وحشة، والكلمة الطيبة سببًا في تثبيت قلب، والابتسامة سببًا في تقرب. فإن الداعية الفطن هو الذي يستطيع أن يقدم للمسلم الجديد ما يناسبه من العطاء حتى يشعر أن الإسلام قد منحه أخوة ورحمة ومجتمعًا يحتضنه، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصنع في بعض المواطن.

ثانيًا: الرفق واللين في تأليف القلوب

كان الرفق من أبرز سمات المنهج النبوي في التعامل مع الناس، ولا سيما مع المسلم الجديد؛ لأن القلب قد يحتاج إلى الأمان والاحتواء قبل أن يحتمل كثرة التوجيه والتصحيح، قال تعالى مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه”[5]. وهذا حديث يمثل أصلًا عظيمًا في هذا الباب؛ لأنه جعل الرفق زينة التعامل التي تجمّل الأفعال كلها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: “من يُحرم الرفق، يُحرم الخير”[6].

أي إن الرفق من أسباب حصول الخير، فإن التعامل مع المسلم الجديد بالرفق يحقق له الشعور بالأمان والقبول، ويبعد عنه الشعور بالنفور أو الحرج، ويعينه على تقبل التوجيه والتعلم. ومن الرفق أيضًا أن نفهم ظروف المسلم الجديد؛ إذ ليس كل المسلمين الجدد سواء؛ فقد يكون أحدهم شابًا أو كبيرًا في السن، متعلمًا أو قليل التعليم، يعيش مع أسرة غير مسلمة أو يواجه ضغوطًا اجتماعية، فيُعامَل كل شخص حسب ظروفه ومستواه.

ومن أجمل الأمثلة النبوية على الرفق بالجاهل وتأليف القلب ما جاء في صحيح مسلم من قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، الذي كان حديث عهد بالإسلام، فكان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام فعطس رجل في الصلاة فقال معاوية: “الحمد لله”، فقال رجل: “يرحمك الله” (وفي رواية أنه هو من قال يرحمك الله للعاطس)، فجعل الناس ينظرون إليه، فقال مستنكرًا: “واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟” فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما فهم أنهم يريدون منه السكوت سكت. وبعد أن انتهت الصلاة، لم يعنفه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يوبخه، حتى قال معاوية: “فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن[7] فجمع النبي عليه الصلاة والسلام بين وضوح الحكم وحسن التعامل مع الجاهل.

ثالثًا: العفو وحسن معالجة الأخطاء

كان من أهم الأسس التربوية التي علمها النبي عليه الصلاة والسلام لأمته، وخاصة الدعاة منهم، الحرص عند وقوع الخطأ على إصلاحه مع المحافظة على كرامة المخطئ وعدم دفعه إلى النفور.

ومن ذلك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فعن أنس رضي الله عنه قال: “بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَه مَه، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تُزرِموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن، ثم أمر بسَجْل من ماء (أو ذَنُوب من ماء) فأُريق عليه، وقال: فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين”[8].

وهكذا كان المنهج النبوي التربوي في التعامل مع المسلم الجديد الذي قد يقع في أخطاء بسبب حداثة عهده بالإسلام أو عدم معرفته بالأحكام، وهو منهج حقق التأليف دون ترك الخطأ بلا تصحيح. ولم يخرج الأعرابي من الموقف منكسرًا أو نافرًا، وإنما خرج وهو يحمل محبة للنبي عليه الصلاة والسلام وإعجابًا بحسن تعليمه. ويظهر في هذا التوجيه النبوي أيضًا مراعاة حال المدعو وخلفيته الثقافية، وتقديم النصح بأسلوب يفتح القلب للخير لا بأسلوب يؤدي إلى النفور. وبهذا المنهج المُيسَّر أمر النبي عليه الصلاة والسلام أبا موسى ومعاذًا حين بعثهما إلى اليمن.

رابعًا: التأليف وحفظ مكانة المسلم الجديد السابقة

ومن مظاهر تأليف القلوب في الهدي النبوي: مراعاة مشاعر الداخلين في الإسلام، وعدم إهدار مكانتهم السابقة، أو إشعارهم بأن الإسلام يلغي شخصياتهم وخبراتهم ومواقعهم الاجتماعية.

ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام قط لمن أسلم من العدو: “لقد كنت بالأمس عدوًا لنا، ولذلك لا قيمة لمكانتك اليوم”. ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام يراعي مقام المدعو قبل إسلامه كقوله لـ”هِرَقْل”: “يا عظيم الروم“، فإن المسلم الجديد بعد إسلامه أولى بأن تُصان كرامته ويُحترم شعوره.

ومن الشواهد البارزة على ذلك ما وقع يوم فتح مكة، حين أعلن النبي عليه الصلاة والسلام: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن”[9]. وكان أبو سفيان من كبار زعماء قريش وأهل المكانة فيها، فلما أسلم عند فتح مكة، أُعطي هذا الشرف مراعاةً لمشاعره، وحفظًا لكرامته ومنزلته السابقة عند انتقاله من حال إلى حال، لا مجاملةً على حساب الحق حاشا وكلا، ولا سيما أن ذلك قد أدى إلى أثر طيب في تهدئة الناس.

فهذا خالد بن الوليد، كان قائدًا في جيش قريش قبل إسلامه، ثم أصبح بعد إسلامه من أبرز قادة الفتوحات. وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه ذا خبرة سياسية وقيادية، ثم استفاد المسلمون من قدراته بعد إسلامه في القيادة والإدارة. وهكذا كان بعض كبار قادة قريش قبل إسلامهم في صف المعارضين للإسلام، ثم لما أسلموا أصبحوا من أهل المكانة والقيادة في المجتمع المسلم.

وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الإسلام لا يهدم المواهب، بل يهذبها ويوجهها، حيث قال: “خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقُهوا”[10]. ويدل هذا على أن بعض الخصال الجيدة والقدرات التي كانت موجودة في الشخص قبل الإسلام يمكن أن تُجعل في خدمة الحق وطرق الخير.

ويُستفاد من هذا الباب أنه ينبغي للداعية أن يراعي مشاعر المسلم الجديد ومكانته الاجتماعية، وأن يعينه على الانتقال إلى حياته الجديدة في الإسلام دون إذلال أو تحقير لماضيه الإنساني، مع ضرورة استثمار وتوظيف ما لديه من خبرة وقدرة ومكانة في أوجه الخير وخدمة الدين. وهذا من الحِكَم النبوية في تأليف القلوب؛ إذ إن حفظ الكرامة وإشعار الإنسان بالأمان والانتماء قد يكون له أثر عميق في تثبيت قلبه ودعوة غيره إلى الإسلام وتقوية صلته بالمجتمع المسلم.

خامسًا: عدم تعيير المسلم الجديد بماضيه

قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص رضي الله عنه عندما أراد أن يبايع: “أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟”[11].

وهذه هي قاعدة الباب، وهي من أهم صور تأليف قلب المسلم الجديد؛ لأن الداخل في الإسلام يحتاج إلى أن يشعر أن صفحة جديدة قد فُتحت له، لا أن يبقى أسيرًا لماضيه أو يُذكَّر بأخطائه السابقة، ولا يصح أن يعامله المسلمون على أنه لا يزال محاسبًا على ما كان عليه قبل الإسلام.

وربما يكون المسلم الجديد قد عاش سنوات في دين آخر، أو ارتكب في حياته السابقة أمورًا محرمة، أو كانت له مواقف معادية للإسلام، فلا ينبغي جعل ذلك مادة للسخرية أو التعيير أو وسيلة للإهانة، خاصة عند الخلاف أو الغضب.

ومن أقوى الأمثلة في هذا الصدد عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، الصحابي الجليل الشهيد؛ فقد كان أبوه أبو جهل من أشد أعداء الدين، وكان عكرمة نفسه قد قاتل المسلمين قبل إسلامه. ولما أسلم وحسن إسلامه، تحول إلى مجاهد من خيرة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وقد رُوي أن عكرمة رضي الله عنه شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا مر بالمدينة قيل له: “هذا ابن عدو الله أبي جهل”، فقام النبي عليه الصلاة والسلام خطيبًا وقال: “إن الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، ألا لا تؤذوا مسلمًا بكافر”[12] أي إنه لا ينبغي أن يعامَل باعتباره امتدادًا لعداوة أبيه، بل لقد صار صحابيًا جليلًا كامل الكرامة.

وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام: “لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا”[13]. وهذا يقرر مبدأ عدم تعيير المسلم الجديد بماضيه أو بدينه السابق أو بأسرته وغيرها.

ولذلك ينبغي أن تكون نظرة المسلمين إلى من أسلم حديثًا قائمة على الحاضر والمستقبل، لا على استحضار الماضي وتعييره به. ونعم، إذا أخطأ أو جهل شيئًا فلا بد من تعليمه وإرشاده، لكن بالحكمة؛ حتى لا يشعر بأنه أقل منزلة بسبب ماضيه.

سادسًا: تأليف القلب قبل كثرة التكليف

كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام مراعاة حال المسلم الجديد، وجعل الغاية العظمى أن يثبت أصل الإيمان في نفسه وترسيخ التوحيد ليطمئن قلبه، حتى يُبنى معه أساس المحبة وتتعمق محبة الله ورسوله، ثم تأتي التكاليف شيئًا فشيئًا بحسب الاستطاعة والحال.

وفي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا[14].

ومعنى “ثاب الناس إلى الإسلام”: رجعوا إليه واستقرت نفوسهم عليه. فبعد ترسيخ الإيمان نزلت الأحكام والتكاليف، وهذا هو وجه الاستدلال البليغ على قاعدتنا: “تأليف القلب قبل كثرة التكليف” ولا سيما عند التعامل مع المسلم الجديد.

وهذا على خلاف الأخطاء التي يرتكبها بعض الناس في التعامل مع المسلم الجديد من إكثار سرد الأحكام والمسائل منذ الأيام الأولى، دون مراعاة للجانب النفسي والاجتماعي السابق لهذا الإنسان، مما قد يؤدي إلى شعوره بثقل الدين.

ومن له أدنى تأمل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام الدعوية، يدرك أنه لم تكن تربيته ﷺ قائمة على إلقاء جميع الأحكام دفعة واحدة، بل على بناء الإيمان، وإشعار المسلم بالرحمة والانتماء، ثم التدرج في التعليم والتكليف؛ أي بناء العقيدة الصافية أولًا قبل كثرة الأحكام.

ولكن تأليف القلب لا يعني أبدًا تأخير الحكم الشرعي عند الحاجة، ولا إسقاط الواجبات، وإنما المقصود حسن ترتيب التربية والتعليم ومراعاة الأحوال.

أثر التأليف النبوي للقلوب في تثبيت إيمان المسلمين الجدد

إن عاقبة تأليف قلوب المسلمين الجدد من خلال الرفق واللين بهم، والتبشير والتيسير، والتدرج في التعليم، والعطاء، والعفو عن الأخطاء، وبناء الأخوة والمساندة الاجتماعية، كانت سببًا لتعزيز شعورهم بالقبول والانتماء وإزالة الشعور بالغربة، ودعم الاستمرار في التعلم والعمل، وتقوية الثبات على الإيمان والمحبة لأهل الإسلام.

كما رُوي في شأن جرير بن عبد الله البجلي أنه قدم على رسول الله ﷺ فألقى له ثوبه ليجلس عليه، وقال: “إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه”[15]. وكان جرير رضي الله عنه يقول: “ما حجبني رسول الله عليه الصلاة والسلام منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي”[16].

وهذا من أوضح المواقف التي تبين مدى تأثير تأليف القلب في إشعار المسلم بالقبول والمحبة. واللافت في الخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكتفِ بالابتسامة؛ بل لم يحجبه عنه، وسمح له بالدخول عليه، واهتم بمشكلته. فقد شكا إليه مرة أنه لا يثبت على الخيل، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام بيده في صدره ودعا له قائلًا: “اللهم ثبِّته واجعله هاديًا مهديًّا”[17]. ثم إن جريرًا لم يقل: “كان النبي عليه الصلاة والسلام يبتسم لي مرة أو مرتين”، وإنما قال: “ولا رآني إلا تبسم في وجهي” وهذا يدل على أن الابتسامة كانت أسلوبًا متكررًا في تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معه لا عابرًا، حتى بقيت هذه الصورة راسخة في ذاكرة جرير رضي الله عنه، ونقلها للأمة تأكيدًا على أثر ذلك في استقامته وشعوره بأنه محبوب ومقبول ومحل عناية.

ويمكن الاستئناس بقصة عمرو بن العاص رضي الله عنه لبيان أثر القبول وحسن المعاملة في جرأة المسلم على السؤال والتقرب؛ فقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام: “أي الناس أحب إليك؟”[18]. ويظهر من سياق القصة أن عمرو كان مهتمًا بمكانته عند النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إنه كان يظن أنه ممن يحظون بمحبته في أعلى الرتب مع كونه حديث عهد بالإسلام. وهذا يعبر عن حضور أثر البيئة النبوية في إشعار الصحابي بقربه وقيمته، حتى أصبح يسأل عن مكانته في قائمة المحبوبين.

وقد ظهر أثر ذلك أيضًا في موقف صفوان بن أمية؛ حيث كان في بداية إسلامه مترددًا، ثم استمر النبي عليه الصلاة والسلام في حسن معاملته وإعطائه حتى قال صفوان ما يدل على تأثره العميق بذلك. فقد روى مسلم أن صفوان قال: “والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي[19]. وهذا يبين بوضوح أن العطاء النبوي كان له أثر مباشر في انتقال قلب صفوان رضي الله عنه من البغض إلى المحبة ومن التردد إلى الاطمئنان.

بل نرى الأثر العجيب لهذا المنهج التأليفي النبوي في قصة سبب إسلام ثمامة بجلاءٍ أيضًا، حيث لم ينتظر النبي عليه الصلاة والسلام من ثمامة أن يصبح مسلمًا حتى يُحسن معاملته مع أنه كان من أعدائه؛ فقد كان ثمامة يرى – وهو في محبسه – ويشاهد الإسلام في أخلاق أهله أمام عينيه قبل أن يعتنقه. ولم يجبره عليه الصلاة والسلام على الإيمان، بل كانت الرحمة والإحسان وحفظ الكرامة من الأسباب الحقيقية التي فتحت قلبه للإسلام.

فذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد بعد أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإطلاقه، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.

ثم عبر عن التحول العميق الذي حدث في مشاعره تجاه النبي عليه الصلاة والسلام والإسلام والمدينة النبوية؛ من شدة الكراهية إلى شدة المحبة، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: “والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، وما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، وما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ”[20]. وصار بعد إسلامه مباشرة من أنصار الإسلام، حيث منع حبة حنطة من الطعام عن أهل مكة إظهارًا لقوة ارتباطه بالإسلام حتى أذن فيها النبي ﷺ. فأسهم إسلامه في تقوية موقف المسلمين في بني حنيفة، لأنه كان سيدًا مطاعًا فيهم وصاحب مكانة وقدوة، مما جعل إسلامه مؤثرًا في توجههم وموقفهم من الإسلام، وأن الإسلام ليس كما كانوا يظنون، فساعد ذلك على تقبل الناس للدين الحنيف وانتشاره فيهم.

إذن، فإن الغاية من تأليف النبي عليه الصلاة والسلام لتلك القلوب ليست مجرد استمالة عابرة، وإنما الوصول إلى بناء علاقة راسخة بالإسلام تقوم على المحبة والقناعة والعمل. ولذلك كان منهجه يجمع بين التأليف والتعليم والتربية والرعاية، حتى ينمو الإيمان في نفس المسلم الجديد بصورة متدرجة ومستقرة.