فكر

فضل الرحمن مالك .. والقراءة التأويلية للقرآن والسنة

Feature image

تناولنا في المقال السابق الملامح الأساسية المميزة لمشروع فضل الرحمن مالك المفكر الباكستاني المرموق (1919-1988) ومن خلال هذا المقال ننتقل من التعميم إلى التخصيص ونتطرق إلى قراءته التأويلية للقرآن والسنة.

إعادة تفسير النص القرآني: الدواعي والكيفيات

شغل القرآن الكريم موقعا مركزيا ضمن مشروع فضل الرحمن المعرفي، فهو يقارب كافة القضايا والإشكالات انطلاقا منه، وهو يرجع ذلك إلى أن المسلمين اعتبروه “المصدر الوحيد للإجابة على جميع الأسئلة”. وبحسب فضل الرحمن فإن الأجيال الأولى تمكنت عبر القرآن من الإجابة على التساؤلات في الحقبة المبكرة لأنهم أفادوا من التعاليم والشرائع المحلية في الجزيرة العربية والديار المفتوحة، لكن ذلك لم يدم طويلا لأن فقهاء المسلمين ومفسريهم حاولوا استنباط الشريعة والقوانين من القرآن بشكل مجرد وحصري.

والفرضية الرئيسة التي يتبناها فضل الرحمن هي أن المسلمين عبر تاريخهم أخفقوا في وحدة القرآن التي تحمل رؤية محددة للعالم، وهي نتيجة لأزمة لقصور الأدوات المستخدمة في التفسير، ولذا يعتقد أن هنالك ضرورة لإعادة تفسير القرآن الكريم وفق أسس وقواعد جديدة، وحجته في ذلك أن “ليس من الضروري أبدا لتفسير قُبل ذات مرة أن يظل مقبولا إلى الأبد، إذ أن هنالك على الدوام حاجة للوصول إلى تفسيرات جديدة لأن التفسير عمل متواصل لا يكل”[1].

والمنهج الذي يقترحه فضل الرحمن يشتمل على خطوتين رئيستين أو حركتين مزدوجتين كما يسميهما:

الخطوة الأولى، وهي العود إلى زمن الوحي، وتشتمل على جزئين، الأول فهم القرآن فهم الوضعية التاريخية الشاملة للمجتمع ومؤسساته وأعرافه لأجل فهم الوضعية الذي جاء القرآن الكريم ليرد عليها، وثانيا فهم القرآن على ضوء هذه الخلفية واستخلاص مبادئ وتعاليم القرآن العامة وخصائصه الذاتية بمعزل عن أي مؤثرات خارجية كالتفاسير والآراء التاريخية التي نشأت حول القرآن، والتي ينبغي أن يحكم عليها وفق الفهم الجديد لبيان مدى ذاتيتها واقترابها من الأصل القرآني أو مدى افتراقها عنه.

الخطوة الثانية، وفيها نعاود الرجوع إلى الزمن الحاضر محملين بالفهم الذي اكتبسناه والذي ينبغي تطبيقه على واقع الحياة المعاصرة، وهذا التطبيق له شروطه الخاصة إذ يقتضي أولا ” تغيير قواعد الماضي حتى يلائم مع الوضعية الراهنة، شرط أن لا يؤدي هذا التغيير إلى خرق المبادئ العامة والقيم المتحدرة عن الماضي”، كما يقتضي ثانيا “تغيير الوضع الراهن حين يتبدى مثل هذا التغيير ضروريا بحيث يتلاءم مع هذه المبادئ العامة والقيم”[2]، وهذه الشروط لا تتحقق من دون إعمال مبدأ الاجتهاد.

والاجتهاد كما يعرفه فضل الرحمن هو: “الجهد المبذول من أجل فهم معنى نص منزل أو سابقة تاريخية، تبعا لقاعدة معينة، وتبديل هذه القاعدة عبر توسيعها أو تضييقها أو تغييرها بشكل يمكن من إخضاع وضعية جديدة معينة للوصول إلى حل جديد لها”، وهذا التعريف يفترض أربعة أشياء جوهرية كما يقول وهي:

  • “أن النص أو السابقة يمكن تعميمهما بوصفهما مبدأ”، وهو ما يعني ببساطة أن النص الديني مطلق قابل للتطبيق في جميع الأزمان والأمصار.
  • أن المبدأ يمكن إعادة صياغته في قالب جديد ووفق قاعدة جديدة.
  • أن النص أو السابقة التاريخية أو الوضعية الراهنة يمكن معرفتهم بموضوعية.
  • يمكن إخضاع العناصر السابقة، بما لها من موضوعية، للمنهج التاريخي الذي نشأت تحت تأثيره[3].

السنة النبوية وإشكالات التعامل

حظيت السنة هي الأخرى باهتمام مماثل من فضل الرحمن الذي كتب فيها كتابا لم يترجم بعد إلى العربية وهو “النبوة في الإسلام”، كما أنه تناولها في كتابيه الشهيرين: الإسلام، والإسلام والحداثة (الذي ترجم تحت عنوان الإسلام وضرورة التحديث)، وعبر بحوث مستقلة نشرت بدورية الدراسات الإسلامية في مطالع الستينات، وهذا الاهتمام له ما يسوغه من اعتقاد فضل الرحمن أن التقاليد الإسلامية تأسست من خلال الأصل القرآني والممارسة النبوية.

ومن خلال مقاربته للسنة النبوية يوجه فضل الرحمن انتقادا مزدوجا للكيفية التي تعامل بها المستشرقون الغربيون والدارسون الإسلاميون مع السنة، فبالنسبة للأولين فإنهم ألغوا فكرة السنة النبوية لأنهم وجدوا أنها تتألف من ثلاثة أقسام: الأول هو استمرار مباشر لعادات العرب ورسومهم في الجاهلية، والثاني هو اجتهاد علماء المسلمين بعد وفاة النبي، والثالث ويضم بعض من عادات وممارسات اليهود والبيزنطيين في الجزيرة العربية، وهذا القسم بولغ في تضخيمه، وعليه افترض هؤلاء أن فكرة السنة -بمعنى سلوك النبي الواجب الاتباع- هي فكرة متأخرة كثيرا وتعود إلى القرن الثالث، وهي الفكرة التي يسخر منها فضل الرحمن ويصفها بالصبيانية وبخاصة أن القرآن امتدح في أكثر من آية سلوك النبي ووصفه بالمعيارية الأمر الذي يعني حتما وجوب الاتباع[4].

وأما الآخرين أي العلماء المسلمين الأولين فإن انتقادات فضل الرحمن تمتد لتشمل فشلهم في فهم طبيعة الرسالة المحمدية التي توجهت نحو التحسين الأخلاقي لوضعية الإنسان بالمعنى الملموس والجماعي بأكثر مما توجهت نحو ما هو خاص وميتافيزيقي، وبدلا من هذا فإنهم رأوا في الرسالة مصدرا للتشريع والتقنيين وقصروا همهم على استباط الأحكام من الأحاديث بشكل موسع.

ويفترض فضل الرحمن أن هناك مشكلتان تحيطان بالسنة، أولهما “تكاثر الأحاديث النبوية” وبحسب فضل الرحمن فإن هنالك فرقا بين “الحديث” وبين ” السنة الحية”؛ فالمسلمين الأوائل كانوا يلجأون في الإجابة على الأسئلة والمعضلات المطروحة إما البحث عن نص قرآني، أو “سابقة نبوية” بمعنى ممارسة وليس نصا، فإن لم يجدوا لجأوا إلى الاجتهاد الذي ينبغي أن يصل إلى الاجتهاد، ولكن منذ عصر الشافعي بدا أن هنالك توجها للبحث عن الأحاديث لحسم الجدل والنقاشات الدائرة، وافتتح عصر تدوين الأحاديث، والذي كرس لفكرة أن أي حديث صحيح السند، حتى ولو كان معزولا عن السياق العام ، يمكن أن يقبل ولا يسمح بأي محاججة عقلية، وهكذا أسفر تكاثر الأحاديث إلى قطيعة في النمو المنتظم للفكر التشريعي بشكل عام والفكر الديني بوجه خاص[5].

أما المشكلة الثانية فهي “العلاقة مع الاجتهاد” حيث يذهب فضل الرحمن أن التسلسل المنطقي للفكر الإسلامي كان يجب أن يكون: القرآن ثم الاجتهاد ثم السنة، لكن العلماء قلبوا ذلك الترتيب فأتوا بالسنة قبيل الاجتهاد، وهذا الإقلاب تم على خلفية الظروف السياسية فتوسع الدولة الإسلامية وتمددها في الأمصار جعل ولاة الأمر متعجلين في الحصول على آراء محددة بشأن القضايا المطروحة، وكان انتظار الاجتهاد وتعميم نتائجه عبر الاجتهاد أمرا متعذرا بل ومستحيلا، ومن ثم فكانت هنالك ضرورة لوجود آراء نصية قطعية يمكن تطبيقها في الأمصار، وهكذا ظهرت الحاجة الملحة لوجود ثروة من النصوص النبوية قابلة للتطبيق على الوقائع في الحال[6].

جماع القول، أن مشروع فضل الرحمن المعرفي انشغل بتطوير منهجيات التعامل مع القرآن والسنة وسائر العلوم الإسلامية وإعادة بناء وفق أسس جديدة، وتلك الأسس يمكن مخالفته في بعضها، لكن يظل مشروعه بحاجة إلى دراسة معمقة تبين الأدوات والمناهج والإمكانيات التي ينطوي عليها والتي يمكن تبنيها لتطوير العلوم الإسلامية من جانب، والعمل على التمييز أو بالأحرى الفصل بينه وبين مشروعات، وبحاجة من جانب آخر إلى الفصل بينه وبين مشروعات إعادة قراءة النص الديني الحداثية التي انتشرت في العالم العربي، حيث أضر هذا الوصل بمشروع عبد الرحمن وصبغه بطابع أيديولوجي معين كما أضر بالفكر الإسلامي الذي لم يتمكن حتى الآن من الإفادة من أطروحته التحديثية.


[1]  فضل الرحمن، الإسلام وضرورة التحديث، ترجمة إبراهيم العريس، بيروت: دار الساقي 1993، ص211.
[2] الإسلام وضرورة التغيير، ص 18.
[3]  نفسه، ص 18.
[4] Fazlur Rahman, Concepts: Sunnah, Ijtihad and Ijma in the early Period, Islamic studies, vol.1 no. 2, 1962, P.7. 
[5] الإسلام وضرورة التحديث، ص43.
[6] لمزيد من التوسع في رؤية فضل الرحمن للسنة النبوية: تعريفاتها، معناها، تطورها التاريخي، وإشكالاتها، وعلاقتها بالاجتهاد والحديث، يمكن الرجوع إلى بحثين قام بنشرهما ضمن دورية دراسات إسلامية وهما على التوالي:
Fazlur Rahman, Concepts: Sunnah, Ijtihad and Ijma in the early Period, Islamic studies, vol.1 no. 1, March 1962, pp. 5-21.
Fazlur Rahman, Sunnah and Hadith, Islamic studies, vol.1 no.2, June 1962, pp.1-36.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة