تتصدى دراسة الباحث البريطاني ياسين دتون المعنونة “شكل القرآن: معالم تاريخية” لواحدة من أكثر المسائل دقة في الدراسات القرآنية المبكرة، وهي مسار انتقال النص القرأني من فضاء الوحي الشفاهي إلى مستواه المكتوب والمقنن. والدراسة التي تضمّنها كتاب “دليل أكسفورد للدراسات القرآنية” (The Oxford Handbook of Qur’anic Studies) وأتاحها “مركز نهوض للدراسات والبحوث” بدولة الكويت للقارئ العربي عبر مستلة (1) تنطلق من تساؤل جوهري: كيف يمكن فهم نص ظل مستقراً في شكله المكتوب والمنطوق لأكثر من ألف عام، مع أن المصادر التراثية نفسها تشير إلى قدر محدود من الاختلاف في مرحلته المبكرة؟
يفكك دتون مراحل تبلور المصحف الشريف عبر القرون الثلاثة الأولى محاولا رسم صورة تاريخية متوازنة تبتعد عن الثنائيات المطلقة بين الانغلاق التام والفوضى النصية.
من الكتاب الإلهي إلى التلاوة البشرية
يفتتح الباحث مقاربته بالتمييز الفلسفي والدلالي بين مفهوم الكتاب بصوره الإلهية والغيبية، وبين القرآن بوصفه خطابا منزلا ظهر في الزمان والمكان من خلال الوحي المحمدي. فالإشارة إلى “الكتاب” في السياق القرآني لا تستوجب بالضرورة كيانا ماديا بمعناه المعتاد، بل تحيل إلى أبعاد معرفية أسمى، مثل اللوح المحفوظ.
هذا التمييز يمهد لفهم طبيعة الحفظ القرآني، إذ لا يقتصر الأمر على حفظ المحتوى المعنوي، بل يمتد إلى تشكل الهيكل المادي واللساني للنص.
ومع تنزل الوحي، اتخذ حفظ القرآن وتداوله مسارين متلازمين: التلاوة الشفهية المسموعة والتدوين الكتابي، ورغم تأكيد الروايات على اتخاذ النبي ﷺ كتبة للوحي، يلاحظ دتون غياب دليل قاطع على جمع القرآن كاملا في وثيقة مادية واحدة متكاملة خلال العهد النبوي، حيث اعتمد المسلمون بعد وفاته بدرجة كبرى على ما كان محفورا في صدور الرجال إلى جانب الرقوق والمواد المتاحة. ومن هنا، يستعين الباحث بمفهوم “تعدد الشكل” (Multiformity) المستمد من دراسات التقاليد الشفهية القديمة، لتفسير كيف يمكن لنص منقول شفهيا أن يحافظ على جوهره ومعناه الإجمالي مع السماح بهامش محدود من التباين في تفاصيل الأداء.
الأحرف السبعة ومصاحف الصحابة
يربط دتون بين مفهوم “تعدد الشكل” وحديث “الأحرف السبعة”، لا سيما في رواية اختلاف عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان، وإقرار النبي ﷺ للوجهين.
ويرى الباحث أن هذا الحديث يثبت وجود تنوع مقبول ومأذون به في الأداء الشفهي المبكر، رافضا التفسير الشائع الذي يختزل الأحرف السبعة في الفروق اللهجية القبلية البحتة، خصوصا أن الطرفين ينتميان إلى قريش واللسان الواحد.
وفي السياق ذاته، يناقش دتون المادة التراثية التي تحفظ أخبارا عن مصاحف شخصية لبعض الصحابة، ومثال ذلك ما نسب إلى مصحف عبد الله بن مسعود من قراءة “قل للذين كفروا” بدلا من “قل يا أيها الكافرون” في مطلع سورة الكافرون. ويرى أن هذه الشواهد لا ينبغي تجاهلها أو تسويغها بتعسف، بل يجب فهمها باعتبارها جزءا من المشهد النصي السابق على توحيد الرسم العثماني.
التوحيد العثماني وموقف الحجاج
يمثل قرار الخليفة عثمان بن عفان جمع الأمة على رسم مصحف موحد نقطة تحول كبرى أدت إلى تضييق مساحة التنوع الشفهي، غير أنها لم تلغ تماما الإمكانات التي كانت تحتملها طبيعة الكتابة العربية المبكرة الخالية من النقط والتشكيل. ومثال ذلك اختلاف القراء لاحقا في مواضع مثل قراءة “إذا دبر” و”إذ أدبر” (في سورة المدثر)، أو “أنصارا لله” و”أنصار الله” (في سورة الصف)، وهي اختلافات لا تمس المعنى الكلي.
وعلى خطى التطور المادي للمصحف، يتوقف دتون عند ما يعرف ب “مشروع المصاحف الثاني” (2) في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي (نحو 84-85ه)، بمشاركة علماء البصرة كالحسن البصري ويحيى بن يعمر. وشهدت هذه المرحلة إدخال علامات الإعجام، ونقط الحركات باللون الأحمر، ووضع فواصل السور ورؤوس الآي. وتشير الروايات التي يناقشها دتون إلى تشدد الحجاج في عدم السماح بقراءة تخالف الرسم العثماني، ولا سيما في العراق، حيث ارتبط ذلك بمنع تداول قراءة ابن مسعود.
مأسسة القراءات
تفتح هذه الإصلاحات الباب أمام ما يصفه دتون ب “حقبة الاختيار”، وهي الفترة الممتدة تقريبا من مشروع المصاحف الثاني في عهد الحجاج إلى زمن أبي بكر بن مجاهد. تميزت هذه المرحلة بوجود مساحة مرنة للاختيار بين وجوه القراءة المتوافقة مع رسم المصحف وفي إطار الأعراف العلمية المتشكلة في الأمصار كالكوفة والبصرة والمدينة ومكة والشام.
غير أن هذا أفق الاختيار بدأ يضيق تدريجيا مع تبلور المدارس الإقليمية وبروز الحاجة إلى ضبط مؤسسي صارم، وهو ما تجلى بوضوح في مطلع القرن الرابع الهجري حين أجبر ابن مقسم وابن شنبوذ على الرجوع عن موقفيهما؛ إذ أجاز ابن مقسم القراءة بما يوافق الرسم ووجها من وجوه العربية دون الاعتداد بصحة السند، بينما أجاز ابن شنبوذ القراءة ببعض القراءات الشاذة المنسوبة إلى الصحابة. وتوج أبو بكر بن مجاهد (ت 324ه) هذا المسار باختياره للقراء السباع في كتابه الشهير “السبعة في القراءات“، ليمنح هذا الاختيار مكانة مركزية في عملية تقنين القراءات وتحديد إطار التلاوة المعتمد، تلاه لاحقا اعتماد القراءات العشر، بينما أبقي على ما عداها في دائرة “القراءات الشاذة” المخصصة للبحث التفسيري واللغوي لا للتلاوة العامة.
خلاصة القراءة التاريخية
تخلص دراسة دتون إلى أن تاريخ المصحف الشريف يتكون من عدة مراحل تطورية ومتدرجة جمعت بين استقرار ملحوظ في صورة النص وبين قدر من المرونة في بعض تفاصيل أدائه وكتابته، أخذ في التضاؤل تدريجيا عبر آليات الضبط الكتابي والمأسسة القرائية. ويختتم الباحث تحليله باستحضار أثر عبد الله بن مسعود المروي في “الموطأ”، والذي يحذر من زمن يكثر فيه حفظ الحروف وتضيع الحدود، ليؤكد أن الغاية القصوى من النص تظل منوطة بفهم معانيه والعمل بأحكامه، متجاوزا الجوانب الشكلية البحتة إلى الأفق الروحي والتشريعي الأوسع.
نبذة عن الباحث ياسين دتون
الدكتور ياسين دتون (Yasin Dutton) باحث وأكاديمي بريطاني، وأستاذ شرفي (Emeritus Professor) للدراسات العربية بكلية اللغات والآداب في جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا. يعرف دتون بأبحاثه في تاريخ القانون الإسلامي المبكر، والقراءات القرآنية، والمخطوطات القرآنية المبكرة. تركزت أبحاثه بشكل دقيق حول نشأة التشريع الإسلامي، ومذهب الإمام مالك بن أنس، ومفهوم عمل أهل المدينة، من أبرز مؤلفاته المرجعية كتاب “أصول الشريعة الإسلامية: القرآن والموطأ وعمل أهل المدينة”، وكتاب “الإسلام الأصيل: مالك ومذهب أهل المدينة” ، وكتاب “الإسلام المبكر في المدينة: مالك وموطأه.