كشفت أوراق اليوم الثاني من مؤتمر “القرآن الكريم والمعرفة الإنسانية” عن وحدة بنائية ورؤية معرفية متماسكة تجمع بين سائر الحقول؛ فالقرآن الكريم لا يقدم نفسه بديلاً تقنياً عن العقل أو آليات التجربة البشرية، بل يمنح العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية والقانونية “الميزان المعياري والبوصلة القيمية” التي تعصمها من الانزلاق إلى الآلية الجافة، أو الاستبداد الشكلي، أو التردي المادي.
واستأنفت أعمال اليوم الثاني والأخير للمؤتمر الدولي المشترك “القرآن الكريم والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة”، متكاملةً مع جلسات “ملتقى كتاب الأمة”، بتنظيم مشترك بين كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وإدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، ومركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية. وإذا كان اليوم الأول قد استفرغ وسعه في تحرير المداخل الإبستمولوجية التأسيسية لعلاقة الوحي بالمعرفة، فإن اليوم الثاني نقل ثقل النقاش إلى الحقول التطبيقية الكبرى: اللسانيات وفلسفة اللغة، وسنن الاجتماع والعمران، وفقه الأولويات والموازنات، والفلسفة السياسية وبناء الدولة، وفلسفة القانون وعلم الاجتماع القانوني.
وتوزعت فعاليات هذا اليوم على أربع جلسات رئيسة: استهلت بـالجلسة الرابعة للمؤتمر، وتلتها الجلسة الثانية لملتقى كتاب الأمة، ثم الجلسة الخامسة المخصصة للفكر السياسي، واختتمت بـالجلسة السادسة المكرسة لترشيد المعرفة القانونية.
الجلسة الرابعة: القرآن ومناهج النظر – بين نقد اليوتوبيا، استيعاب اللسانيات والترشيد السياسي
انعقدت هذه الجلسة برئاسة د. عبد العزيز الخال، وتناولت فاعلية القرآن الكريم في مواجهة مناهج الفلسفة واللسانيات والسياسة عبر ثلاث أوراق بحثية معمقة.
1- من مثالية اليوتوبيا إلى سننية المدينة النبوية: معالم الحكمة القرآنية في تصور المدينة الممكنة
• الباحث: د. حمزة فزري (جامعة عبد المالك السعدي – المغرب)
انطلق الباحث من تفكيك مفهوم «اليوتوبيا» في تاريخ الفكر الفلسفي بوصفه حقلاً جامعاً للأسئلة الكلية حول الاجتماع الإنساني، مبيناً أن الحكمة القرآنية تقدم نموذجاً مباعداً لليوتوبيا الفلسفية جذرياً عبر أربعة مستويات من التجاوز:
المستوى الموضوعي: توجه القرآن إلى تعريف الإنسان بربه وسنن الآفاق والأنفس بما ينسجم مع طاقته العملية، بخلاف الفلسفة التي استغرقت الفكر في تطلعات تتجاوز الإمكان البشري.
- المستوى المنهجي: الارتقاء من التفكير كحركة ذهنية تجريدية محضة إلى «التفكر والتدبر والاعتبار» القلبي الرابط بين الحس والعقل والآيات.
- المستوى الغائي المقاصدي: توجيه النظر نحو الهداية والصلاح والمنفعة، مع الاعتراف بمحدودية الإدراك الإنساني، مقابل توهم الإشباع العقلي التام وطلب الكمال الممتنع في الفلسفة.
- المستوى الدلالي: التباين الحاسم في مفهوم «الحكمة» بين التأسيسين.

ثم حلل الباحث السمات البنيوية الثلاث لليوتوبيا الفلسفية:
- الانغلاق: حيث تفترض اليوتوبيا بلوغ الكمال المؤسسي النهائي، فتغدو بطبيعتها منغلقة غير قابلة للمراجعة والإصلاح.
- الانقطاع: تعالِي الفكر اليوتوبي عن سنن التغير والتعدد والتدافع البشري، ما يفقده القدرة على التحام بالواقع.
- الاختزال والإقصاء: وهو أشد مخاطرها؛ إذ ينقلب الوعد بالسعادة المطلقة إلى سياسة تستثقل الإنسان الواقعي وتنبذه، فتشرعن عزل المختلف أو تهميشه أو إبادته بحجة عدم ملاءمته للنموذج الأرقى. واستشهد الباحث بالنموذج اليوتوبي الصهيوني الذي نظّر له ثيودور هرتزل، والذي استند إلى تخيل مدينة تطهيرية إقصائية تعاملت مع السكان الأصليين بوصفهم كائنات تلَوّث بهاء المدينة المتخيلة.
وعلى الضد من ذلك، بيّن الباحث أن القرآن الكريم يقضي بـاستحالة كمال الاجتماع الدنيوي؛ لأن مدار التكليف قائم على «سنة الابتلاء والتدافع بين الخير والشر»، وحيثما يُلغى النقص البشري يرتفع التكليف ويغدو الاجتماع لغواً. وقدمت الورقة شواهد ذلك:
- على مستوى الإنسان: لم تخلُ المدينة النبوية — وهي أرقى مجتمع إنساني تحقق تاريخياً بقيادة المعصوم ﷺ وصحابته العدول — من وجود المنافقين والكفار واليهود، ولا من لحظات ضعف بشري طبيعي وثقها الوحي صراحة كقوله تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾، مما يمنع تحويل المدينة النبوية إلى يوتوبيا خيالية تدخر للفلاسفة.
- على مستوى العدالة والسياسة: إن العدالة الإجرائية البشرية محكومة بظواهر الأمور وبـ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولا سلطان لها على السرائر، مما يجعل العدالة المطلقة مؤجلة إلى يوم الحساب.
- على مستوى السعادة: السعادة الكاملة الخالصة من كل شقاء مؤجلة إلى الجنة ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾، بينما تقوم الحياة الدنيوية على «المدينة الممكنة»: مدينة العرفان والتزكية والمغالبة والإصلاح المستمر وفق السنن الإلهية.
2- القرآن الكريم واللسانيات الحديثة: تقويم حدود الإفادة وأُطر التوظيف
• الباحث: د. خالد بُريه (أكاديمية علوم الدولية – إسطنبول)
عالجت الورقة إشكالية توظيف المناهج اللسانية المعاصرة في دراسة النص القرآني، متجاوزة ثنائية الرفض المطلق والقبول غير المشروط، نحو بناء ميزان منهجي دقيق يقوم على معادلة:
تتبعت الورقة مفهوم “اللسان” في القرآن، مبرزة أن الوحي لم يستخدم الألفاظ العربية بدلالاتها المعجمية الساكنة، بل قام بـ “إعادة توطين المفاهيم”؛ حيث اكتسبت ألفاظ كالإيمان، والكفر، والنفاق، والتقوى، والجهاد شبكة دلالية ومفهومية جديدة تحكمها مرجعية الوحي، كما أظهر ذلك إيزوتسو في أبحاثه.
وفرّق الباحث بين مستويين في الدرس اللساني:
اللسانيات كأدوات تحليلية: وهي متاحة للإفادة، ولا سيما حقول: لسانيات النص، وتحليل الخطاب، والدلالة الحقلية، والأسلوبية (التي تتتبع طرائق الاختيار والعدول وأثرها في بناء المعنى التعبيري، متلاقية مع مباحث النظم والبلاغة القرآنية لكن ضمن جهاز تحليلي واصف).
اللسانيات كفلسفة وتأويلية حاكمة: وهنا يكمن الخطر المنهجي؛ حين تُستجلب مقولات حداثية ذات منطلقات عدمية أو مادية كـ «موت المؤلف»، و«المحايثة المطلقة»، و«نفي القصدية»، و«التأويل المفتوح»، واختزال النص في شروطه التاريخية الثقافية؛ إذ يؤدي تطبيقها القسري إلى نزع قداسة الوحي وتفتيت المعنى القرآني وتحريفه، كما ظهر في قراءات أركون وأبو زيد ومدرسة شحرور المعاصرة.
وانتهت الورقة إلى وضع أربعة ضوابط منهجية لإفادة الدراسات القرآنية من اللسانيات:
- أهلية المفسر: وجوب الجمع بين الكفاية اللسانية وعلوم القرآن وأصول الفقه؛ فالأداة الحديثة لا تلغي آلة التفسير.
- الانضباط بمعهود العرب وأصول التفسير: رفض الاكتفاء بالتحليل اللغوي المعزول عن السنة، وأسباب النزول، وسياق التنزيل.
- التمييز الصارم بين الأداة والمرجعية الفلسفية.
- التكامل مع الموروث التفسيري: بحيث تكون النتيجة اللسانية كاشفة ومؤكدة أو مرجحة، ويُرد كل ما صادم الأصول والقطعيات الشرعية. وطبقت الورقة ذلك على مفهوم «القوامة»، مبينة كيف وسّع التحليل الدلالي المعجمي المعنى ليشمل الرعاية والملازمة والإنفاق والقيام بالمصلحة، في مقابل حصره في الرئاسة والتسلط المحض.
3- القيم السياسية العليا في القرآن الكريم وأثرها في ترشيد الحكم
• الباحث: د. حميد النعيمي (جامعة محمد الأول – وجدة، المغرب)
الباحث حميد النعيمي الذي تعذر عليه حضور المؤتمر، قدم ورقته من خلال تسجيل مرئي وكانت عبارة عن قراءة في البنية القيمية المنظمة للسياسة في الخطاب القرآني، حيث أكد أن القرآن الكريم لا يقدم نموذجاً مؤسسياً ثابتاً ولا هياكل دستورية جامدة، بل يؤسس «منظومة قيمية حاكمة» تتسم بالثبات في المقاصد والمرونة في الوسائل.
وحدد البحث ثلاث قيم محورية تتكامل وظائفها داخل النسق السياسي:
- التوحيد (المرجعية): يحدد موقع السلطة البشرية وينزع عنها صفة الإطلاق أو القداسة، ويجعل الحاكم خاضعاً لمساءلة تفوق عين القانون الوضعي بفعل الرقابة الإلهية الداخلية ومبدأ الاستخلاف والأمانة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
- العدل (المعيار): يمثل الضابط الموضوعي لممارسة السلطة؛ حيث لا تصبح القرارات مشروعة إلا بموافقتها للحق والإنصاف وحماية حقوق الضعفاء، مصداقاً لقاعدة ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران».
- الشورى (الآلية والمنهج): تضبط مسار اتخاذ القرار وتدبير الشأن المشترك للأمة، وتمنع احتكار السلطة أو الاستبداد بالرأي: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
ورسمت الورقة خارطة طريق لتنزيل القيم القرآنية إلى المجال المؤسسي:
- النص القرآني (مصدر التأصيل).
- تحرير دلالة القيمة.
- تحديد الوظيفة السياسية (ما المشكلة التي تعالجها القيمة في الاجتماع السياسي؟).
- ابتكار الآلية المؤسسية (ترجمة الوظيفة إلى مؤسسة، كفصل السلطات، والرقابة والمحاسبة، واستقلال القضاء، والمجالس التمثيلية، والمشاركة الرقمية المعاصرة).
- التقويم المستمر لضمان عدم انحراف المؤسسة عن أداء وظيفتها القيمية. مؤكداً أن “العبرة في الحكم الرشيد بالوظيفة المقاصدية لا بالاسم أو الشكل التاريخي للمؤسسة”.
الجلسة الثانية لملتقى كتاب الأمة: فقه الموازنات والأولويات – الأبعاد المنهجية والاستراتيجية
ترأس هذه الجلسة أ. عبد الرحمن العوضي، وخصصت لمدارسة الإسهام التأسيسي والمعرفي لسلسلة “كتاب الأمة” الصادرة عن وزارة الأوقاف القطرية، بوصفها مشروعاً فكرياً ممتداً لعقود راكم رؤية استراتيجية لتجديد الفكر الإسلامي.
1- فقه الموازنات والترتيب للأولويات: نحو رؤية استراتيجية في آفاق المشروع
• الباحث: د. مصطفى بوهبوه (جامعة إلهومي – بريطانيا)
انطلق الباحث من استقراء واسع لإصدارات سلسلة “كتاب الأمة”، مبيناً أنها تمثل مشروعاً تراكمياً قابلاً للقراءة الاستراتيجية؛ لاجتماع الاستمرارية الفكرية (أكثر من 40 عاماً)، والتنوع التخصصي، والجمع بين التأصيل التراثي والنوازل المعاصرة.
وحرر البحث المفاهيم المركزية في السلسلة:
- فقه الأولويات: وضع كل شيء في مرتبته الشرعية والواقعية بسلم متدرج (حتى في غياب التزاحم)؛ فلا يُقدّم ما حقه التأخير، ولا يؤخر ما حقه التقديم.
- فقه الموازنات: المفاضلة عند التزاحم والتعارض؛ لترجيح خير الخيرين أو ارتكاب أخف الضررين.
وبناءً عليه: “فقه الموازنات أداة إجرائية، وفقه الأولويات غاية ونتيجة مستهدفة”.
واستعرضت الورقة تأصيل هذا الفقه في القرآن (تدرج تحريم الخمر، قصة الخضر في ارتكاب الضرر الأخف، وتفاوت مراتب الأعمال)، وفي السنة النبوية (ترك إعادة بناء الكعبة خشية تنفير الناس، ترك قتل المنافقين، وتقديم خالد بن الوليد في القيادة العسكرية لكفاءته).
وحدد الباحث أبعاد ترتيب الأولويات الثلاثة:
- نطاق التأثير: تقديم مصلحة الأمة والإنسانية على مصلحة الفرد والأسرة.
- الامتداد الزماني: تقديم المصالح الدائمة بعيدة المدى على العاجلة المحدودة.
- المرونة والمراجعة: التمييز بين أولويات ثابتة (تقديم الفرائض على النوافل) وأولويات متغيرة زماناً ومكاناً وحالاً.
كما شخصت الورقة مظاهر الخلل في أولويات العمل الإسلامي المعاصر:
- طغيان الجزئيات والفروع والسنن على حساب الكليات والواجبات الكبرى (كالعدل والحرية).
- التسوية بين المتفاوتات في الأهمية، واستنزاف الطاقات في خلافات فرعية عقائدية وفقهية.
- التضخم والتكرار في النشر العلمي التراثي دون بوصلة تلبي حاجات الأمة الحضارية.
- الانحباس في أدوات قديمة تجاوزها الواقع.
وخلصت إلى رسم هرمية معرفية متكاملة:
مؤكدة على معادلة النهوض: بناء الإنسان + المؤسسة الفاعلة + المعرفة الموجهة = قدرة حضارية.
2- التعقيب النقدي والتأصيلي على الورقة
• المعقب: أ. د. بلال شيبوب (دار الحديث الحسنية – المغرب / وزارة التربية والتعليم – قطر)
قدم المعقب قراءة نقدية تأسيسية للورقة، ركز فيها على تحرير المفاهيم وتعميق السياق الأصولي:
- ملاحظة اصطلاحية لغوية: نبه إلى أن صياغة «تأسيس وتأصيل فقه الموازنات» تفصل بين المضاف والمضاف إليه، والأصوب لغوياً: «تأسيس فقه الموازنات وتأصيله».
- رد الفقه إلى موطنه الأصولي الأصيل: شدد المعقب على أن فقه الموازنات والأولويات ليس علماً مستحدثاً منبتّ الصلة عن التراث، بل هو جوهر مبحث “التعارض والترجيح” في أصول الفقه، وجوهر كتب “مراتب الأعمال” في السلوك والأخلاق؛ فالأصولي إنما يكتسب صفته بتمكنه من منهجية الترجيح والاستدلال.
- التحذير من حصر الموازنة في المصالح والمفاسد: نبّه إلى أن حصر الموازنات في جلب المصالح ودرء المفاسد يُعد تضييقاً للنسق؛ إذ الموازنة والترجيح عند الأصوليين تقع في مقتضيات الألفاظ، والترجيح بين الأخبار، ومناطات الأقيسة، وليس فقط في كليات المقاصد.
- آفة تمييع الفقه عبر التوليد الاصطلاحي المتكاثر: حذر المعقب من ظاهرة إطلاق مسميات فقهية متفرعة (فقه الواقع، فقه التنزيل، فقه الاستطاعة، فقه الموازنات، فقه الأولويات، فقه الأوطان…)؛ خشية أن يتحول كل مفهوم عارض إلى «فقه مستقل» فيقع التمييع والتضخم المفهومي الذي يفقد الفقه انضباطه العلمي.
- تطابق الموازنة والمفاضلة والترجيح: أوضح أن التمييز بين فقه الموازنات وفقه الأولويات يشبه التمييز بين “فقه الترجيح وفقه الراجح”؛ فالموازنة هي المفاضلة وهي الترجيح، والأولويات هي الثمرة والراجح، ولا موجب للمباعدة بينها.
- شرائط الخوض في الموازنات والأولويات: حددها في: كمال آلة العقل والإدراك، والارتياض العميق في الفروع الفقهية وكتب المذاهب (إذ لكل باب فقهي كالجنايات والبيوع قواعده النوعية التي لا تكفي فيها القواعد العامة كدرء المفاسد)، والعلم الواسع بالعربية ومراتب الخطاب، والقدرة على ابتكار مرجحات تخرّج على تصرفات الشارع.
- أولوية التزكية الغائبة: انتقد المعقب ضعف الاشتغال بمجال “التزكية والأخلاق والسلوك” في الكتابات المعاصرة وسلسلة كتاب الأمة؛ لتهيب الباحثين الأكاديميين من الوقوع في السمت الوعظي، مذكراً بأن كبار محققي الأمة كالغزالي (الإحياء)، وابن تيمية (العبودية)، وابن القيم (المدارج) لم يكتبوا في السلوك والتزكية إلا بعد اكتمال أدواتهم وتمكنهم من أصول الشريعة، مؤكداً أن التزكية هي أساس الرقابة الذاتية والترشيد الحضاري.
الجلسة الخامسة: القرآن والفكر السياسي – تشريح الاستبداد، استعادة الأمة، ونقد الشرعية
ترأس الجلسة د. عبد القادر بخوش (كلية الشريعة والدراسات الإسلامية)، وتمحورت حول نقد الظاهرة الاستبدادية وتأصيل النظرية السياسية الإسلامية عبر ثلاث أوراق رئيسة.
1. البيئة الحاضنة للاستبداد: تشريح فضاء الخضوع النفسي واللغوي في الخطاب القرآني
• الباحث: د. مصطفى خواص (المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية – الجزائر)
قدمت الورقة قراءة سوسيولوجية ونفسية في ظاهرة الاستبداد السياسي مستنبطة من القرآن الكريم، مؤكدة أن الاستبداد ليس مجرد سلطة فردية قاهرة، بل “بيئة حاضنة متكاملة” تُنتج الخضوع وتطبّعه وتجعله في بعض الأحيان مرغوباً.
وشرّح الباحث المنظومة الثلاثية للاستبداد في النموذج القرآني (نموذج فرعون):
- الرأس المتألهة (الحاكم): تحكمه سيكولوجية الأنا المتضخمة، وادعاء امتلاك الرؤية المطلقة، ومصادرة التفكير النقدي: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾، مع خوف مرضي كامن من مواجهة الحقيقة.
- الملأ (النخبة الانتهازية): الجسد المؤسسي الذي يترجم رغبات المستبد إلى تشريعات وسياسات وإجراءات قمعية، ممارساً ما أسماه الباحث «اقتصاد الولاء»؛ بتبادل الولاء للحاكم مقابل الامتيازات المادية والرمزية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
- الجماهير (القوم القابلون للاستخفاف): انطلاقاً من الآية المحورية: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ حيث يسبق الاستخفافَ وجودُ «قابلية للاستبداد والخضوع» لدى الشعوب (على وزان القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي).
وتقوم هذه المنظومة على آليتين نفسيتين حاكمتين:
- صناعة الخوف: عبر “مسرحة العنف” (استعراض العقاب علناً كصلب السحرة لإحداث الكف السلوكي والردع الجمعي)، والتخويف من الفوضى وفقدان الأمن: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾، والتخويف من ضياع الهوية والامتيازات.
- صناعة الطمع: برهن أرزاق الناس برضا الحاكم، وشراء ولاء النخب.
- الهندسة اللغوية وسرقة الوعي: لغة التأليه، ونزع الإنسانية عن المعارضين بتصويرهم أقلية مخربة: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾، وتزيين الفساد وقلب الحقائق.

وقدم الباحث إضافة تطبيقية بابتكار “المؤشر القرآني للاستبداد البنيوي (QIST)”، الذي يتضمن 17 مؤشراً فرعياً موزعاً على أربعة محاور (آليات الحاكم، آليات النخبة، استجابة الجماهير، وحركات المقاومة)، مقسماً البيئات السياسية إلى: بيئة مقاومة للاستبداد (0-11)، بيئة هشة (12-22)، وبيئة استبدادية بنيوية (23-34).
وخلص إلى أن الهزيمة الحقيقية للاستبداد لا تكمن في زوال المستبد المادي (الغرق)، بل في كسر حاجز الخوف والتحرر النفسي واللغوي الذي تجسد في لحظة سجود السحرة وإعلان إيمانهم.
2- الأبعاد السياسية لمفهوم الأمة في القرآن الكريم وسُبل تفعيلها في الواقع المعاصر
• الباحث: أ. د. عبد الكبير حميدي (جامعة مولاي إسماعيل – مكناس، المغرب)
عالجت هذه الورقة المفارقة الكبرى بين المنزلة المركزية لمفهوم “الأمة” في القرآن الكريم وبين تراجعه وتهميشه في الواقع المعاصر؛ حيث تحول من مفهوم عقدي وحضاري وسياسي كلي إلى مفهوم شعائري هامشي، وتآكل أمام صعود “الدولة القطرية” التي تحولت إلى عصبية جديدة تفكك تماسك المسلمين.
وبيّن الباحث الخصائص اللغوية والقرآنية للمفهوم:
- لغوياً: لفظ “الأمة” أصيل في العربية، ومداره على “وحدة القصد والوجهة”؛ فالجماعة لا تغدو أمة إلا إذا وحدت غايتها وقصدها، وهو الغائب الأكبر عن واقع المسلمين اليوم.
- قرآنياً: ورد في أزيد من 60 موضعاً، وتميز في القرآن المكي بوصفه واقعاً موضوعياً لجماعات بشرية، بينما ارتقى في القرآن المدني إلى “سياق تكليفي ورسالي لصناعة أمة الشهود الحضاري” الموحدة على العقيدة والشريعة والمنهاج: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
وأصلت الورقة الأبعاد السياسية لمفهوم الأمة:
- الوحدة أساس البناء السياسي: التجزئة والتفرق مناقضان للأصل الشرعي، والواقع القطري المعاصر لا يجوز تبريره أو تكريسه في الوعي كأنه الأصل، بل هو عارض اضطراري ينبغي السعي لتجاوزه نحو التكامل.
- علاقة السلطة بالأمة علاقة إنابة وتوكيل: الأمة هي الأصل والسلطة وكيل عنها ونائب؛ ومِن ثَمّ حذرت الورقة من ظاهرة «تغول الدولة» المعاصرة واستيلائها على اختصاصات الأمة ومؤسساتها الأهلية ومصادرة إرادتها (كما بيّن رضوان السيد في كتاباته).
- الشورى مسؤولية جماعية للأمة: الشورى تكليف للأمة برمتها لتكون فاعلاً سياسياً يراقب ويوجه، وليست مجرد امتياز تفضلي للساسة.
ودعت الورقة إلى تجاوز معوقات النهوض (العصبيات العرقية والمناطقية، والاستبداد، والانكفاء القطري) عبر: بناء وعي سياسي قرآني، تصحيح مفهوم الانتماء للأمة داخل مؤسسات التعليم والإعلام، وبناء شراكات سياسية واقتصادية تدرجية تتواءم مع متطلبات النظام الدولي دون التفريط في الهوية الجامعة.
3- نقد الفكر السياسي الحديث في ضوء المرجعية القرآنية: قيم الشورى والعدالة أنموذجاً
• الباحث: د. أحمد حميد أوغلو (جامعة آغري إبراهيم جاجان – تركيا)
وضعت الورقة يدها على أصل التمايز بين الفكر السياسي الإسلامي والأنظمة السياسية الوضعية المعاصرة، مؤكدة أن جوهر الاختلاف ليس في “الآليات والإجراءات” (كالانتخابات، وصناديق الاقتراع، وتداول السلطة)، بل في “مصدر المشروعية والإلزام والمعيار الأخلاقي”.
وصاغ الباحث نموذجاً تحليلياً متدرجاً من أربعة مستويات:
فالمرجعية تنتج القيم، والقيم توجه الآليات، والآليات تكتسب مشروعيتها من خضوعها للمنظومة القيمية الحاكمة:
- في الفكر الوضعي الحديث (تقاليد العقد الاجتماعي والإرادة العامة): يُجعل الإنسان أو رغبة الأغلبية مصدراً مطلقاً للقيمة وللمشروعية، مما يفتح الباب لاستبداد الأغلبية وتشريع ما يناقض الفطرة أو يسلب حقوق المستضعفين تحت غطاء الصناديق.
- في المرجعية القرآنية: القرآن لا يفرض قالباً مؤسسياً جامداً للسياسة، بل يفرض مبادئ وقيم عليا لا يجوز للسياسة ولا للأغلبية هدمها. فالإنسان مسؤول ومستخلف يجتهد في ابتكار الآليات والوسائل، لكنه لا ينشئ القيم من العدم.
وفصلت الورقة في نموذجي الشورى والعدل:
- الشورى: تشارك في صناعة القرار وتدبير الواقع، لكنها لا تشارك في صناعة الوحي؛ فهي آلية اجتهادية تعمل تحت إطار قيمي أعلى، ولا تملك تحويل المنكر إلى معروف لمجرد تصويت الأغلبية.
- العدالة: قيمة أصلية متعالية وسابقة على السلطة والشرعية؛ فالشرعية لا تصنع العدالة، بل العدالة هي التي تمنح الشرعية قيمتها وقيدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. فلو اجتمعت الأغلبية على سلب حق إنساني أصيل، فإن قرارها يظل ظالماً باطلاً وإن اكتملت شروطه الإجرائية.
وخلصت الورقة إلى أن: “المرجعية تضبط القيمة، والشورى تضبط المشاركة، والعدالة تضبط السلطة”.
الجلسة السادسة: ترشيد القرآن الكريم للمعرفة القانونية – نحو عدالة مادية وأنسنة للتشريع
اختتمت أعمال المؤتمر بالجلسة السادسة، برئاسة د. حسين نعيم الحق من مركز ابن خلدون، وخصصت الجلسة لمساءلة الفلسفة القانونية المعاصرة في ضوء كليات القرآن الكريم، عبر ثلاث أوراق بحثية متكاملة.
1- الأصول القرآنية لمبادئ القانون: الاستمداد والترشيد والأبعاد الإنسانية
• الباحث: أ. د. الذوادي بن بخوش قوميدي (جامعة باتنة 1 – الجزائر)
أصلت الورقة لمفهوم “الأصول القرآنية” بوصفها المبادئ الكلية المقاصدية التي تشكل مرجعية لتأسيس الأحكام وتوجيه المشرع والقاضي في تنزيلها، مؤكدة أن العلاقة بين القرآن ومبادئ القانون ليست علاقة تضاد بل علاقة استمداد وتكامل وترشيد.
واستندت الورقة إلى شهادات فقهية مقارنة (مثل الفقيه الفرنسي إدمون درابات) أقرت بأن القانون الوضعي الغربي يظل محكوماً بحدود العقل البشري القاصر وتقلبات السياسة والمصالح، بينما تمتاز الشريعة بارتباطها بالعدالة المطلقة والوازع الوجداني الأخلاقي.
وبين الباحث أبعاد الاستمداد والترشيد:
- استمداد الكليات: إن مبادئ العدالة المطلقة (الشاملة للأعداء والخصوم والتجرد من الهوى)، والمساواة (إلغاء التمييز وعمومية القاعدة القانونية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾)، والكرامة الإنسانية (مصدر الحقوق اللصيقة بالشخصية وتجريم التعذيب والإهانة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾)، والحرية؛ كلها مبادئ قرآنية تأسيسية سابقة على الدساتير الحديثة.
- ترشيد النظم القانونية (الأخلقة والأنسنة): نقل القاعدة القانونية من مجرد صياغة آلية جامدة إلى أداة إصلاحية تربوية. وضرب الباحث مثلاً بتشريع القصاص؛ حيث لم يصغه القرآن بصرامة جافة، بل قرنه بمشاعر الأخوة والعفو والفضل والرحمة: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
- الأبعاد الإنسانية وحماية الضعفاء: ربط الحق بالواجب ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وتشريع الحماية التكافلية الإلزامية لليتيم (نفسياً واجتماعياً ومالياً)، وللفقراء والمساكين بجعل حقوقهم التزاماً قانونياً واجباً في مال الأغنياء لا تبرعاً تفضلياً: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
2- القرآن وتأسيس المعرفة القانونية الاجتماعية: نحو منهج تأصيلي وسياقي في علم اجتماع القانون
• الباحث: د. إسلام مجدي هلال (جامعة مرمرة – تركيا / باحث قانوني)
طرحت الورقة إشكالية جوهرية في علم اجتماع القانون: كيف نميز بين قانون صحيح في شكله، فاسد في نتائجه؟ وما المعيار الذي نقوّم به عدالة القاعدة القانونية خارج أطر الصحة الإجرائية الصرفة؟
ناقش الباحث قصور النظريات السوسيولوجية والقانونية الغربية:
- ماكس فيبر: يحصر المشروعية في العقلانية الإجرائية والشكلية.
- إميل دوركايم: يعيد المشروعية للتداولية الاجتماعية المجردة.
- هانز كلسن: يحصرها في تدرج القواعد الهرمي الشكلي دون التفات للمضمون الأخلاقي.
وبيّن أن القرآن يقدم بديلاً تأسيسياً يتجاوز هذه النظريات من خلال:
إعادة تعريف الفاعل القانوني: بالانتقال من “الإنسان المكلف” في القانون الوضعي (الذي لا يُسأل إلا إذا ارتكب مخالفة، ويكون امتثاله قائماً على حساب التكلفة والعقوبة) إلى”«الإنسان المستخلف المؤتم”»؛ كائن مسؤوليته مستمرة وبنيوية في خلقه، وامتثاله نابع من الضمير الإيماني المتصل بمعيار متجاوز، ما يفسر حالات الإقرار الطوعي النادر بالعقوبة طلباً للتطهر.
الثلاثية المفاهيمية الحاكمة:
- العدل: الإطار النظري المقاصدي العام.
- القسط: الإطار التنفيذي الإجرائي للعدل، وهو دائم الاقتران بالعمل والقيام: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾.
- الميزان: أداة الوزن والمعايرة بين أطراف غير متكافئة القوة، لضمان ألا تجور الحقوق ولا تسقط الواجبات.
وضرب الباحث أمثلة تطبيقية:
- تشريع الحد الأدنى للأجور: لا يكفي وزنه بإجراءات البرلمان أو اتفاق الطرفين، بل بميزان القرآن: هل يمنع احتكار وتداول المال بين الأغنياء وحدهم؟ ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، وهل يحفظ كرامة العامل الإنسانية؟
- آية الدَّين: تفصيل إجرائي كامل يهدف إلى حماية الطرف الأضعف (السفيه والضعيف)، وتحقيق توازن الثقة والشهادة وتوثيق المعاملات.
- نظام العاقلة: قراءة فقه الحنفية في نقل العاقلة إلى «أهل الدواوين» تفتح آفاقاً لتحويله إلى: شبكة تأمين تكافلي اجتماعي، وتكريس لمسؤولية الشركات المجتمعية في حماية موظفيها، وتفعيل العدالة التصالحية.
وانتهت الورقة إلى تأكيد أن المعرفة القانونية المستمدة من القرآن هي معرفة معيارية نقدية تسبق الإجراءات وتقوّم الواقع وتأبى التسليم بظلم الإجراء الشكلي.
3- دور المرجعية القرآنية في بناء العدالة التشريعية: دراسة تحليلية مقارنة مع القوانين الوضعية (جبر الضرر المعنوي أنموذجاً)
• الباحثة: د. آمال بولوسة (جامعة حمة لخضر – الوادي، الجزائر)
كشفت الباحثة في هذه الورقة عن الفجوة العميقة في النظم القانونية المعاصرة بين “الشرعية الشكلية” التي تكتفي بمطابقة الإجراءات الدستورية، وبين”«العدالة المادية المنصفة” التي تمثل جوهر الحق، منتقدة نظرية كلسن المحضة التي عزلت القانون عن الأخلاق، مستندة في نقدها إلى طروحات رونالد دوركين وفولر.
وبرهنت الباحثة على أن المرجعية القرآنية تمتاز بـ “أخلاقية العدالة”، رافضة المساواة الشكلية المجردة التي تسوي بين مراكز متفاوتة في الواقع دون مراعاة المآلات، مستندة إلى مقاصد أوسع من الضروريات التقليدية لتشمل “الحق في السكينة النفسية والكرامة الإنسانية”، منتقدة قواعد وضعية جائرة كـ “التقادم المسقط” الذي يضحي بالحق الموضوعي لصالح استقرار شكلي.
وقدمت الورقة دراسة تطبيقية في “جبر الضرر المعنوي”:
- مأزق القانون الوضعي: يعجز عن قياس جرح الكرامة والألم النفسي بدقة، مما يجعله يعامل التعويض المالي إما كـ “ثمن للألم” في تسليع مادي فج للآلام البشرية، أو كـ “تعويض عقابي” مالي رمزي يبخس المتضرر حقه.
- البديل المقاصدي القرآني: تأسيس مفهوم “الترضية الجابرة”؛ حيث لا يُقاس التعويض كمعاوضة بيع وثمن للمشاعر، بل كترميم وجداني يرفع الحرج ويواسي النفس، عملاً بقاعدة “لا ضرر ولا ضرار.
واستنبطت الباحثة نماذج قرآنية لهذا المفهوم:
- الدية المسلَّمة: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ مواساة وجبر جماعي لأهل الضحية.
- حد القذف: إسقاط الشهادة عقوبة معنوية وموت مدني يعادل الإهانة المعنوية التي ألحقها القاذف بالمقذوف.
- متعة المطلقة: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ترميم وجداني لألم الفراق.
ووضعت أربعة معايير لضبط التقدير القضائي للتعويض المعنوي:
- معيار جسامة الاعتداء (قاعدة التماثل: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾).
- معيار الترضية الجابرة لإزالة أثر الإهانة.
- الزجر بمآلات الحكم لردع القوي عن استباحة الضعيف.
- جبر الضرر الممتد ليشمل المحيط الأسري للمتضرر.
ودعت الورقة في توصياتها إلى “أنسنة التشريعات المدنية” وتأسيس لجان رقابة مقاصدية عليا تسائل التشريعات وفق ميزان القرآن: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
أفق المعرفة الإنسانية الراشدة
إن استئناف الوظيفة الحضارية للأمة يقتضي الإفادة الواعية من أدوات العصر الحديث (اللسانية، المؤسسية، التقنية) بشرط ضبطها الصارم بمرجعية الوحي وثوابت الفطرة؛ لتنتقل المعرفة من مجرد تشخيص الواقع إلى ترشيده، ومن الاستلاب الفكري إلى إنتاج النموذج الراشد الذي يسعى لإسعاد الإنسان وتكريمه في الدارين.