تستعيد إشكالية إنتاج المعرفة في الفكر الإسلامي سؤال العلاقة بين المرجعية القرآنية وتشكيل المفاهيم والمناهج، والكيفية التي يتحول بها الاهتداء بالنص إلى أدوات معرفية تسهم في تفسير الواقع وبناء العلوم. وتتصل هذه الإشكالية بمراجعات فكرية تتناول مناهج إنتاج المعرفة ومرجعياتها، وتبحث في إمكان استئناف الدور التأسيسي للعقل الإسلامي، انطلاقا من تجارب تراثية أسهمت في صياغة علوم وأدوات معرفية امتد أثرها إلى الفكر الإنساني.

وضمن هذا السياق تطرح الباحثة المغربية الدكتورة شيماء فوخري، المتخصصة في التفسير وعلوم القرآن والحاصلة على الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني بالمغرب، مشروع “الأقومة” أو “فقه الوجهة”، استنادا إلى الخصيصة القرآنية التي تستمدها من قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (الإسراء : 9).

وتتدرج ملامح هذا التصور ضمن اشتغال بحثي على المفاهيم القرآنية وقضايا الإبستمولوجيا الإسلامية والتجديد المنهجي، وسبق أن تناولت فوخري في أطروحتها للدكتوراه “معهود العرب عند الإمام الشاطبي، من مقصد الإفهام إلى تأسيس الأصول لفهم القرآن”.

التقى موقع ” إسلام أون لاين ” بالباحثة المغربية الدكتورة شيماء فوخري وأجرى معها هذا الحوار بعد انتهاء مشاركتها في النسخة الثانية من مؤتمر “القرآن والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة” الذي نظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر ممثلة في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، بالتعاون مع كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ومركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، خلال الفترة من 5 إلى 6 أكتوبر 2026م، حيث قدمت ورقة “الأقومية والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء”.

تتناول الباحثة في هذا اللقاء تشكل مشروع “الأقومة” وموقعه ضمن مباحث الإبستمولوجيا الإسلامية، وتناقش حاكمية القرآن ووظيفة العقل، وشروط استئناف آليات إنتاج المعرفة التي تستقرئها في التراث الإسلامي، كما تتوقف عند آفاق بناء معيار “الأقومية” وما يقتضيه من استقراء وتأصيل واستدلال، وصولا إلى السؤال الذي تقترحه عنوانا لمرحلة معرفية جديدة: “كيف نجعل المعرفة أقوم؟.

وقيمت تجربة “أسلمة المعرفة”، التي ترى أنها أدت دورا في استعادة الشخصية الإسلامية خلال مرحلة من التحولات الحضارية والمعرفية، وتقترح ضرورة الانتقال إلى مرحلة تأسيسية تستعيد قدرة العقل الإسلامي على إنتاج المعرفة من داخل مرجعيته، وتؤسس لحوار معرفي مع المنظومات الأخرى عبر الأدلة العقلية والمعايير القابلة للفحص والمناقشة.

المفاهيم القرآنية وسؤال إنتاج المعرفة

– دكتورة شيماء فوخري طرحت مفهوما جديدا وهو “الأقومة” في سياق البحث المعرفي عن ماهية الاهتداء بالقرآن وذلك في بحثك ” الأقومية والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء” الذي شاركت به في النسخة الثانية من مؤتمر: القرآن والمعرفة الإنسانية بجامعة قطر . حدثينا عن هذا المفهوم؟

بسم الله الرحمن الرحيم. كيف بدأ هذا المفهوم؟ ولماذا احتجنا إليه أصلا؟ أعتقد أن الحاجة إلى هذا المفهوم لا تتضح إلا إذا سردنا كيف نشأ.

في أواخر سنة 2018 وبداية 2019، بدأ انشغالي بالمفاهيم القرآنية فشاركت -وفي سياق هذا الانشغال- مع مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر في ندوة حول منهجية البحث في المفاهيم والمصطلحات، وكنت قد اشتغلت حينها على مفهوم التعارف في القرآن.

وقد رأيت آنذاك أن هذا المفهوم يحتاج إلى تأمل؛ لأن له طاقة دلالية كثيفة تمكنه من أن يصبح مفهوما في العلاقات الدولية. بل يمكن أن يصبح بديلا لمفهومي التعايش والتسامح إذا ما بنيناه من خلال لغة القرآن واستخرجنا الطاقة الدلالية التي يتضمنها. وهكذا وبعد الانتهاء من هذا البحث، ظل في ذهني سؤال هو: لماذا تغيب المفاهيم القرآنية عن تأطير واقعنا رغم كثافتها؟

إذ لم أكن أرى حضورا لمفهوم التعارف في الفضاء الإسلامي يوازي حضور مفهومي التعايش والتسامح. مع أن التسامح يفترض أن هناك صراعا مع الآخر وأنت تتسامح معه، وكذلك التعايش. في حين يفترض التعارف أن العلاقة طبيعية مع الآخر وأنك مختلف معه دون صراع.

وهكذا بقي سؤال غياب المفهوم القرآني عن تأطير واقعنا يشغل بالي. وفي سنة 2023 انعقد مؤتمر “تجسير” الأول بمركز ابن خلدون، وقد كان الهدف من المؤتمر آنذاك فهم العلاقات البينية بين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة. فاشتغلت حينها على التفسير العلمي والذي كنت أرى أنه لا يعكس أبدا هويتنا الإسلامية، بل يعكس خوفنا  ودفاعنا ومحاولتنا للنهضة وللتمسك بأي بصيص أمل، ولذلك رأيت أن أحقق أو أدقق في هذه العلاقة.

والذي توصلت إليه في البحث الذي قدم للمؤتمر ونشر بمجلة تجسير أن الحديث عن التفسير العلمي أو الإعجاز العلمي في القرآن، وإن كان الغرض منه الدفاع عن مرجعية القرآن فقد انتهى إلى عكس ذلك. لماذا؟ لأنه لم يتمركز حول مرجعية القرآن، بل حول المركز الذي تبناه الغرب وهو العلم، فالغرب آنذاك جعل العلم مركزا. والذي حدث بالمقابل في الفضاء الإسلامي هو أن رواد التفسير العلمي أرادوا أن يجعلوا القرآن منسجما مع هذا المركز الجديد، إلى درجة أن الشيخ محمد عبده رحمه الله فسر هلاك أصحاب الفيل بالحجارة من سجيل بأنها حجارة تتضمن ميكروبات. فكان في ذلك إخضاع للقرآن لهذا المركز الجديد مع أن العلم ليس بالضرورة هو المركز.

وعندما انتقدت هذه العلاقة التجسيرية بين القرآن والعلم، وبينت كونها علاقة غير صحيحة اقترحت وجوب إصلاحها.

وكان السؤال هو كيف نعيد إصلاح هذه العلاقة التجسيرية؟ هنا تجلى قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الذي كان يؤكد أن الحركة التجسيرية ينبغي أن تبدأ من القرآن إلى العلوم وليس من العلوم إلى القرآن. والتفسير العلمي والإعجاز العلمي كانا يقومان بعكس ذلك.

فرأيت أنه لا بد من مشروع جديد سميته “الأقومة” على وزن “أفعلة”، ك”أجرأة”، منطلق من خاصية قرآنية هي “الأقومية”، والتي تعني  أن القرآن يتضمن في كل مجال من مجالات الحياة فكرة أقوم.  ونحن نريد أن نهتدي بهذه الفكرة الأقوم لإنتاج المعرفة واستنباط الأحكام، وقد سميته  في البحث المنشور وكما ذكرت “الأقومة” أو “فقه الوجهة” وقلت إنه مشروع فكري  ينبغي أن نعمل عليه الآن قصد توجيه العلوم.

نحن في مرحلة نحتاج فيها إلى استعادة القدرة على الإنتاج الحضاري، حتى تعود المعرفة الإسلامية رافدا من روافد المعرفة الإنسانية.

وليس القصد بتوجيه العلوم توجيه نتائجها وحقائقها لتكون إسلامية، بل القصد توجيه غاياتها، وتوجيه المجتمع القائم عليها. لأن العلوم بدون غايات تدمر الإنسان ولا تقيم العمران، لأن العلم الذي غايته السيطرة على الإنسان مثلا سينتهي  بالضرورة إلى إفساد العمران. ولذلك كان مشروع الأقومة -ولكونه مشروع فقه وجهة- مشروعا ضروريا.

لكن بعد أن خرجت من هذا المؤتمر وذهبت إلى البيت بقيت الفكرة عالقة في ذهني وكنت أتساءل كيف نبني مشروع الأقومة؟ وكيف ننزله على الواقع؟ من أين ننطلق ومن أين نبدأ؟

آنذاك كنت أشتغل على الأطروحة المتعلقة بي، مع الاشتغال أحيانا على ابن خلدون، وغيره من المشاريع التراثية الكبرى. والذي لفت انتباهي هو أنني رأيت حركة عجيبة في المعرفة الإسلامية. حركة اهتداء بالآيات القرآنية رائعة في الفكر الإسلامي ظهرت من خلال مجموعة من النماذج.

والنموذج الذي كنت أعيش معه كل ليلة هو الإمام الشاطبي الأصولي صاحب الموافقات، فكنت أرى كيف يهتدي هذا الرجل بالآيات ويقدم إنتاجا معرفيا عظيما، يمكن أن يستثمر إلى الآن.

ثم انتبهت إلى أن الإمام الشافعي قدم نموذجا مشابها في الاهتداء، وكذلك العلامة ابن خلدون، فقلت: إذن، هذه الحركة المعرفية في التعامل مع القرآن قد ظهرت في تراثنا منذ زمن بعيد، ومعنى ذلك أننا إذا أردنا أن نرى كيف ننزل آية الأقومية إجرائيا فليس بالضرورة أن نذهب عند المفسرين. علينا أن ننظر في أعمال هؤلاء الأصوليين بحكم  ما بلغته معرفتهم وأدواتهم من نضج يفوق -في تقديري- نضج أدوات المفسرين، وأن ننظر كذلك في علم العمران بحكم أنه كان علما ناضجا على نحو كبير.

آليات الاهتداء المعرفي

وقفت أتأمل كيف تعامل الإمام الشافعي مع قوله تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل: 89)، الذي حدث في زمن الإمام الشافعي أن كانت له مناظرة مع أحد المنكرين للسنة وللقياس وللاجتهاد عموما وهي موجودة في كتاب الأم، وكان دليل هذا المنكر قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} و { (ما فرطنا في الكتاب من  شيء} (الأنعام:38) ، حيث رأى أن معنى الكلية هنا أننا ينبغي أن نكتفي بالقرآن عما سواه لأنه تبيان لكل شيء، وهذا ما يقوله الآن من يسمون أنفسهم بالقرآنيين، نفس البنية العقلية، لكن المشكلة أن هذا الطرح كان يتناقض مع الواقع ويعود على مضمون الآية بالإبطال.

لماذا؟ لأن الوقائع غير متناهية والنصوص متناهية، فإذا قلنا ب معنى أن القرآن تبيان لكل شيء، أنه لا ينبغي أن نضيف له أي اجتهاد آخر فهذا يعني أن القرآن سيتوقف عند ظاهر النصوص المتناهية ثم لن يستطيع أن يواكب المستجدات، فلم يعد بذلك تبيانا لكل شيء، أي أن هذا الفهم سيفضي إلى تناقض في دلالة التبيين، فانتبهت إلى أن الإمام الشافعي قام بعملية معرفية أخرى، حيث طرح سؤالا كان بالنسبة لي أهم سؤال طرح في الفكر الإسلامي وهو “كيف البيان”؟

سؤال” كيف البيان” الذي ابتدأ به كتاب “الرسالة” كان يعيد ترتيب المعرفة الإسلامية والعلاقة بين الأدوات، فهو ينطلق من دعوى معرفية هي: أن القرآن تبيان لكل شيء، ولكنه يضع بالاعتبار حقيقة أن الوقائع غير متناهية والنصوص متناهية. فكيف يكون بذلك القرآن تبيانا لكل شيء؟

ليبدأ هنا الإمام الشافعي بهندسة ماهية البيان، ويبين أن البيان يكون بالسنة، ويكون بالقياس، ويكون بالإجماع وغير ذلك من الوسائط الأصولية. لتتشكل بذلك الوسائط المعرفية التي ستجلي معنى البيان بالقرآن وأعظمها -على مستوى الإنتاج المعرفي وليس على مستوى النتيجة- هو القياس؛ لأنه أصبح أداة مستقلة تستعمل في مجالات أخرى.

وهنا نلاحظ أن عملية الاهتداء المعرفي أنتجت لنا آلة هي القياس، نستطيع أن نستعملها في كل المجالات المعرفية، ونستطيع تقديمها للأمم والشعوب الأخرى لكي تستفيد منها، بل ونستطيع إجراء مقارنة بينها وبين أدوات أخرى، كالمقارنة بين القياس الأصولي والقياس المنطقي وما إلى غير ذلك. ويجب أن ننتبه هنا أننا أصبحنا منتجين للمعرفة انطلاقا من آية.

لكن كيف حدث ذلك؟ لقد كانت هناك سيرورة معرفية حقيقية جرت في ذهن الإمام الشافعي، بدأت بالتلقي المرجعي، أي التسليم بالآية، ثم بالتساؤل: كيف يظهر صدق هذه الآية في الواقع؟ أي ما الوسائط المعرفية التي تظهر هذا الصـدق في الواقع؟ وهنا ظهر عنده القياس والسنة وما إلى غير ذلك، وبات واضحا معنى البيان، فأجابنا بذلك عن سؤال “كيف البيان؟” إجابة واضحة شافية.

هذا الأمر بالنسبة لي تردد أيضا مع العلامة ابن خلدون؛ فإذا عدنا إلى “مقدمة” ابن خلدون نجد أنه استشهد بقوله تعالى: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ في كثير من المواضع، إذ كلما واجه سنة أو قانونا في الكون يستشهد بهذه الآية، وحين نتتبع العملية المعرفية التي قام بها ابن خلدون نجد أنها تشبه بل تكاد تطابق العملية التي قام بها الإمام الشافعي، فالرجل تلقى هذه الآية تلقيا مرجعيا، ويبدو أنه تساءل: الله عز وجل يقول بأن في التاريخ سننا، فلماذا لا تعكس كتب التاريخ هذه السنن؟

ليكون الجواب: المشكلة في كتب التاريخ وليست في الآية. فعاد ابن خلدون إلى كتب التاريخ، واستقرأ عددا من الكتب المؤلفة قبله، فوجد بأنها تجمع الغث والسمين وأن المؤرخين لم يتحروا الأخبار ولا انتقدوا مسالك جمعها، بل جمعوا كل شيء، على نحو أخفى سننية التاريخ التي لم تعد ظاهرة. لينتهي إلى نتيجة هي أن علينا أن نعيد نقد التاريخ بناء على طبائع العمران، ومعنى ذلك أن نرى هل هذا الخبر ممكن في طبائع العمران أم مستحيل. فإذا كان غير ممكن في طبائع العمران لم تقبل الرواية التاريخية.

واتباع هذا المنهج النقدي يعني أن كتب التاريخ ستغدو مدونات تعكس سننية التاريخ التي أخبرت بها الآية. وهنا يمكن أن نلاحظ أن ابن خلدون انتهى إلى إنتاج معرفة قائمة بذاتها، حيث أنتج أداة لنقد التاريخ وتقويمه هي طبائع العمران. لكن انطلاقا من ماذا؟

انطلاقا من الإيمان بحقيقة قرآنية هي أن للتاريخ سننا لا تبديل لها، استنادا إلى قوله تعالى: { سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (الفتح: 23). وهذا يعني أن القرآن هدى المعرفة الإسلامية وأن آية السننية هدت العقل الخلدوني إلى إنتاج أداة معرفية منطلقة من هويتنا الإسلامية لكنها قادرة على أن تصبح رافدا من روافد المعرفة الكونية.

إبستمولوجيا التصديق وشروط استئناف العقل المنتج

عند هذه المرحلة قلت إن هذه الآلة أو هذا النمط المخصوص من الاهتداء بالآيات هو الذي أحتاجه لكي أبني مشروع “الأقومة”، وقد سميته: إبستمولوجيا التصديق، أي الإبستمولوجيا التي تقوم على تأسيس الوسائط المعرفية لتحقيق مقتضيات الآية القرآنية في الواقع، في مقابل إبستمولوجيا التحقق التي تنطلق من التحقق من صحة النص أو صحة معناه فلا تنتهي -في غالب الأحيان- إلى إنتاج.

رأيت أنني أحتاج إلى العودة إلى هذا العقل التراثي الذي يمكن استئنافه، فهو عبارة عن خزان لهوية معرفية. كأن عندك آلة قوية جدا لا زالت تعمل لكنك تركنها جانبا وتذهب للبحث عن آلة جديدة، فلماذا لا نعيد تشغيل هذه الآلة، لنرى كيف تعمل وماذا تنتج؟

وقد لاحظت أن هذه الآلة لها سيرورة مميزة تبدأ من التلقي المرجعي للآية أي التسليم بصحة مضمونها، ويكون بعد هذا التلقي المرجعي  توتر معرفي بين ما يقوله القرآن وما يثبته الواقع وقد سميته “التوتر الإبستمولوجي”. وهو توتر يدفع نحو النظر في الواقع وأدوات الفهم لا في النص لكونه محكوما بالتلقي المرجعي، ليبدأ بعد ذلك البحث عن شروط الإمكان، أي التأسيس لما يجعل مقتضيات الآية قائمة في الواقع.

سؤال “كيف نجعل المعرفة أقوم؟” سؤال تأسيسي يمكن أن تجيب عنه كل منظومة معرفية بطريقتها، ثم ندخل في حوار مع الرؤى المختلفة.

إن العملية المعرفية التي قام بها الإمام الشافعي والعلامة ابن خلدون كانت تسير وفق هذه السيرورة: تلق مرجعي بعده توتر إبستمولوجي، ينتهي إلى البحث عن شروط تصديق الدعوى القرآنية وتأسيسها في الواقع.

وهكذا اكتشف ابن خلدون أن الشرط الذي يحقق مقتضيات دعوى “سننية التاريخ” التي تتضمنها الآية هو إعادة نقد التاريخ بناء على طبائع العمران، وانتهى الإمام الشافعي إلى أن تحقيق مقتضيات دعوى “كون القرآن تبيانا لكل شيء” رهين بالتأسيس للقياس وبتصحيح العلاقة بين كل هذه الوسائط الأصولية التي بها يتحقق البيان الكلي.

لنخرج من عملية الاهتداء المعرفي بالقرآن بمعرفة إنسانية قابلة لأن تصدر للعالم دون أن تتخلى عن هويتها الإسلامية، ذلك أنك إذا فحصت علم العمران تعرف فورا أنه علم إسلامي خرج من جبة الإسلام؛ وكذلك علم الأصول. وهذا هو النموذج الذي سميته الاهتداء المعرفي البنيوي، ولكنه مفقود اليوم لأسباب.

– متى وقع انقطاع الاهتداء المعرفي بالقرآن؟ متى فقد هذا الاتصال بالخطاب القرآني واستمداد المعرفة منه، والانطلاق من القرآن إلى المعرفة؟

في الحقيقة نحن لم نفقد الاتصال بالقرآن نحن فقدنا الاتصال بكيفية صياغة المعرفة الإسلامية، أي كيف يصوغ العقل معرفته؛ وذلك نتيجة للاستعمار، فحين بدأ تراجع المسلمين ودخلت قوى الاستعمار إلى العالم الإسلامي نشأت هناك عملية تغريبية مع الحركة الاستشراقية، أدت إلى اختلاط المناهج عندنا فأصبحنا ننتج المعرفة بطريقة مرتبكة، ولم تعد الآلة العقلية الإسلامية خالصة، بل أصبحت تتداخل فيها جملة من الروافد، ففقدنا طريقتنا في إنتاج المعرفة. والسبب أن طريقة إنتاج المعرفة هي عادة مضمرة  لا يصرح بها، فأنت لا تراها إلا عندما تفحص المعرفة. ولذلك عندما فقدت لم نعرف كيف نسترجعها فأصبحنا ننتج المعرفة بالطرق المتاحة أمامنا، كأن نركن مثلا إلى التأويل، فمثلا إذا صادفنا آية يشكل علينا معناها ويتعارض مع ما في الواقع، نلجأ إلى التأويل، وهذا منهج ابن رشد الفيلسوف لأن الحكمة عنده لا تتعارض والشريعة، لكن هل ينتهي هذا المنهج إلى إنتاج معرفي يضاهي ما انتهى إليه ابن خلدون أو الشافعي؟

في الحقيقة لا، فهذا المنهج قد ينتهي إلى مواءمة النص مع الفلسفة أو العلم، لكن الإنتاج المعرفي لا يكون حاضرا بعدها، ولذلك رأيت أن مشروع الأقومة لابد أن يكون مسبوقا بمشروع آخر وهو إبستيمولوجيا المعرفة الإسلامية التي لا ندرسها بما يكفي في جامعاتنا وأبحاثنا. أي كيف ننتج المعرفة، أو كيف ينتج العقل الإسلامي معرفته بأدواته الخاصة؟ وهذه الأدوات الخاصة هي التي تجعل مشروع الأقومة ممكنا.

لماذا؟ لأنه مشروع معرفي يحتاج إلى أن يترجم إلى نتائج معرفية، وليس فقط إلى تدبر أو تأويل، بل إلى نتائج تشبه تلك التي انتهى إليها ابن خلدون أو التي أنتجها الشافعي، أو الشاطبي أو الغزالي أو غيرهم.

وهكذا أصبح المشروع مركبا في ذهني من مشروعين: أولهما الاهتداء المعرفي، أي كيف نهتدي بالقرآن اهتداء معرفيا؟  ثم كيف نستأنف هذا الاهتداء المعرفي عبر تحويل آية الأقومة إلى آية مركزية تنتج معرفة قابلة للدخول ضمن المعرفة الكونية، كما تحولت آية البيان عند الشـافعي إلى أساس لعلم الأصول، وكما تحولت آية السننية إلى أساس لعلم العمران.

فكيف تتحول آية الأقومية إلى أساس لنظرية جديدة، نظرية إسلامية في الأقومة، وما هي هذه النظرية؟ يمكن أن نقول إن النظرية تتأسس على فكرة أن يكون هناك معيار في قبول المعرفة أو ردها أو الترجيح بينها، وألا يكون هذا المعيار هو العقلانية الأداتية بل الأقومية؛ لأن العقلانية لا تعطيك نتيجة منضبطة، فما تراه أنت عقلانيا قد يراه غيرك غير عقلاني، أما الأقومية فهي تقوم على محددات منضبطة.

معيار الأقومية

– كيف يمكن التوصل إلى الأقوم؟ ما هي المحددات المعرفية لمعرفة الأقوم؟

هنا أتذكر ما قام به الإمام الشاطبي من عمل معرفي، ليس الإمام الشاطبي فقط، بل العمل المقاصدي الذي بدأ قبله، ذلك أن العقل المقاصدي حين أراد أن يبني المقاصد عاد إلى القرآن، فاستخرج بالاستقراء المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية. لكن لاحظ هنا قوة هذا العقل، فبعد أن استقرأ هذه المقاصد استدل عليها بالعقل أيضا، حيث لم يكتف باستخراجها من القرآن، بل أقام الحجة على أنها مراعاة في كل ملة، كحفظ النفس وحفظ الدين وحفظ النسل وحفظ المال.

وهذه هي العملية التي ينبغي أن نسير على منوالها لكي نبني معيارا للأقومية، فما الذي يجعل معرفة أقوم من أخرى؟ بأن نعود إلى القرآن لكي نقوم بعملية استقرائية، بطرح سؤال متى رأى القرآن أن هذا الشيء أقوم من هذا الشيء، أو هذه المعرفة أقوم من تلك؟ أو هذا الحكم أقوم من ذاك؟

– استقراء لمفردات الموضوع في القرآن؟

ليس لمفردات الموضوع، لكن للمواضع التي فاضل فيها القرآن بين شيء وآخر، حين رأى أن هذا الشيء أحسن من ذاك، أو هذا الشيء أقوم من ذاك، فما معيار المفاضلة؟ وحين نستقرئ هذه العناصر لا ينبغي أن نكتفي بالاستقراء، بل  ينبغي أن نستدل على هذه العناصر عقلا، فاستمدادها من القرآن مطلوب لكن تحويلها إلى معرفة كونية يقتضي الاستدلال عليها عقلا؛ لأن المعرفة ولكي تصبح جزءا من التراث الكوني، يجب أن يقوم عليها الدليل العقلي.

– لكن هذه المعرفة انبثقت من نص ديني؟!

نعم هي معرفة انبثقت من نص ديني  كالقياس والمقاصد وطبائع العمران، لكن مصدر الإلهام شيء، والطريقة التي نقيم بها الحجة على المعرفة المنتجة شيء آخر. فحين نستدل عليها بالعقل والمشاهدة والنظر، تصبح معرفة قابلة لمحاورة المنظومات المخالفة بأدلتها، وليس بمصدريتها التي قد لا يسلم بها الطرف الآخر أصلا. وقد كان ابن خلدون، في قراءتي، مهتديا بمرجعية قرآنية، لكنه حين أسس طبائع العمران أقام عليها أدلة من النظر في أحوال الاجتماع والتاريخ. وهكذا أمكن لعلمه أن يدخل مجال المعرفة الإنسانية بوصفه معرفة قابلة للفحص والمناقشة.

– لكن هذا النظر موجه بالدين؟

هذا هو الأصل الذي أنطلق منه: أننا نهتدي بالدين لكي ننتج المعرفة، لكن حين ننتهي إلى إنتاج المعرفة نقيم عليها الدليل بالعقل، وهنا يظهر أن الدين لا يلغي العقل، بل يوجهه ويحدد نطاق اشتغاله. فهذه العملية التجسيرية التي سميناها الاهتداء المعرفي بالقرآن تعيد للعقل مكانته وتضع الدين أو القرآن أو النص في موضعه الصحيح.

– دكتورة شيماء هنا يرد سؤال عن المشروع الذي هو قبل “الأقومة”، التأسيس لنظرية معرفة إسلامية، ما هو المقتضي لمفهوم الأقومة، أليست هناك محاولات لصياغة نظرية معرفة إسلامية مستندة إلى القرآن، فما الداعي إلى التأسيس أو الاشتغال بهذه النظرية، وبالتالي أيضا الشق الثاني من المشروع الذي هو “الأقومة “، ما موقعه ضمن المحاولات المعرفية مجال الإبستمولوجيا الإسلامية ؟

الإبستمولوجيا الإسلامية عنوان واسع، والاهتداء المعرفي الذي أتحدث عنه هو فرع منه فنحن نستطيع أن ندرس كيف وجه القرآن إنتاج المعرفة، كما يمكننا أن ندرس كيف وجه الحديث النبوي ذلك، أو كيف تشكلت الأدوات المعرفية داخل العلوم الإسلامية المختلفة. ولكل مجال أسئلته وخطواته.

أما حاجتنا إلى الاهتداء المعرفي فهي مرتبطة بمشروع الأقومة. فما دمت أنطلق من قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فأنا أحتاج أن أعرف كيف أنتج العقل الإسلامي حين كان في أوج عطائه معرفة من القرآن باتت جزءا من الفكر الإنساني؟ لأن فهمنا للكيف يعني إمكانية استئناف هذه السيرورة لبناء مشروع الأقومة، وهذا هو المقتضى الموضوعي.

لماذا تغيب المفاهيم القرآنية عن تأطير واقعنا رغم كثافتها؟

أما المقتضى الذاتي فهو موقفي من الآلة العقلية نفسها، فأنا اليوم لا أستطيع أن أثق بآلتي الذهنية؛ ولا أن أتعامل معها -كما لو كانت تعكس الآلة الإسلامية في إنتاجها- لأنني أعرف أنني أعيش في زمن مضطرب، وأنه بشكل أو بآخر تتسرب للذهن مناهج أخرى، يمكن أن تنعكس على الإنتاج المعرفي، ولذلك أرى أن على الباحث أن يفكر في تفكيره، لا فقط في موضوعه. ففي خضم البحث قد لا يدرك الباحث أنه يعمل بآلة أجنبية، أو آلة غريبة قد تؤدي به إلى إنتاج معرفة مرتبكة.

– ألا يمكن التأكد من معيرة العقل بالمفهوم القرآني، وبالتصور القرآني؟

العملية هنا دورية أشبه بحلقة، أنت أصلا تريد أن تستعمل العقل لفهم القرآن، ثم تريد العودة بما فهمته لتقوم به عمل العقل. لكن السؤال الذي يشغلني هو: كيف نضبط عملية التلقي الأولى نفسها؟ وكيف نهيئ العقل حتى يكون تلقيه الأول منتجا للمعرفة؟

حين أتأمل السيرورة التي سار عبرها الإمام الشافعي، أرى أنها لم تنشأ بمعزل عن العمليات الذهنية التي حدثت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم والتي هيأت المجال لكي يكون الإنتاج المعرفي على هذا النحو.

أما في عصرنا فنحن ورثنا تاريخا من الأدوات الدفاعية، ومن التمركز حول المعرفة الغربية، ولذلك أرى أنه من الضروري إذا أردت أن أؤسس لمشروع قرآني أن أبدأ بالتساؤل أولا عن الآلة الإسلامية، كيف أنتجت مشاريعها، وأن أبدأ بتشغيل هذه الآلة من جديد، فأكون أنا الاستئناف لهذه الآلة، ويكون الباحثون معي هم الاستئناف لهذه الآلة؛ ومن دون استعادة هذه الآلة أرى أن المشروع قد يرتبك في مرحلة من مراحله؛ لأن تداخل المناهج مع تضاربها لابد أن يظهر في مرحلة من المراحل الإنتاجية ويربك الإنتاج.

– مفهوم أو مشروع “الأقومة” الذي تشتغلين عليه، ما هي آفاقه؟ ما هي حدوده؟ وما البنية التأسيسية لهذا المشروع، ماذا يحتاج من اشتغال معرفي حتى تتكون القاعدة الأساسية لهذا المشروع؟

أرى أن أول ما ينبغي البحث فيه هو شروط إمكان هذا المشروع، وفي مقدمتها استعادة الكيفية التي اهتدى بها علماء من تراثنا بالقرآن فأنتجوا معرفة. ثم علينا أن ننتقل من اللحظة الدفاعية إلى اللحظة التأسيسية؛ وحين أقول اللحظة الدفاعية أحتاج إلى التوقف عند مشروع أسلمة المعرفة.

كيف أعرف هذا المشروع أو كيف أنظر له الآن في اللحظة التي أريد عندها الانتقال إلى مشروع “الأقومة”؟ في تقديري كانت الأسلمة شرط إمكان لمشروع الأقومة. لماذا؟

لأن دور الأسلمة تمثل في استعادة الشخصية الإسلامية بعد أن وقع عليها التغريب، فحين وقعت لنا صدمة حضارية، أصبحنا منبهرين انبهارا كليا بالغرب ولا نستطيع أن ننتج معرفة يمكنها أن تواجه أو تجابه نظرياتهم أو حتى أن تدخل في حوار معها، وبالتالي استقدمنا نظريات لا تتواءم أحيانا لا مع خصوصياتنا الثقافية، ولا مع خصوصياتنا الدينية. فجاء مشروع “الأسلمة”  في هذه اللحظة لكي يعالج هذه الصدمة. ولذلك كانت الأسلمة مشروعا ظرفيا، دافع عن الشخصية الإسلامية في وقت كدنا نفقدها فيه. لكنه الآن حقق مبتغاه واستنفد أغراضه. لماذا؟

لأنك الآن إذا أنصتت إلى الباحثين، ستجد أن معظمهم مقتنعون بأن المعرفة متصلة بسياقها، وأن لكل أمة طريقة إنتاج معرفي وآلة إنتاج، وبالتالي هم مقتنعون أن الحضارة الإسلامية لها طريقتها في الإنتاج. إذن فقد نجح هذا المشروع في غرضه الذي هو استرجاع الشخصية الإسلامية، لكن آن الأوان أن ننتقده؛ لأن نجاحه لا يحميه من النقد.

الحركة التجسيرية ينبغي أن تبدأ من القرآن إلى العلوم.

وأريد أن أوضح أن انتقادي هنا مرتبط بهذه اللحظة المعرفية تحديدا؛ فأنا لا أنتقد مشروع “الأسلمة” كله، ولا أنكر ما أنجزه، وإنما أنتقد علاقته بهذه اللحظة. أقول إننا لم نعد بحاجة إلى الاقتصار على المشروع الدفاعي؛ فقد دافعنا واستعدنا الشخصية الإسلامية، وأصبحنا في حاجة إلى مرحلة تأسيسية نستعيد فيها العقل الإسلامي القادر على إنتاج المعرفة.

لكن كيف نستعيد هذا العقل؟ عندي مستودعات معرفية هي كتب التراث، تكشف لنا كيف فكر العقل الإسلامي، وكيف تعامل مع الآية وأنتج منها المعرفة. ولذلك أحتاج إلى استثمار التاريخ المعرفي، والعودة إلى هذه العقول لاستلهام طريقة اشتغالها. فإذا استعدنا هذه السيرورة، التي سميتها “الاهتداء المعرفي”، نكون قد هيأنا أحد الشروط الأساسية لبناء مشروع الأقومة.

وإلى الآن لم يكتمل هذا الاشتغال؛ فقد كتبت بحثا واحدا في هذا الباب، مع أن المطلوب دراسة نماذج متعددة، ليس نموذجا أو نموذجين فحسب: ندرس الغزالي، والإمام الشاطبي، وغيرهما، ونقارنها بابن رشد، وندخل في حوار مع بعض المؤلفات التي أعلت من شأن العقل البرهاني في مقابل العقل البياني.

كل هذه العملية ضرورية؛ لأننا استعدنا الشخصية الإسلامية، لكننا لم نستعد العقل الإسلامي. أعني أننا استعدنا الشخصية التي تؤمن بأن الإسلام والقرآن منطلقان للمعرفة، لكن هل استعدنا العقل الخلدوني بقدرته على الإنتاج المعرفي؟ وهل نملك اليوم قدرة العقل الشافعي أو الشاطبي على إنتاج المعرفة؟

لا نملك أي عقل من هذه العقول، ولذلك ينبغي أن نعود لكي نستلهم أدواتهم، ولكي نفهم كيف اشتغلوا، ولكي نستعيدهم باعتبارهم البنى المعرفية الأقدر على الاهتداء بالقرآن. فهذا هو الأساس، وما لم ننطلق من هذا الأساس، لا حديث عن مشروع “الأقومة”؛ لأننا سنعيد إنتاج اللحظة الدفاعية، وسننتهي في النهاية إلى الحديث عن التدبر على أنه هو “الأقومة”، أو الحديث عن الأسلمة على أنها هي “الأقومة”، بما يعيد إنتاج نفس المنتج لكن تحت مسمى مختلف.

ونحن لا نريد ذلك في المعرفة على الأقل؛ لأن التدبر له مجاله، والأسلمة وإن كانت لها حسناتها فقد استنفدت أغراضها، وإذا أردنا للمشروع ألا ينتهي إلى الاختناق فلا بد من التأسيس لشروط الإمكان التي تسبق أي مشروع.

هذا من جهة التأسيس القبلي للمشروع، لكن مشروع “الأقومة” يحتاج كذلك إلى بناء معيار. فما معيار الأقومية؟ حين تقول لي إن هذه الفكرة “أقوم”، فهل يكفي أن نقول إنها أقوم لأن القرآن قال ذلك؟ وهل هذا هو الدليل الذي نقدمه -خاصة للمخالف-؟

نحن ننطلق من أن القرآن قالها إذن فهي “أقوم” (وهذا هو التلقي المرجعي)، لكن حين نخرج إلى المجال المعرفي ينبغي أن نقيم الدليل على أنها “أقوم” (وهذه هي مرحلة التأسيس للوسائط)، ومثال هذا ما قام به ابن خلدون حين أثبت أن للتاريخ سننا بأن أسس طبائع العمران وأعاد انتقاد التاريخ في ضوئها، وما قام به الإمام الشافعي  حين أثبت أن هناك بيانا كليا للقرآن ولكنه يتم عبر الوسائط الأصولية التي ينضجها العقل.

فبالتالي حين نتحدث عن “الأقومة” ونريد أن نؤسس لها ونؤصل لها في الواقع، لابد من بناء معيارها  لكن كيف نبني هذا المعيار؟ قلت سابقا لابد أن نعود إلى القرآن، ونقوم باستقراء لمواضع المفاضلة والترجيح، ثم نستخرج منها عناصر هذا المعيار، ثم نقيم عليها الدليل العقلي، على نحو ما فعل العقل المقاصدي. وعندئذ يصبح المعيار نفسه نظرية قابلة للمناقشة والمناظرة مع نظريات أخرى.

فمثلا حين أضع هذه “الأقومية” أمام العقلانية، ينبغي أن تكون لها المكنة المنهجية التي تمكنها من دحض كون العقلانية هي المعيار الأعلى، وأن تثبت أن معيار “الأقومية” أشمل وأرجح من معيار الكفاءة والإنتاجية مثلا لكونها معايير جزئية.

وهنا نكون قد أنتجنا معرفة عبر الاهتداء المعرفي بالقرآن، لأننا انتهينا إلى إنتاج معيار قابل للدخول في حوار معرفي مع الإنتاج المعرفي العالمي.

وقد وضعت بعض المؤشرات الأولية لهذا المعيار، وهي “الاستقامة” و”الإقامة” وهي مستمدة من كلمة “أقوم”. أي إن علينا أن نسأل: هل المعرفة مستقيمة في ذاتها وفي بنيتها؟ ثم هل هي قادرة على إقامة الإنسان والعمران؟ فهذه هي الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها المعرفة، ليعيش الإنسان حياة طيبة في هذه الدنيا.

ويمكننا الاستدلال عقلا على هذين المؤشرين، فالاستقامة الداخلية للمعطى المعرفي شرط في كل النظم المعرفية، والإقامة حاجة راهنة يستدعيها الواقع لأننا نرى الآن النتيجة التي انتهت إليها المعرفة حين لم تضع حفظ العمران وحفظ الإنسان غاية لها.  فالمعرفة وإن كانت مستقيمة في منطقها الداخلي يمكن أن تؤدي إلى هدم الإنسان، وهدم العمران- وهنا يدخل معيار الأقومية في حوار مع العقلانية: فهل يكفي أن تكون الفكرة عقلانية؟

كثير من الأفكار العقلانية قد أدت إلى  خراب العمران. وهل يكفي أن تكون الفكرة إنتاجية؟ كثير من الأفكار الإنتاجية أدت في النهاية إلى ظهور إشكالات كبرى كالطبقية مثلا. فهل يكفي مع هذا أن نعتمد العقلانية أو الإنتاجية وحدهما معيارا للمفاضلة؟

وهكذا تظهر المفاضلة بين المعايير الحاجة إلى معيار “الأقومية”، لا سيما أن العالم الإنساني كله الآن بلغ مرحلة بات يشعر عندها أن المعرفة فقدت وجهتها. ومن هنا تظهر جدوى مشروع “الأقومة” وغايته وقدرته على الدخول في حوار مع الآخر. وهو فضلا عن كل ذلك يعيد النظر في وظيفة العقل.

في المنظومة الإسلامية العقل عندنا ليس هو الحاكم بل الحاكمية للقرآن

لا تقتصر وظيفة العقل على إنتاج المعرفة فقط بل توجيهها أيضا، فبمعيار العقلانية يمكن أن ننظر إلى المعرفة من جهة صحتها وقابليتها للتطبيق، ولكن عندما نتحدث عن “الأقومة” فنحن نضيف وظيفة أخرى للعقل وهي توجيه المعرفة وتصحيح مسارها، بحيث حتى وإن صحت المعرفة في بنيتها لا يؤخذ بها إذا كانت نتائجها كارثية على الإنسان والعمران.

وخذ مثالا على ذلك القنبلة النووية، فقد قامت على فكرة صحيحة في بنيتها، لأنها انتهت إلى صناعة قنبلة، لكن النتيجة كانت كارثية على الإنسان. ومن هنا يمكن لمعيار “الأقومية” أن يدخل في حوارات فلسفية مع الآخر، وأن يكشف أن الهداية المعرفية التي يمنحها القرآن ليست حكرا على المسلمين، بل إنها تتوجه إلى العالمين.

ونحن بذلك نخرج من السؤال الذي طرحته الأسلمة والذي أراه سؤالا إيديولوجيا وهو: كيف نجعل المعرفة إسلامية؟ وهو السؤال الذي لا أزال أؤكد أنه كان مهما في مرحلته. إلى سؤال أرحب هو: كيف نجعل المعرفة أقوم؟

حاكمية القرآن ووظيفة العقل

– نعم ، هذا يثير سؤالا عن “الأسلمة”، ولكن في قضية حدود العقل، ذكرتم في أحد أبحاثكم مصطلح حاكمية القرآن وسؤال بناء المفهوم، فما هي حدود العقل؟ وما هو المرجع في تحديد المفهوم وفي تأطير القيم؟ وكيف نفهم حاكمية القرآن في هذه الجزئية؟

العقل في المنظومة الإسلامية عموما ليس ملغى، لكننا نملك العقل المهتدي، أو ما يسميه الدكتور طه عبد الرحمن “العقل المؤيد”.

لهذا نريد أن نشتغل على الاهتداء المعرفي وكيف يكون. لأن الفرق بيننا وبين منظومات أخرى أن العقل عندهم حاكم على المعرفة، فما انتهى إليه العقل يتبع. مع أن العقل لا ينتهي إلى نفس النتائج بالضرورة؛ لأن العقلانية تختلف من فترة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ومن مصلحة إلى أخرى. فحيث توجد المصلحة تصبح الفكرة عقلانية.

أما في المنظومة الإسلامية، فالعقل عندنا ليس هو الحاكم؛ بل الحاكمية للقرآن. لدينا آيات، وأحاديث، ونصوص، وإجماعات… يفترض أن نهتدي بها، ودور العقل هنا هو الاستدلال والاستنتاج انطلاقا من اتباع الهدايات القرآنية. العقل إذن يقوم بعمليات استدلالية واستنتاجية، لكنه لا يقوم بوظيفة إنتاج القيمة لأنه محكوم بالواقع وبالمصلحة، وكل من يحدد قيمة ما، يفعل ذلك انطلاقا من منظوره الخاص.

بالتالي العقل ليست له هذه القدرة على تحديد القيمة، لكن هناك منظومات حولت العقل إلى أداة لإنتاج القيمة، وهو فعل تبدو نتائجه الكارثية واضحة الآن. أما حين ننطلق من القرآن، فنحن ننطلق من نص هاد لا يحابي أحدا، ويضع في الاعتبار عناصر المجتمع والقضايا التي قد تستجد؛ خاصة وأن العقل الإنساني قاصر عن إدراك الغد، وعن الإحاطة بجميع الأبعاد والعواقب.

والعقل ينتج الأحكام في حدود ما يستطيع إدراكه. في حين، إن القرآن، ولكونه مطلقا وكليا، يمنحنا الوجهة التي نطمئن إلى صحتها؛ لأنها صادرة عن الله عز وجل، العليم المطلق.

لكن دائما أؤكد: أن هذه المرحلة هي مرحلة قبلية في معرفتنا، فنحن نؤمن بها، ونتلقاها مرجعيا باعتبارنا مسلمين، لكن حين نريد أن ننزل إلى مجال المعرفة ونحاور الآخر، فإننا نحاوره بالعقل.

عندما أدخل في حوار مع حضارات أخرى، لا يكفيني أن أقول إن العقل غير منتج للقيمة لأن القرآن حاكم، أو إن هذه الدعوى صحيحة لأن القرآن يهدي للتي هي أقوم. هذا منطلقنا نحن في الوسط الإسلامي، لكن حين نخاطب الآخر المخالف، لا بد أن نخاطبه بالمشترك الذي يفهمه. وهنا ننتقل إلى مرحلة الاستدلال وهي مرحلة العمل المعرفي. فما الدليل على أن العقل لا ينتج القيمة؟ نبدأ بالمراجعة، حيث أشرع في النظر في ما أنتجه العقل هنا وهناك.

لقد أنتج حكما في هذه المسألة، لكنه أنتج نقيضه في موضع آخر، فيتكشف أن قدرة العقل على إنتاج القيمة غير صحيحة بناء على الاستدلال. فماذا فعلنا هنا؟

قمنا بعملية تجسيرية صحيحة؛ إذ قدم لنا القرآن الأفق والهداية والوجهة التي نريد أن نسلكها، ثم اشتغل العقل المهتدي على إنتاج المعرفة، وأصبحنا قادرين على محاورة الآخر بندية، من غير شعور بأنه متفوق علينا معرفيا أو سياسيا أو تقنيا.

وهكذا منحنا القرآن الهداية، وأدى العقل دوره الذي هو الاهتداء والاستدلال. لكن حين يؤدي العقل دورا مختلفا، فيصبح هو الهادي، هنا ترتبك العملية المعرفية. وهذا يثبت واقعا حين ترى ما انتهت إليه بعض المعارف الآن وما آل إليه العلم في بعض جوانبه، حيث انتهى إلى ما يضر الإنسان بدل أن يخدمه.

بين استعادة الهوية وتأسيس المعرفة

– إذن، هذا فيما يتصل بمشروع “الأقومة”، ويرد هنا سؤال عن “الأسلمة”. ذكرتم أن “الأقومة” يأتي بديلا ومقتضى زمانيا لمفهوم “الأسلمة” الذي ترين أنه قد اختفت الظروف الموضوعية التي كانت تقتضي وجوده. ألا يمكن أن نقول إن مشروع “الأقومة” هذا ومشروع “الأسلمة” كلها في سياق البحث في نظرية معرفة إسلامية؟

وأيضا نقول: إن الظروف التي اقتضت وجود “الأسلمة” ما زالت موجودة الآن في الواقع، حيث نرى كثيرا من المؤسسات الأكاديمية والتعليمية والبحثية تقرر مناهج علمية غير منطلقة من الاهتداء بمعرفة القرآن الكريم، وربما كانت مناقضة للمفهوم القرآني؟ هنا أريد أن أوضح شيئا؛ الحاجة إلى الدفاع لا تختفي أبدا، دائما هناك حاجة إلى الدفاع عن ذاتك وعن معاييرك وعن شخصيتك، فهذه الحاجة لا تختفي.

لكن الحاجة تقدر بقدرها؛ ففي مرحلة من المراحل كانت الشخصية الإسلامية غائبة عند الباحث وهو لا يشعر بذلك، فقد ينطلق على أساس أنه يدافع عن الإسلام، ولكنك حين تقرأ ما كتبه تجد أنه ينطلق من مركزية غربية، وهو يظن أنه ينطلق من مركزية إسلامية.

هذا كان واضحا حتى في كتب التفسير العلمي؛ إذ كان الانطلاق من العلم كأنه هو المركز، والقرآن يدور حوله، وكأن القرآن يكتسب شرعيته كلما اقترب من النتيجة التي وصل إليها العلم.

فهنا كانت الأزمة ظاهرة، والحاجة إلى الدفاع واسترجاع الشخصية الإسلامية كبيرة. لكن الآن أرى أن كثيرا من الباحثين والمفكرين سواء الذين ينتمون إلى الحقل الشرعي أو الذين ينتمون إلى الحقول الفكرية، باتوا على وعي بأن الحاجة إلى العودة إلى المعرفة الإسلامية والانطلاق من الذات الإسلامية قد باتت ضرورة. ولذلك أرى أن الجماعة العلمية المعنية بإنتاج المعرفة باتت أكثر وعيا بهذه المسألة.

ومن هنا أقول إننا لم نعد بحاجة إلى “الأسلمة” بوصفها مشروعا دفاعيا -لكن ليس بمعنى انتفاء الحاجة إلى الدفاع- بل بمعنى تغيير صبغته من الدفاع إلى التأسيس، والتأسيس نفسه يمكن أن يؤدي وظيفة دفاعية.

ويمكن أن نمثل لذلك بالنظام المناعي الذي خلقه الله عز وجل في الإنسان؛ فهو نظام بنيوي يؤسس لحماية الجسد والدفاع عنه ضد ما قد يضره، دون أن يحتاج الإنسان إلى ملاحقة كل ميكروب على حدة للقضاء عليه.

إذ يكفي أن تكون مناعتك عالية لكي تدافع عن هويتك وعن مرجعيتك وعن مفاهيمك. لهذا نقول إن مشروع “الأسلمة” حقق أغراضه التي هي استرجاع الشخصية الإسلامية، لكن آن الأوان للانطلاق إلى التأسيس؛ إذ لا يعقل أن نبقى ندور في حلقة الدفاع.

لا بد أن ننتقل إلى مرحلة التأسيس، والتأسيس دائما يحتاج إلى سؤال مؤسس. والسؤال المؤسس لا ينبغي أن يكون دفاعيا إيديولوجيا، بل ينبغي أن يكون سؤالا معرفيا.

سؤال: “كيف نجعل المعرفة إسلامية؟” هذا سؤال دفاعي، لذلك هو ليس سؤالا مؤسسا.

أما سؤال: “كيف نجعل المعرفة أقوم؟” فهو سؤال تأسيسي يمكن أن تجيب عنه كل منظومة معرفية بطريقتها، ثم ندخل في حوار مع الرؤى المختلفة. فقد تؤسس منظومة معرفية أخرى لمعرفة أقوم انطلاقا من معاييرها، وتصل إلى نتائج يمكن أن نناقشها معها.

لكن حين تقول إنك تريد إنتاج معرفة إسلامية، فسيرفضها غير المسلم ابتداء بسبب صبغتها المرجعية. أما حين تنتج معرفة تصفها بأنها أقوم، فيمكن لهذه المعرفة أن تدخل إلى مجال المعرفة الإنسانية، وأن ينتفع بها العالم، فيقع الاهتداء بالقرآن، الذي هو للعالمين وليس للمسلمين وحدهم، دون أن تكون الصبغة الإسلامية حاجزا أمام قبولها.

– ولكنها صبغة قرآنية، كتاب الإسلام؟

نعم، هي صبغة قرآنية ولكننا  وصلنا إليها عبر معيار كلي، الذي هو “الأقومية”؛ لأن المعرفة لا ترفض أبدا أن تكون مصدرية المعرفة نصية، والدليل أنهم تقبلوا فكر ابن خلدون واشتغلوا عليه، رغم مرجعيته الدينية.

– لكن كتفسير في علم معين في قضايا معينة، وليس كمنظومة مفاهيم مكتملة ومرجعية.

لكن ما يهمنا هنا أن هذا العلم، علم العمران، الذي خرج من منظومة إسلامية ويحمل رؤية إسلامية، استطاع أن يدخل إلى الغرب مثلا دون أن يضعوا حواجز أمام الاستفادة منه، لماذا؟

لأنه كان مشروعا معرفيا، حتى وإن كانت بنيته الداخلية قرآنية. فقد أقام الأدلة، واستدل على مشروعه بالعقل، فأبقى للقرآن وظيفته الهدائية، ثم أدى العقل دوره الاستدلالي. وهكذا استطاع هذا المشروع أن يصل إلى العالم كله، وأصبحت هناك مقارنات  بين علم الاجتماع وعلم العمران، ودخلنا في حوار معرفي حول العلمين. فمن هذا المنطلق نريد لهذا السؤال المعرفي: كيف تكون المعرفة أقوم؟ أن يصبح هو سؤال المرحلة. لا نريد الاكتفاء بسؤال: كيف تكون المعرفة إسلامية؟ لأن المعرفة إذا كانت أقوم فهي بالضرورة إسلامية.

– سؤال في هذه الجزئية، قد يقول قائل بأسلمة المعرفة ويستدل بأحد إنجازات أسلمة المعرفة، وهي المؤسسات المالية الإسلامية والبنوك الإسلامية- أنها حظيت بقبول عالمي، ودخلت أدواتها المالية إلى الأسواق العالمية باعتبار كفاءتها الفنية وليس باعتبار مرجعيتها؟

هنا أريد أن أميز بين أمرين: في ماذا نجحت “الأسلمة” بالضبط؟ لقد نجحت في الوصول والتمكين، وفي أن تجعل لها مراكز في أنحاء العالم، وفي أن تستعيد الإنسان المسلم وشخصيته. لكن هل استطاعت أن تدخل إلى المعرفة الإنسانية بوصفها رافدا من روافدها أم دخلت غالبا بوصفها موضوعا للنقد؟

ستجدها حاضرة بطبيعة الحال في الجامعات وفي المعاهد والمراكز تناقش وتدرس، ولكن باعتبارها مشروعا يتم انتقاده وليس باعتبارها رافدا من روافد المعرفة. على خلاف  نظرية ابن خلدون مثلا التي دخلت إلى المعرفة وباتت جزءا منها.

واللافت أن الحديث يدور غالبا عن العقل الخلدوني، لا عن العقل الإسلامي. ولعلنا لم نربط ابن خلدون بما يكفي بتراثه الذي خرج منه، وكان ينبغي أن نفعل ذلك. وحين نعود في مشروع الاهتداء المعرفي إلى نموذج ابن خلدون، ونقارن آلية إنتاجه المعرفي بما قام به الإمام الشافعي، فإننا نحاول أن نعيده إلى حاضنته المعرفية الأم.

الأقومة هي المشروع الذي أراه ملائما للحظتنا المعرفية الآن، لأنه يريد أن ينتهي إلى الإنتاج المعرفي، وليس فقط إلى إضفاء القيمة على المعرفة.

وبذلك يظهر الفرق الذي أقصده: أسلمة المعرفة دخلت إلى منظومات أخرى باعتبارها موضوع نقد، لكن ما نريده من لحظة الأقومة هو أن تدخل المعرفة الأقوم إلى المنظومات المخالفة باعتبارها رافدا من الروافد التي تغني المعرفة الإنسانية ، وتجيب عن الأسئلة التي يقلق منها الإنسان اليوم؛ فالإنسان اليوم قلق مما يمكن أن تؤول إليه المعرفة، وإذا وجد في مشروع “الأقومة” الجواب فسيقبل عليه إقبال المحتاج؛ لأن الفكر حين يواجه أزمة اختناق يبدأ بالبحث عن روافد، وهذا ما حدث أصلا مع الأمة الأوروبية في مرحلة من المراحل حين باتت تقتبس من العقل الإسلامي.

فالإقبال على مشروع الأقومة من منظومات مخالفة لن يأتي في سياق حب للفكرة، ولكن في سياق الحاجة، ومن هنا أرى أن مشروع الأقومة يتجه إلى العالمين وليس إلى المسلمين فقط.

أما مشروع “الأسلمة” فقد كان مشروعا من مشاريع اللحظة، لكنه كان يقدم الحل للشخصية الإسلامية، ولا يقدم حلولا للأسئلة التي يطرحها العالم في ظل الاختناق المعرفي. ولهذا أرى أن “الأقومة”، إذا استثمرنا فيها ونضجت بالكيفية التي أتمناها، يمكن أن تصبح رافدا من روافد المعرفة الإنسانية، لا مجرد موضوع للنقد.

– ما الذي تريدين أن تضيفيه في بيان مشروع الأقومة؟ وما الفرق بين الأقومة والأقومية؟

أولا  أبدأ بالشق الثاني من السؤال، ما الفرق بين الأقومة والأقومية؟

الأقومية هي اسم للخاصية القرآنية التي نفهمها من قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) أما “الأقومة” فهي المشروع الذي أريد بناءه انطلاقا من هذه الخاصية، أي أن نجعل المعرفة مهتدية بتلك الوجهة الأقوم. وقد اخترت لها هذه التسمية لكونها مشروعا إجرائيا، على نحو ما نقول “أجرأة”، وأيضا لكي تقابل مشروع “الأسلمة” بوصف “الأقومة” مرحلة لاحقة له؛ إذ ينبغي أحيانا أن نفهم الصيغة السابقة من المشروع حتى نستوعب الصيغة اللاحقة.

إذن، المشروع عندي اسمه “الأقومة”، والخاصية القرآنية اسمها “الأقومية” ومن ثم المعيار يحمل اسم معيار الأقومية. وأريد أن أؤكد هنا أن الأقومة مشروع معرفي، غايته أن ينتهي إلى إنتاج المعرفة، لا فقط إلى إضافة القيم إلى معرفة منتجة سلفا.

فإضافة القيمة على المعرفة يعني أننا أنتجنا معرفة أو استقدمناها ونريد أن نضيف عليها القيمة ونوجهها. هذا مستوى جيد من الإنتاج المعرفي، لكن هذا المستوى يعني أنك أتيت بمعرفة من الخارج ثم تريد تبيئتها في واقعك الإسلامي وهذا تعنى به الأقومة لكن هي تعنى أيضا بما هو أهم منه، وهو أن نمارس الاهتداء المعرفي فننتهي إلى معرفة  يمكن أن تصبح رافدا من روافد المعرفة الإنسانية، مثلما انتهى النظر في آية البيان الكلي إلى تنظيم العلاقة بين النص والسنة والقياس وغيرها من الوسائط، وأصبح القياس أداة تدخل في التفكير الإنساني لا الإسلامي وحده. وكما انتهى الاهتداء بآية السننية إلى إنتاج طبائع العمران بوصفها أداة لنقد التاريخ.

فهذا هو الإنتاج المعرفي الذي نريده، لا مجرد إضفاء القيمة على منتج معرفي جاهز. فنحن في مرحلة نحتاج فيها إلى استعادة القدرة على الإنتاج الحضاري، حتى تعود المعرفة الإسلامية رافدا من روافد المعرفة الإنسانية.

ولذلك أقول ما لم نضبط الاهتداء المعرفي فلن نستطيع التمكين لمشروع الأقومة. وما لم نفهم كيف أنتج العقل المعرفة وكيف انتقل من النص إلى إنتاج النظرية أو الأداة المعرفية فإننا سنعيد إنتاج الأخطاء التي تجعل مشروع الأقومة محض تسمية جديدة لمشاريع سابقة هي التدبر والأسلمة ونحن لا نريد أن نقع في هذا الإشكال.

التدبر اسمه تدبر، وهو مشروع جيد وممتاز لكن له مجاله. والأسلمة مشروع جيد وممتاز لكن للحظة معرفية معينة. أما الأقومة  فهي المشروع الذي أراه ملائما للحظتنا المعرفية الآن، لأنه يريد أن ينتهي إلى الإنتاج المعرفي، وليس فقط إلى إضفاء القيمة على المعرفة.

وهذا ما يجب أن ننتبه إليه؛ لأن المشروع قد يرتبك في الطريق وينتهي إلى الاختناق، وإلى الانهيار على ذاته. فلكي لا ينهار المشروع أجدد التأكيد على أن لمشروع الأقومة قاعدة أساسية لابد أن تبنى أولا وهي استعادة إبستمولوجيا التصديق أو سيرورة الاهتداء المعرفي وتدريب العقل عليها. لكي يصبح العقل قادرا على الانتقال من الدعوى التي تتضمنها الآية إلى الإنتاج المعرفي في الواقع. حينها فقط يمكن أن ينطلق مشروع الأقومة نحو توجيه المعرفة بالقرآن.

الباحثة الدكتورة شيماء فوخري شكرا جزيلا على هذا الحوار الذي أوضحت فيه مشروعك العلمي” الأقومة” ودواعيه وملامحه وآفاقه المرجوة منه، وفقك الله لكل خير.