شريعة

لماذا يستثقلون الدين؟

Feature image

قطاعات من المسلمين يزهدهم في الالتزام بالدين أنهم يرون الالتزام به صعبا، وأنه ربما أضاع عليهم بعضا من حقوقهم!

يمكننا أن نكتشف استبطان هذا المعنى لقطاعات كثيرة من الناس من خلال ما يقدمونه من أفلام ومسلسلات.

مؤخرًا، تابعت واحدا من هذه الأعمال، يحكي عن أخوين، كان أحدهما أغنى من الآخر، فكان الفقير يستقرض أخاه الغني كلما مرت به مسغبة، ومع تزايد مرات الاستقراض، رأى الفقير أن يوثق لأخيه دينه،  فنقل له ملكية أرض كان يملكها، وأعطاه عقدا بذلك.

ثم يموت الأخ الفقير دون أن يطلع على ذلك أحدا سوى زوجته، يكبر أولاده، وتظهر لهم فرصة جيدة لبيع أرض أبيهم، وعند التفاوض على بيعها، يعلمون أن أباهم كان قد ملكها لأخيه الغني.

يستوثقون من أمهم، فتخبرهم أن الخبر صحيح، لكنه لم يكن يقصد البيع، ولا كان عمهم يقصد الشراء، بل كان العقد لتوثيق الدين بالأرض فقط حتى لا يضيع مال العم، إلا أن العقد الذي مع عمهم عقد عرفي لا تعترف به المحكمة، إلا إذا شهدت أمهم بصحته.

أصبح قرار المحكمة مرهونا بموقف الأم: إن اعترفت بصدق العقد ضاعت عليهم الأرض، وإن أنكرت استقرت لهم الأرض.

لكن لحظ الأولاد العاثر أن أمهم كانت امرأة متدينة، ترفض أن تشهد كذبا، وبخاصة أن القاضي سيطلب منها أن تحلف أنها لا تقول إلا الحق.

يضيق الأولاد ذرعا بهذا التدين الذي سيضيع عليهم حقهم، فيحولون إثناء الأم، لكنهم لا يفلحون.

هذه هي صورة التدين الذي تعرضه الأفلام والمسلسلات، تدين يضيع الحقوق على أصحابها، ويؤدي إلى نفور الناس منه، ومن يمكنه أن يلتزم بهذه المثالية المفرطة !

لكن هل ديننا فعلا بهذه المثالية الحالمة؟

هل يفرض على الإنسان أن يرى حقه يضيع أمام عينيه فلا يمكنه فعل شيء ؟ بل عليه أن يساعد في تضييعه وإلا كان كاتما للشهادة !

تداعى إلى ذهني على الفور مقولة شخص عامي، كان في خصومة مع آخر، فأردت أن أصلح بينهما، فلما ذكرته بالدين إذا به يقول في صراحة :  لو سمعنا كلام الدين، لن نروح ولن نجيء!

لا يعلم هذا المسكين أن الرجل الثاني في هذا الدين أبا بكر الصديق وقف يخطب في جموع الصحابة لما ولي أمرهم : أيها الناس ، ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه.”

صُدمت يومها، كيف تسللت هذه الثقافة المغلوطة عن الدين إلى ذهن هذا الرجل، لكني اليوم عرفت أن ذلك من صناعة هذه الأفلام والمسلسلات.

كل من يقوم بمشاهدة هذا العمل، سيخرج بالنتيجة ذاتها، وبخاصة أن هذه المرأة سألت عالمًا من علماء الدين في المسلسل، فأفتاها بأنه يحرم عليها إلا أن تشهد بصحة هذا العقد، ما يعني ضياع الأرض من أولادها !

ديننا ليس بهذه المثالية الحالمة

إن ديننا لم يبنِ أحكامه وتشريعاته ومبادئه على رؤيا حالمة بأن أتباعه جميعا سوف يكونون مثاليين نزهاء مبرئين من الذنوب والمعاصي، فرب البشر يعلم أنه سوف يكون منهم الصالح والعاصي؛ ولهذا تميزت الشريعة الإسلامية بما يمكن أن نسميه ( الواقعية) وهي في الحقيقة ( المثالية ) الممكنة بين البشر. فهي إذن واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، فقد سَلِمَتْ من إفراط غُلاة المثاليين، ومن تفريط الواقعيين من البشر.

ومن واقعية الشريعة: أنها قَدَّرتِ الضرورات ـ التي تَعْرِض للإنسان وتَضغَط عليه ـ حق قدرها، فَرَخَّصتْ في تناوُل المُحرَّمات على قَدْر ما تُوجِبُ الضرورة، وقَرَّر فقهاء الشريعة: أنَّ الضرورات تُبيحُ المحظورات، استنادًا إلى ما جاء في القرآن عند ذكر الأطعمة المُحَرَّمةِ من مثل قوله ـ تعالى ـ: (إنما حَرَّمَ عليكمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ ومَا أُهِلَّ بِهِ لغَيرِ اللهِ فمَنِ اضطُّرَّ غيرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فلا إثْمَ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ) (البقرة: 17).

وما أروع ما قال ابن القيم عن الشريعة الإسلامية :  الشريعة مبنية على مصالح العباد، وقد وقع بسبب الجهل بذلك غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله – صلى الله عليه وسلم – أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل.

 

الحلف لاستخلاص الحقوق

عالج فقهاؤنا مسألة اضطرار الإنسان للحلف كذبا حتى يستخلص حقه المسلوب، أو يدفع عن نفسه السطو على عرضه أو ماله.

فقرروا أنه يجوز الحلف تعريضا في هذه الحالة.

والتعريض هنا قائم بصورته في هذه الحالة، فإن القاضي سوف يطلب من هذه المرأة أن تحلف  بالله في بداية شهادتها أنها سوف تقول الحق.

فإذا ما أنكرت وقوع البيع ، فهذا هو الحق كما صوره المسلسل.

ذكر القرطبي في تفسيره تحت عنوان (الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل)

قال الحسن : إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه ; وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه.

وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه , ولا يعلم له موضعا ; قال : فحلف له ابن أشرس ; وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه , فحلفه بالطلاق ثلاثا , فحلف له ابن أشرس , ثم قال لامرأته : اعتزلي فاعتزلته .

ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان , فأخبره بالخبر ; فقال له البهلول : قال مالك إنك حانث . فقال ابن أشرس : وأنا سمعت مالكا يقول ذلك , وإنما أردت الرخصة أو كلام هذا معناه ; فقال له البهلول بن راشد : قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك . قال : فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن .

فتوى لابن القيم

جاء في كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم : فإن قيل فما تقولون لو عامله معاملة ربا، فقبض رأس ماله، ثم ادعى عليه بالزيادة المحرمة، هل يسوغُ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها؟.

قيل: يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعوى باطلة، فلو لم يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل فى اليمين، لأنه مظلوم.. [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 75)]

و جاء في كشاف القناع: “وإن كان الحالف مظلوما كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه أي أخبر به على وجه الصدق لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما -قلت أو كافرا محترما- منه ضرر فهنا له تأويله. ”

وسئل الشيخ ابن باز :  كنت قد حلفت بالله كاذباً ولكن كان هذا الحلف لابد منه، فلو لم أحلف كاذباً -والله أعلم- كان قد أصابني ظلم، فماذا تعد هذه اليمين؟

فأجاب : إذا كنت مضطراً إليها فلا شيء عليك، تسمى يمين الغموس إذا كان الإنسان ليس مضطراً لها، فإذا اضطر إليها فلا حرج في ذلك، كأن يطلب منه أن يقر بشيء وهو بريء منه فيحلف أنه لم يفعله وهو يعتقد أنه فعله، لكن لو أقر به لأقيم عليه الحد، فلا حرج أن يحلف ويستر على نفسه.

مسؤولية المسلسل عن التكييف الفقهي

بقي أن نذكر أن هذا الكلام بناء على تكييف المسلسل نفسه بأن هذا البيع لم يكن حقيقيا، وأنه كان مقصودا به الاستيثاق من الدين لا البيع.

ولم تخض المقالة في تكييف هذا العقد، ولا في تقييم هذا التكييف الذي قدمه المسلسل؛ إذا ليس هذا هو الغرض من المقالة، بل الغرض منها تقييم تصور القائمين على هذا المسلسل للدين في هذا الموقف كما فهموه هم، وكيف أنهم يتصورون أن الالتزام بهذا الدين سوف يضيع حقوقهم !

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة