لم يكن البحر جزءًا أصيلًا من ميادين القتال التي عرفها المسلمون في السنوات الأولى من الفتوحات؛ فقد نشأت جيوشهم في بيئة برية، وحققت انتصاراتها الكبرى في اليرموك والقادسية ونهاوند على اليابسة؛ ولكن فتح الشام ومصر وضع الدولة الإسلامية أمام واقع جديد؛ فقد أصبحت تملك سواحل طويلة على البحر المتوسط، بينما بقيت الدولة البيزنطية قوة بحرية كبرى، تستطيع أن تستخدم أساطيلها لضرب هذه السواحل ومحاولة استعادة ما فقدته، ومن هنا كان بناء القوة البحرية في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه واحدًا من أهم التحولات العسكرية في تاريخ الدولة الإسلامية، وكانت معركة ذات الصواري اللحظة التي أثبت فيها الأسطول الجديد قدرته على مواجهة الروم في الميدان الذي طالما تفوقوا فيه.
من التحفظ على البحر إلى ركوبه
كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قد طلب من عمر بن الخطاب الإذن بغزو البحر فلم يأذن له؛ إذ كان عمر يخشى على المسلمين من ركوب مجال لم يألفوه. ويذكر البلاذري أن معاوية أعاد طلبه بعد تولي عثمان، فظل عثمان أول الأمر متأثرًا بموقف عمر ثم أذن له بعد ذلك، واشترط عليه ألا يجبر أحدًا على ركوب البحر وقال له عثمان: ” فإن ركبت البحر ومعك امرأتك فأركبه مأذونا لك وإلا فلا، فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاختة بنت قرظة…”، وقال له أيضًا كما ذكر الطبري: “لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه”. وكان مقصود عثمان أن يكون معاوية أول من يتحمل الخطر الذي يدعو المسلمين إليه، وألا تكون المغامرة بأرواح الجنود قرارًا يصدره الوالي من البر؛ فخرج المسلمون إلى قبرص سنة ثمان وعشرين للهجرة، وكان معهم عدد من الصحابة، منهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها، وانتهت الحملة بصلح أهل قبرص مع المسلمين، وكان ذلك بداية تحول حقيقي؛ فقد أصبح للدولة الإسلامية وجود بحري منظم، ولم تعد سواحل الشام ومصر مكشوفة أمام الأسطول البيزنطي كما كانت من قبل.
لماذا كانت ذات الصواري؟
لم تقف الدولة البيزنطية متفرجة على تقدم المسلمين؛ فقد فقدت الشام ومصر ثم أخذ النفوذ الإسلامي يمتد في شمال إفريقية وجزر البحر المتوسط، وكان نجاح عبد الله بن سعد بن أبي سرح والي مصر في إفريقية “تونس” عاملًا مهمًا في زيادة المواجهة بين الطرفين. ويذكر ابن كثير عن معركة ذات الصواري: “أن الروم لما رأوا ما أصاب المسلمون من بلاد إفريقية حميت الروم، واجتمعوا بقيادة قسطنطين بن هرقل في أسطول ضخم بلغ نحو خمسمائة مركب، وفي المقابل كان عبد الله بن سعد يقود القوة الإسلامية القادمة من مصر، والتحقت بها قوة الشام البحرية. أما سنة معركة الصواري ففيها اختلاف؛ فقد أوردها ابن كثير ضمن حوادث سنة إحدى وثلاثين للهجرة، ونقل عن أبي معشر أنها وقعت سنة أربع وثلاثين، وأما مكان المعركة فلم تحدده بالدقة أكثر المصادر التاريخية المتقدمة وإنما ذكر بعضهم جهة “المغرب”، وقد رجح شوقي أبو خليل -من خلال جمع القرائن الواردة في المصادر التاريخية- أن معركة ذات الصواري وقعت على شواطئ الإسكندرية.
حين تحولت المعركة البحرية إلى قتال بالسيوف
كانت خبرة الروم بالبحر أكبر من خبرة المسلمين كما كان أسطولهم أضخم؛ ولذلك كان من فقه القيادة ألا يقبل عبد الله بن سعد معركة تقوم على المهارة البحرية وحدها، حيث تكون أفضلية الخصم واضحة؛ وذكر ابن كثير وصفًا لافتًا لما جرى فقال يروي خبر المعركة عن بعض من حضرها قال: “فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر”. وبذلك تحولت المعركة من مناورة بين سفن إلى ما يشبه معركة برية فوق ألواح السفن؛ ربط المسلمون مراكبهم بمراكب الروم، والتحم الرجال وجهًا لوجه، فقلَّت قيمة التفوق البيزنطي في فنون الملاحة، وأصبحت المواجهة أقرب إلى نوع القتال الذي خبرته الجيوش الإسلامية، وكان القتال شديدًا؛ حتى يصف ابن كثير المشهد بقوله إن الأمواج ألقت جثث الرجال إلى الساحل “وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرًا لم يعهد مثله قط، وقُتل منهم بشرٌ كثيرٌ، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين فهربَ قسطنطيينُ وجيشُه”. وانتهت المعركة بهزيمة الأسطول البيزنطي ونجاة قائده بعد إصابته بجراح.
فقه المعركة: لا تقاتل خصمك بشروطه
تكشف ذات الصواري عن قاعدة مهمة في إدارة الحرب: ليس المطلوب أن تواجه خصمك في المجال الذي يتفوق فيه بالطريقة التي يريدها هو، وإنما أن تبحث عن وسيلة تنقل المواجهة إلى المجال الذي تستطيع فيه توظيف عناصر قوتك؛ فالروم كانوا أصحاب خبرة طويلة في الملاحة والحرب البحرية، بينما لم يمض على دخول المسلمين المنظم إلى البحر إلا سنوات قليلة، ولو بقيت المعركة قائمة على المناورة بالسفن وحدها لظل التفوق الفني للروم عنصرًا حاسمًا، لكن ربط السفن بعضها ببعض نقل القتال إلى المواجهة المباشرة، حيث يستطيع المسلمون الاستفادة من خبرتهم في القتال القريب وثبات رجالهم. كما تكشف المعركة عن مرونة الدولة في التعامل مع المتغيرات؛ فقد كان امتناع عمر عن ركوب البحر مفهومًا في ظروفه؛ لأن الدولة لم تكن قد اكتسبت الخبرة اللازمة، لكن تغير الظروف في عهد عثمان، وامتلاك المسلمين سواحل الشام ومصر، وبقاء التهديد البيزنطي البحري؛ كل ذلك جعل إنشاء الأسطول ضرورة لا مجرد رغبة في التوسع، وهكذا اختلف القرار لاختلاف الواقع، مع بقاء مقصد حفظ المسلمين والدولة حاضرًا في الحالتين.
أثر ذات الصواري
لم تؤد معركة ذات الصواري إلى انتهاء القوة البحرية البيزنطية، فالإمبراطورية ظلت قوة كبرى في البحر المتوسط قرونًا بعد ذلك، ولذلك لا يصح وصف المعركة بأنها أنهت سيادة الروم على البحر نهائيًا؛ ولكنها أثبتت أمرًا جديدًا بالغ الأهمية: أن الأسطول البيزنطي لم يعد قادرًا على الانفراد بالمواجهة البحرية دون منافس، ثم في سنوات قليلة انتقل المسلمون من التردد في ركوب البحر إلى غزو قبرص، ثم إلى امتلاك قوة بحرية استطاعت الوقوف أمام أسطول بيزنطي ضخم والانتصار عليه، وكان هذا التحول من الإنجازات العسكرية الكبرى في خلافة عثمان رضي الله عنه.
الخاتمة
كانت ذات الصواري أكثر من انتصار في معركة بحرية؛ فقد كشفت قدرة الدولة على تغيير أدواتها حين تتغير طبيعة التحدي، وقدرة القيادة على حرمان الخصم من ميزته وتحويل المواجهة إلى المجال الذي تجيد القتال فيه، وأصبح البحر الذي كان يمثل حاجزًا أمام حركة المسلمين ميدانًا جديدًا من ميادين قوتهم.