قال النبي لأنَجَشَة الحادي: “يا أَنَجَشَة، رويدك سوقًا بالقوارير”[1]، وبهذه الكلمة البليغة وصف النبي النساء وطبيعتهن الرقيقة وسرعة تأثرهن، وهي تشبه – على حد وصف عبدالله كنون[2] – ما يُقال الآن في النساء من وصفهن بالجنس اللطيف أو الرقيق.

وتعد قصيدة الشاعر جرير بن عطية (ت 110هـ = 728م) في رثاء زوجته خالدة أم ولده حَرْزَة من أصدق ما قِيل في رثاء رجل لزوجته, وبيتها الاستهلالي خير شاهد على ما أقول:

لولا الحياءُ لعَادَني استعبارٌ

ولَزُرْت قَبْرَك والحبيبُ يُزار[3]

ومثله بيتا الخليفة يزيد بن عبد الملك (101-105هـ = 720-724م) في رثاء جاريته حُبَابة، التي تُوفي بعدها بأيامٍ قلائل، باخعٌ نفسه على آثارها أسفًا، فكان أحد صرعى الحب:

فإنْ تَسْلُ عنكِ النفسُ أو تَدَعُ الصِّبا
فباليأسُ أسلو عنك لا بالتجلُّدِ

وكلُّ خليلٍ زارني فهو قائلٌ
من أجلِكِ هذا هامةُ اليومِ أو غَدِ[4]

ويشتهر فقيه المؤرخين أبو شامة المقدسي (ت 665هـ = 1267م) بكتابه ذائع الصيت “الروضتين في أخبار الدولتين النُّورية والصَّلاحية”، الذي قصد به التأريخ لدولتي نور الدين محمود الزَّنكيّ وصلاح الدين يوسف الأيوبيّ، وهي تسميةٌ كلاسيكية؛ شبَّه أبو شامة فيها حكم ذينك الملكين بروضتين مقارنة بصحراء عصره التي لا رياض فيها إلا لخَلَف هذين الملكين ولمن ارتضى من أميرٍ؛ فقد ساد التطاحن والتباغض بين الأيوبيين أنفسهم، ووقع الأمر نفسه بين بقايا الزنكيين وبعضهم بعضًا. وبجانب هاتين الروضتين الخياليتين، كانت لأبي شامة روضةٌ حقيقية يتفيأ ظلالها ويقطف ثمارها تمثلت في زوجته أم ولده أبي الهدى أحمد، ست العرب ابنة شرف الدين محمد بن علي بن ذنو القرشي الأندلسي المُرسي، وهي عقيلة حرَّة قُرشية من بني عبد الدَّار بن قُصَي، عادت أسرتها من الأندلس، وحطت رحالها بدمشق([5]).

تزوج أبو شامة ثلاث مرات، تُوفيت زوجته الأولى، وطلق الثانية، أما زوجته الثالثة فهي ست العرب القرشية الأندلسية سالفة الذكر، تزوجها سنة 645هـ وهي في الرابعة عشر من عمرها، فأنجبت له بعد موت ابنه أبي الحرم محمد من زوجته الأولى سنة 643هـ وهو في الثامنة والنصف من عمره، وكان أحب أبنائه إليه، ثلاثة أولاد، هم: أبو الهدى أحمد سنة 653هـ، وقد جاء بعد أن أكثر أبو شامة من الدعاء بأن يرزقه الله ولدًا ذكرًا، ثم أبو العرب إسماعيل سنة 658هـ، ثم أبو القاسم محمود سنة 661هـ([6]).

وفي حوادث سنة 655هـ ذكر أبو شامة في تاريخه المعروف بـ”المذيل على الروضتين”، قصيدة تتكون من ستة وأربعين بيتًا، كتبها لزوجته ست العرب، أباح لها فيها بحبه الكبير، وعدَّد فيها صفاتها، وكان أبو شامة أيامئذٍ قد اعتزل التدريس في المدارس الشافعية ولزم بيته، فهنا دب دبيب الحب في قلبه، وتمتع بعذوبة حديث زوجته، وذكائها الساحر، وكان قد مر على زواجهما عشر سنوات – أي إنها كانت قد بلغت الرابعة والعشرين، وهو قد قارب السادسة والخمسين -، ففي خريف عمره اشتعل قلبه حبًّا. وبتدوينه لهذه القصيدة في “مذيله” تحدى أبو شامة تقاليد العصر الذي كان علماؤه يخفون مشاعرهم ولا يفصحون بها في حياتهم العامة ولا الخاصة، ولا يسمحون لأحد أن يطلع على داخل بيوتهم من خلال مصنفاتهم أو أشعارهم([7]).

أورد أبو شامة في هذه القصيدة فضائل زوجته ست العرب الخَلْقية والخُلُقية، وسوف يعلم القارئ للقصيدة أنها من أصدق ما قاله رجل بعفويةٍ في مدح زوجته، استهلها بقوله:

مُكَمَّلةُ الأوصافِ خُلْقًا وخِلْقَةً
فأهلًا بها أهلًا وسَهْلًا بها سَهْلا[8]

ثم ذكر أن زوجته بها من خصال الخير ما حيَّر العقل؛ فهي كاملة بين النساء، فليس لها منهن شبهًا، بل إنها فوق المقارنة مع غيرها، ومدح كلامها فقال إنها عديمة لفظ وصموت؛ فلا قطعًا ترد ولا وصلًا، حتى إنها لا ترد على مَنْ يطرق باب بيتها، فيطيل الوقوف ولا جواب، فكلام الأجنبي لديها محرم وإنْ قَلَّ:

يَعِزُّ على مَنْ يطرُقُ البابَ لَفْظُها
جوابًا فلا عَقْدًا تراه ولا حَلَّا

يُطيلُ وقوفًا لا يُجَابُ مُحَرَّمٌ
عليها كلامُ الأجنبيِّ وإنْ قَلَّا [9]

كما أنها تنتقي كلامها فلا ترى لها لفظة إلا في محلها، وليس في كلامها لُثْغَةٌ، فألفاظها دُرٌّ تُنَضَّد أو أَغْلى، وهي صغيرةُ سنٍّ غير أنها في الكلام كبيرةٌ؛ فهو يتغزل فيها – لكن ليس كتغزل عمر بن أبي ربيعة – ولِمَا لا وهي من أرومةٍ حجازية، وأهل الحجاز معروفون بالدلال، لذلك يُقال: “دَلٌّ حجازي”([10]).

وتحدَّث عن مشيتها، فقال إنها عديمة الالتفات إذا مشت، ولا ينكشف منها بنانٌ؛ فتحار مَنْ تمشي معها في حفظها يدها، فما بالك بجوارحها الأخرى:

ولم يَنْكشِفْ منها بَنَانٌ يحارُ مَنْ

مشى معها من حِفظِها يدَها فَتْلا[11]

وأثنى على أدائها المتقن لأي عملٍ تقوم به، فقال إنها متقنة تتقن القول والفعل، وتحفظ ماله، ومدبرة في نفقات بيتها مما جعل العِدَى يعدون ذلك منها بخلًا. وتعمل في بيتها بدأبٍ ولا تكل؛ فهي خطَّاطة ماهرة، ومُطرِّزة وخيَّاطة بارعة، وتقضي وقتها في التنقل بين أعمال بيتها، فتكنس تارة، وتطبخ تارة، وتغسل تارة أخرى، مع أن في بيتها خادمة، لكنها اعتادت على أداء الأعمال بنفسها. زد على ذلك، أسلوبها الطيب في التعامل مع أهل بيتها، فهي مربية حنانة على الأطفال، وذات رحمة؛ “فكل يتيم واجد عندها فضلًا”، كما أنها ألوف لأهلها، مدارية لهم إنْ عتبت، وإنْ أحبت فلا حقد لديها ولا غِلّ، لذلك قال إنه بعد عشر سنوات من زواجه بها لم يقل أُفٍّ لديها ولا كلَّا، كما أنها لا تذم أكلًا ولا شُرْبًا؛ فهي:

ملازمةٌ للشُّغلِ في البيتِ دائبًا

على صِغَرٍ من سِنِّها لا تني فِعْلا

مُطَرِّزَةٌ خطَّاطَةٌ ذَهَبِيَّةٌ

مُفَصِّلَةٌ خيَّاطةٌ تُحْكِمُ الغَزْلا[12]

أما عن تدينها وعلمها، فذكر أنها حافظة للغيب، صالحة، قانتة، صوَّامة، عفيفة، حَصَان رَزَان، من المحصنات الغافلات، تتأسى بأمهات المؤمنين في التزام بيتها فلا تخرج إلا لضرورة ملحة، فقد قال إن أترابها كُنَّ:

يَشُرْنَ عليها بالبروزِ تَفَرُّجًا

فتأبَى وقَعْرُ البيتِ في عَيْنِها أحلَى[13]

كما أنها أديبة فصيحة، ذكية أريبة، تفهم ما يُلقى لديها وما يُتلى، وهمتها عالية فإذا رأت شيئًا لا تعرفه صممت عليه حتى تحتويه. ثم بعد أن عدَّد خصالها الحميدة، قال:

وأحسنُ مِنْ ذا كلِّه أنَّ هذه الـ

ـــخصائِلَ طَبْعٌ لم تُكَلَّفْ بها حَمْلا[14]

وتعويذة لأوصافها الحميدة من أعين الحاسدين، أنهى أبو شامة قصديته قائلًا:

ولكنَّ فيها نُفْرَةً وتَغَضُّبًا
وسُرْعةَ غَيْظٍ عند لَفْظٍ لها يُعلَى

فوالله ما أدري أذلكَ مُسْقِطٌ
مناقبَها عند الحسودِ لها أَمْ لا؟[15]

فمما يُؤخذ عليها أمور أربعة: النُّفرة، والغضب، وسرعة الغيظ، وعلو صوتها عند غضبها، وهي صفات لا تنفك منها أية امرأة، لكنها مع ذلك رقيقة قلب، وخفيفة رُوح، وسريعة دمع العين، ومُدِلَّة بعقل.

وحقيق بالذكر أن أبا شامة هو المؤرخ الوحيد الذي تحدَّث عن زوجته هذا الحديث الجميل، مع أنه فقيه ومُفتٍ كبير، وهذه مزية فريدة لم نعهد مثلها من قبلُ، بل حتى بين أقرانه من المؤرخين والفقهاء؛ فمعاصره المؤرخ والقاضي ابن واصل لم يتطرق لحياته الخاصة في كتابه “مُفرِّج الكُروب” برغم أنه تعرض مرارًا لأخباره وأسفاره، إلا أنه لم يشر إلى أمر زواجه على الإطلاق، مما جعل الدكتور جمال الدين الشيال يرجح أنه لم يتزوج([16]).

وباستثناء أبي شامة، فنحن لا نعلم عن زوجات أحد من المؤرخين شيئًا، اللهم إلا ومضات خاطفة عن ولع ابن الجوزي بزوجته خاتون بنت عبدالله، أُم ابنه محيي الدين يوسف – مؤسس المدرسة الجوزية المشهورة بدمشق -، فلم يذكر ابن الجوزي ذلك في تاريخه “المنتظَم”، غير أن سِبْطَه أبا المظفر يوسف بن قزأوغلي نوَّه بذلك؛ فقد ذكر أن جده تُوفّي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة 597هـ ثم بعده بيومٍ وليلة (أي يوم السبت) تُوفيت زوجته المذكورة، فتعجب سبطه، فقد رآها في الليلة التي مات فيها جده في عافيةٍ وقائمة ليس بها مرض، فعدَّ الناس ذلك من كرامات ابن الجوزي؛ لأنه كان مغرًى بزوجته هذه في حال حياته([17]).

وبسبب هذه القصيدة الفريدة في تراثنا لم يسلم أبو شامة من سهام النقد؛ إذ صدمت معاصريه ومَنْ جاء بعدهم؛ لمعانيها التي رأوها مبتذلة لا تليق بجلال الشعر كما عرفوه؛ فقد قال صلاح الدين الصفدي: “وقد نَظَم الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله تعالى قصيدة تناهز الأربعين بيتًا في زوجته، فسمج – عفا الله عنه – فيها ما شاء، وبرد ما أراد”([18]).

ويتفق إبراهيم الزِّيبق مع الصفدي في أن بضاعة أبي شامة الشعرية في هذه القصيدة مزجاة، لكنه يرى أن لها قيمةً نادرة؛ إذ تصور لنا بتفصيلٍ دقيق جانبًا من حياة المرأة العادية إبان العصر الأيوبي، وهي تغسل وتطبخ وتطرز، وترعى ولدها وزوجها، بلفظٍ معبِّر وعفوية آسرة([19]).

فلا غرو مَنْ كانت تلك صفاتها أن تحلَّ من أبي شامة محلَّ الرُّوح من الجسد، فلعمري إنها لزوجة من الحور العين!


 

([1]) صحيح الإمام مسلم، كتاب الفضائل، “باب رحمة النبي r للنساء”، حديث (2323).

([2]) مقالته بعنوان “الألفاظ والأساليب المستحدثة”، مجلة المناهل، المغرب، مارس 1985م، العدد (32)، ص16.

([3]) ديوان جرير، تحقيق نعمان محمد، طبعة دار المعارف، القاهرة، ط(3)، 3/862.

([4]) الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 3/182.

([5]) راجع: القصيدة كاملة في “المذيل على الروضتين” لأبي شامة، تحقيق إبراهيم الزيبق، دار الرسالة العالمية، بيروت،  1431هـ = 2010م، 2/120-122.

([6]) المذيل، 2/71، 106، 139، 190.

([7]) إبراهيم الزيبق، أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط(1)، 1431هـ = 2010م، ص192.

([8]) المذيل، 2/120.

([9]) المصدر السابق، 2/121.

([10]) ابن واصل، تجريد الأغاني، تحقيق طه حسين وإبراهيم الأبياري، القاهرة، 1954م، 1/37.

([11]) المذيل، 2/121.

([12]) المصدر السابق.

([13]) المصدر السابق، 2/120.

([14]) المصدر السابق، 2/122.

([15]) المصدر السابق.

([16]) راجع: رسالته للدكتوراة بعنوان “جمال الدين بن واصل وكتابه مفرج الكروب”، كلية الآداب، جامعة فاروق الأول، سنة 1948م.

([17]) مرآة الزمان، تحقيق إبراهيم الزيبق، دار الرسالة العالمية، بيروت، 22/116.

([18]) الوافي بالوفيات، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط(1)، 1420هـ = 2000م، 18/69 (6683).

([19]) إبراهيم الزيبق، أبو شامة، ص193، هامش (2).