فكر

تراثنا في خطر وبعض مخطوطاتنا النادرة خارج ديارنا

حوار مع فيصل الحفيان مدير معهد المخطوطات العربية

Feature image

حلقات التواصل الزمني تمثل للأمم شريان حياتها، وفقدان حلقة من تلك الحلقات يفقد الأمة هويتها ويجعلها بلا جذر يغذيها ويمدها بما تستطيع معه الحياة..

ذاك هو تراث الأمم وجهدها في خدمة البشرية، به تقاس حضارتها، وعليه تقوم نهضتها، ومن خلاله تستمد مكانتها، وبقدر حفاظها عليه بقدر حفاظها على دخول عوالم المستقبل مسلحة بجذر عميق..

والمخطوطات أحد آليات نقل هذا التراث قبل تطور البشرية في وسائل التعامل مع المنتج العلمي بهذه الطريقة المذهلة والمتنوعة، لذلك فإن تلقي الأمة العربية والإسلامية تراثها عن طريق المخطوطات وتكوّن ثقافتها من خلالها واجهه العديد من الصعوبات، وكذا من الأسئلة التي تحتاج لجهد في تذليلها والإجابة عليها.

من هنا تأتي أهمية الحوار مع  الدكتور فيصل الحفيان مدير معهد المخطوطات العربية، والذي يعد واحدًا من أهمِّ المراكز المعنيَّة بالمخطوطات في الوطن العربي والعالم وأقدمها، حيث أنشئ عام1946، ليكون جهاز خدمات علمية متخصص من أجهزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “إحدى منظمات جامعة الدول العربية”..

ويُعنى المعهد _حسب تعريفه على موقعه الرسمي_ بالتراث العربي المخطوط بمختلف أصعدته؛ جمعًا وإتاحةً، صيانةً وترميمًا، فهرسةً وتعريفًا، دراسةً وتوظيفًا، ويقوم على تجميع نصوص التراث وييسر تداولها، ويساعد على صيانة المخطوط العربي وحفظه، ويكشف عن المخبوء من التراث بالفهرسة والتعريف، ويشارك وينسق عملية الدَّرس العلمي للكتاب المخطوط؛ تحقيقًا ونشرًا، وتوظيفًا للمعرفة الإنسانية المعاصرة، معتنيًا بجانبيه المادي “علم المخطوطات” والمعنوي “التحقيق والدَّرس”.

فإلى نص الحوار:

– باعتباركم عميدا لمعهد المخطوطات التي تعد جزءا أصيلا من التراث ، فماذا يعني بالنسبة لكم ؟

تراث الأمة أساس نهضتها، تلك هي القاعدة مهما كانت قيمة هذا التراث ، فما بالنا إذا كان هذا التراث هو التراث العربي الذي يعد الأكثر غنى وثراء وتنوُّعًا وامتدادًا ومساحة جغرافية في العالم، وفي مختلف العلوم والمعارف الإنسانية سواء ما هو متصل بالدين أو العلوم العربية والشرعية، وكذلك العلوم الإنسانية والتطبيقية لأننا أبناء حضارة عظيمة، وهذا بالطبع لم يأت من فراغ وإنما لقدرة هذا التراث على التأثير بما يملكه من قيَم روحية ودينية حيث يضم هذا التراث حضارات متنوعة، ونزلت في أرض هذا التراث الأديان السماوية التي فجرت طاقات من الإبداع والابتكار في مختلف المجالات وارتقت بقيمة وفكر الإنسان.

أصاب التراث العربي محن قاسية عبر تاريخه بسبب ضعف الأمة وتعرضها للحروب الفتاكة

– هل التراث العربي موجود في أرض العرب فقط كما يظن البعض ؟

بالطبع لا، لأن العرب عبر تاريخهم أمة متحركة وخاصة بعد ظهور الإسلام حيث صالوا وجالوا لنشر الدعوة الإسلامية ، وكذلك القيام بالرحلات التجارية إلي مختلف مناطق العالم وخاصة المناطق المجاورة في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا، ولست مبالغا أن بعض المكتبات العامة والخاصة في تلك القارات وكذلك جامعاتها فيها مخطوطات فريدة ويتم الحصول عليها أو تصويرها عن إرسال خبراء المخطوطات في بعثات للقيام بتلك المهمة.

– كيف يتم تيسير الاطلاع على تلك المخطوطات وفي نفس الوقت الحفاظ على قيمتها التاريخية ؟

هناك وسائل متعددة تؤدي لتيسير الاطلاع على المخطوطات وذلك عن طريق تصويرها وإصدار فهارس لها وإعداد قوائم بما صورته البعثات الداخلية والخارجية واستخدام الوسائل الحديثة في جعلها ميسرة للاطلاع عليها مع الحفاظ علي الأصل، من خلال ترميمه، وهناك مشروعات تراثية كبري يسرت ذلك مثل “المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع “.

– قلتم إن جزءا من التراث العربي ليس موجودا في أرضه، فكيف يتم التعامل معه وضمان بقائه على قيد الحياة ؟

ما لا يدرك كله لا يترك جله بمعنى أنه لو لم يكن ممكنًا إعادة المخطوطات من غربتها، كما لم يكن ممكنًا إصلاح أوضاع المخطوطات في أماكنها وخاصة أن جزءًا كبيرًا منها في حوزة أشخاص أو أُسر تعتز بها بوصفها جزءًا من ماضي الإنسانية دون أن يكون لديها الدراية بكيفية حفظه وحمايته بشكل صحيح، ولهذا فإن من يقتنون بعض المخطوطات كانوا يضعونها في صناديق أو أكياس دون أن يدركوا خطورة ذلك مما جعل بعضه تُهدده الأرضة بل وتأكله الحشرات.

– ما هي أشهر الدول الخارجية التي تنتشر بها المخطوطات التراثية العربية ؟

موجود في مكتبات الجامعات الأوربية والأمريكية الكبرى، وفيها مخطوطات نادرة، كما أن هناك مخطوطات موجودة أيضا في دول الجوار العربي سواء من دول الجوار المباشر مثل تركيا وإيران واسبانيا والبرتغال وايطاليا وغيرها، أو الدول التي كان فيها وجود إسلامي أو ربطتهم بالعرب المسلمين علاقات قوية مثل الهند وباكستان وأفغانستان و التي بمكتباتها كم كبير من المخطوطات العربية، كما توجد مخطوطات في دول الاتحاد السوفيتي السابق والاتحاد اليوغسلافي السابق وكذلك بريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا باعتبارها دول استعمارية احتلت العالمين العربي والإسلامي واستولت علي تراث العرب والمسلمين.

– رغم الجهود الكبيرة للحفاظ على التراث العربي إلا أن البعض يرى أنه ما زال في خطر ولابد من إنقاذه، فما الحل؟

من المؤسف القول بأنه قد أصاب التراث العربي محن قاسية عبر تاريخه بسبب ضعف الأمة وتعرضها للحروب الفتاكة التي استهدفت الإنسان العربي وإبادة تراثه، ولعل ما جري على يد التتار في بغداد أبرز مثال على ذلك ومثل هذه المحن أدت إلى تلك الغربة المزدوجة التي عانى منها التراث، ولا يزال يعاني منها حيث تعرض للسرقة والنهب وعمليات الاتجار غير المشروعة حتى أصبح معظمه خارج الوطن العربي، كما أنه لم يجد العناية والحماية بين أهله الذين هم أولى بذلك من غيرهم، فمثلا قد تم إلقاؤه في كثير من الأحيان – عبر العصور التاريخية المختلفة – في أماكن لا تتوفر فيها الظروف الملائمة لحفظه وحمايته من عبث العابثين – بكل ما تعني كلمة العابثين من معان – مع هذا ما زال حيا ولكن ليس كما ينبغي أو يحب كل عربي غيور على تراثه ومعتز به.

– كيف يمكن إعداد أجيال للمحافظة على هذه المخطوطات التراثية النادرة سواء الموجودة في بلاد العرب أو خارجها؟

لابد أن نعلم أن ترميم المخطوطات أصبح علمًا تستخدم فيه احدث الأجهزة العلمية التي تتطور باستمرار ولهذا لا بد من إعداد أجيال فنية متخصصة قادرة على صيانة هذا التراث العربي الفريد الذي ليس له مثيل وحمايته

– قد يقول قائل لسنا مؤهلين لذلك بالشكل الكافي ؟

نحن نعيش في قرية كونية صغيرة وبالتالي يمكن الاستفادة من المراكز التدريبية المتخصصة في البلاد الأجنبية المتقدمة في هذا الميدان حيث لديهم خبراء وكفاءات في كيفية التعامل مع المخطوطات التراثية وترميمها وحفظها،  وكذلك لابد أن تعمل البلاد العربية على تكوين كفاءات عربية جيدة حتى تعتمد علي نفسها في حفظ تراثها وكذلك التواصل مع المراكز العالمية المتخصصة للاستفادة بكل ما هو جديد.

– بإيجاز نود التعرف على معهد المخطوطات الذي تقودون العمل فيه ؟ 

أصدر مجلس جامعة الدول عام 1946م قراره بإنشاء المعهد ويُعَد من أقدم إدارات الجامعة، ومهمته جمع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في دور الكتب العامة والخاصة، وكذلك فهارس المخطوطات التي يمتلكها الأفراد لتوحيدها في فهرس عام، وأيضا تصوير أكبر عدد ممكن من المخطوطات العربية القيِّمة ووضع هذه المصورات تحت تصرف العلماء وعرضها لمن يطلبها، للاطلاع عليها بواسطة الآلات العارضة المكبِّرة أو بإعطاء صورة مكبرة منها بأسعار مناسبة أو بإعارة نسخة ثانية منها للعلماء الذين يطلبونها من البلدان الأخرى عن طريق المؤسسات العلمية أو بإرسالها رأسًا إليهم بأسعار مناسبة فضلا عن طبع صور المخطوطات القيِّمة التي نصها صحيح وخطها مقروء ونشر نصوص المخطوطات ذات الأهمية الكبرى.

ترميم المخطوطات أصبح علمًا تستخدم فيه احدث الأجهزة العلمية

–  ما دور المعهد في تنظيم التعاون بين العلماء والمؤسسات العلمية في سبيل نشر المخطوطات؟

يقوم المعهد بتنظيم ذلك من خلال تزويد الناشرين بالمعلومات اللازمة عن المخطوطات التي يعنون بها وإعلامهم بأسماء من يعنى بمخطوطات مماثلة لمخطوطهم أو مشابهة له، كما يقوم المعهد بإصدار نشرة دورية عما طُبع أو يُطبع من المخطوطات العربية مع الإشارة إلى ما هو معد منها للطبع.

– بإيجاز شديد جدا، ماذا أنجز المعهد ؟

رغم ما مر به المعهد من تعثرات في مسيرته إلا أنه استطاع جمع التراث العربي المخطوط المبعثر في مناطق شتى، ومكتبات عامة وخاصة، سواء داخل الوطن العربي أو خارجه، بل وإيفاد البعثات إلى أماكن وجود المخطوطات لتقوم بالانتقاء والتصوير من فهرسة وتحقيق ونشر للنصوص الجيدة وغير ذلك.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة