جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام

كتاب جلاء الأفهام

ليس غريباً أن تحفل المكتبات بالعديد من الكتب الرائعة الخاصة بالصلاة والسلام على خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، فحبيبنا محمد بن عبد الله هو خاتم الأنبياء والمرسلين أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ولعل من أهم الكتب في هذا الباب كتاب “جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام” لابن القيم الجوزية (ت: 751 هـ) الذي تم من خلال إحدى طبعاته إحصاء أكثر من 100 كتاب حول فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام.

لقد كفانا المؤلف رحمه الله تعالى مؤونة الكشف عن طبيعة كتابه القيّم، فقال في المقدمة: “هذا كتاب سميته (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام) (..)، وهو فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بيَّنَّا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وصحيحها من حسنها، وبيَّنَّا ما في معلولها من العلل بياناً شافياً، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم في مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ومحالِّها.. إلخ”.

وهكذا فإن الأمانة تقتضي أن نقول إن ابن القيم الجوزية نجح فعلاً في الكشف عن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء فيها من الآيات والأحاديث، وتبيان مواطنها وفوائدها وثمراتها، وسنحاول في هذه السطور أن نقدم شيئاً من ذلك حرصاً على المساهمة في الحث على الصلاة والسلام على محمد خير الأنام.

مفهوم الصلاة على النبي محمد

ذكر ابن القيم أن أصل الصلاة على النبي يعود إلى معنيين، أحدهما العبادة والثاني الدعاء والتبريك ومنه وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة:103) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ”.

والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، وقد جاء في القرآن الكريم الأمر بممارسة عملية الدعاء في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}، وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.

هذا عن صلاة الآدمي، أما صلاة الله سبحانه وتعالى على عبده فقد ذهب ابن القيم إلى أنها تنقسم إلى نوعين: عامة وخاصة، والمقصود بالعامة صلاته على عباده المؤمنين لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب : 43) قال ابن عاشور في تفسيره معلقاً على هذه الآية: “تعليل للأمر بذكر الله وتسبيحه بأن ذلك مجلبة لانتفاع المؤمنين بجزاء الله على ذلك بأفضل منه من جنسه وهو صلاته وصلاة ملائكته، والمعنى أنه يُصلي عليكم وملائكته إذا ذكرتموه ذكراً بكرةً وأصيلاً”.

أما الصلاة الخاصة من الله سبحانه وتعالى على رسله وأنبيائه وخاصة على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد اختلف الناس في معناها على أقوال: الأول أن “صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء”، والثاني أن “صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء”، ويبدو أن ابن القيم الجوزية ذهب إلى أن هذين القولين ضعيفان لوجوه أوصلها ابن القيم إلى 14 وجهاً، منها: أن الله سبحانه وتعالى فرّق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة : 155-157 ) ، وأن صلاة الله سبحانه وتعالى خاصةٌ بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وأما رحمته فوسعت كل شيء وبالتالي فإن الصلاة ليست مرادفة للرحمة، هذا بالإضافة إلى أن لفظة “صلَّى” لا تُعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة، بل المعروف عند العرب من معناها أنها الدعاء والتبريك والثناء.

كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؟

حدثنا القرآن الكريم عن حبيبنا محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وزكَّاه في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وأمرنا الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، (الأحزاب:56) قال ابن كثير في تفسيره معلقاً: “والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً”.

وقد وردت أحاديث عديدة تحثُّ على الصلاة والسلام على خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم وتوضِّح كيفيتها وفضلها ومواطنها رواها مجموعة من الرواة الثقات منهم: أبو مسعود الأنصاري البدري، وكعب بن عُجرة، وأبو حُميد الساعدي، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وطلحة بن عُبيد الله، وعمر بن الخطاب، وفاطمة بنت الرسول، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن حارثة.

ولأن المقام لا يسمح باستعراض جميع الأحاديث الواردة في هذا الباب، فسنكتفي بذكر أربعة أحاديث نعتقد أنها تُعطينا صورة عن كيفية وفضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، أولها حديث أبي مسعود: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال له بشير بن سعد رضي الله عنه: أمرنا الله أن نُصلي عليك فكيف نُصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم {في العالمين إنك حميد مجيد} والسلام كما قد علمتم.

وغير بعيد من هذا الحديث يأتي حديث كعب بن عُجرة: عن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نُصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما حديث أنس بن مالك فيدخل ضمن الأحاديث التي توضِّح لنا الدرجات التي يحصل عليها المصلِّي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى عن أبي داود حدثنا أبو سلمة، وهو المغيرة بن مسلم الخراساني، عن أبي إسحاق عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من ذُكرتُ عنده فلْيُصلِّ عليَّ، ومن صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشراً”.

ويأتي حديث فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ليبيِّن لنا كيفية الصلاة على النبي أثناء دخول المسجد والخروج منه: قال أبو العباس الثقفي: حدثنا أبو رجاء، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد- عن عبد الله بن الحسن عن أمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنته رضي الله عنها: “إذا دخلت المسجد فقولي: بسم الله والحمد لله، اللهم صل وسلم على محمد وسلِّم، اللهم اغفر لي وسهِّل لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت من المسجد فقولي كذلك”.

مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

ماهي مواطن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟

وللصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مواطن عديدة يتأكد طلبها إما وجوباً وإما استحباباً مؤكداً، وقد ذكر ابن القيم الجوزية رحمه الله في كتابه “جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام” 41 موطناً، أولها وأهمها وآكدها: في الصلاة في آخر التشهد، وآخر القنوت، وصلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية، وبعد إجابة المؤذن وعند الإقامة لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً”.

ويعتبر الدعاء من مواطن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والدعاء له ثلاث مراتب: الأولى أن يصليَ عليه قبل الدعاء وبعد حمد الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دعا أحدكم فلْيبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليُصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعوا بما يشاء”، والثانية أن يصليَ عليه في أول الدعاء وأسطه وآخره، والثالثة أن يصليَ عليه في أوله وآخره ويجعل حاجته متوسطة بينهما.

ولا شك أن دخول المسجد والخروج منه من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل أحدكم المسجد فلْيُسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ولْيقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فلْيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقلْ: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم”، ولقوله لابنته فاطمة رضي الله عنها: “إذا دخلت المسجد فقولي: بسم الله والحمد لله، اللهم صل وسلم على محمد وسلِّم، اللهم اغفر لي وسهِّل لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت من المسجد فقولي كذلك”.

وكل مرة يتم فيها ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعد موطناً من مواطن الصلاة عليه، وكذلك الوقوف عند قبره صلى الله عليه وسلم، كما أن يوم الجمعة والفراغ من التلبية والوقوف على الصفا والمروة واستلام الحجر والخروج من السوق والعودة إليه ووقت القيام من المجلس كلها من مواطن الصلاة والسلام على حبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم التي يصعب حصرها في سطور. 

ثمرات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

ماهي ثمرات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؟

الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تُحصَى ولا تُعَدُّ، إلا أن ابن القيم قدّم في كتابه “جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام” حوالي 39 فائدة وثمرة للصلاة والسلام على النبي محمد خير الأنام كل واحدة منها تكشف عن مدى أهمية الحرص على الصلاة على النبي محمد في جميع الأوقات، ومن أبرز تلك الفوائد والثمرات: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى وموافقته سبحانه في الصلاة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وموافقة الملائكة فيها، هذا بالإضافة إلى حصول عشر صلوات من الله على المصلِّي مرة، وأنه تُرفع له عشر درجات، وتُكتب له عشر حسنات، وتُمحَى عنه عشر سيئات.

ثم إن من الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنها سبب لمحبته وشفاعته صلى الله عليه وسلم، وسبب لغفران الذنوب، ولكفاية الله العبدَ ما أهمه وقضاء حوائجه، هذا بالإضافة إلى أنها زكاة للمصلِّي وطهارة له وتبشير له بالجنة قبل الموت، وسبب لنفي الفقر والبخل، والنجاة من أهوال يوم القيامة، وتثبيت القدم على الصراط.

ومن ثمرات الصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً أنها سبب لعرض اسم المصلِّي عليه صلى الله عليه وسلم وذكره عنده لقوله عليه الصلاة والسلام: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ”، وقوله: “إن لله في الأرض ملائكة سيّاحين يُبلغوني عن أمتي السلام”، ولا جدال في أن العبد يكفيه من النبل أن يُذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقبل الختام، لا بد أن نقول إن ابن القيم الجوزية رحمه الله ختم كتابه القيّم “جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام” ببابٍ خاصٍ للحديث عن الصلاة على غير النبي محمد وآله صلى الله عليه وسلم أكد فيه أن سائر الأنبياء والمرسلين يُصلَّى عليهم لقولهم تعالى عن النبي نوح عليه سلام: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}، وقوله تعالى عن النبي إبراهيم: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وقوله جل جلاله عن موسى وهارون: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}.

وقد توقف ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” مع ورود قصص الرسل مع أقوامهم في سورة الصافات، فقال معلقاً: “واختِيرَ هؤلاء الرسل الستة لأن نوحاً القدوة الأولى، وإبراهيم هو رسول الملة الحنيفية التي هي نواة الشجرة الطيبة شجرة الإسلام، وموسى لشبه شريعته بالشريعة الإسلامية في التفصيل والجمع بين الدين والسلطان، فهؤلاء الرسل الثلاثة أصول، ثم ذكر ثلاثة رسل تفرعوا عنهم وثلاثة على ملة رسل من قبلهم، فأما لوط فهو على ملة إبراهيم، وأما إلياس ويونس فعلى ملة موسى”.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين