أكد فضيلة الشيخ الدكتور سعيد الكملي أن الحديث عن “ميراث العلماء في تكوين الإنسان” هو حديث عن أهم أسباب بقاء العلم والهداية في الأمة، مشيراً إلى أن اشتداد الحاجة إلى هذا الموضوع في زماننا الحالي يأتي في ظل سهولة الاطلاع على العلم، والذي غالباً ما يبقى حبيساً في دائرة “المعلومات” دون أن يرقى إلى مستوى هداية البصائر وتزكية الأخلاق وتهذيب النفوس.

جاء ذلك في المداخلة العلمية القيمة التي ألقاها العالم والمفكر المغربي سعيد الكملي في فعاليات النسخة الثانية من “منتدى قطاف القرآني” بدولة قطر، تحت عنوان: “ميراث العلماء في تكوين الإنسان”، حيث استعرض فيها الأبعاد العميقة لهذا الميراث، متجاوزاً مفهوم “الكتب والمؤلفات” إلى مفهوم “الأثر الحي” في بناء العقول والنفوس والمجتمعات. ينظم المنتدى شركة قطاف التعليمية، بالشراكة الاستراتيجية مع وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، بمشاركة نخبة من العلماء والمتخصصين والخبراء في مجالات التربية والتعليم.

ماهية الميراث.. “علم وتزكية وتمثل” وليس كهنوتاً

استهل فضيلة الشيخ الدكتور سعيد الكملي مداخلته بتوضيح ماهية هذا الميراث، مؤكداً أنه في حقيقته “ميراث النبوة”، مستشهداً بحديث رسول الله ﷺ: «إنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً ولا دِرْهَماً، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ».

وأوضح أن هذا الميراث ليس مرتبة كهنوتية ولا عصمة تنتقل من شخص لآخر، بل هو العلم وما يقتضيه من “التمثل، والتعليم، والتزكية”، مشيراً إلى أن هذا المعنى هو ما أشار إليه القرآن الكريم في وصفه لوظيفة النبي ﷺ بجمعها بين ثلاث ركائز: “تلاوة الآيات” (تبليغ الوحي)، و”التعليم” (تفهيم الوحي وبيان معانيه)، و”التزكية” (تكميل النفس بحملها على العمل).

ولفت إلى أن النبي ﷺ حين جعل “العلم الذي يُنتفع به” من الباقيات الصالحات بعد الموت، فإنه لم يقصد به العلم الذي تُحفظ ألفاظه فقط، بل العلم الذي تكون به المنفعة، وهي عين التزكية المذكورة في القرآن.

وقال الشيخ في مستهل حديثه أن التطرق لموضوع “ميراث العلماء في تكوين الإنسان” يكتسب أهمية بالغة وراهنية ملحة؛ لكونه يتصل بأعظم وأهم أسباب بقاء العلم واستمرار الهداية في جسد الأمة المسلمة، خصوصاً في هذا العصر الرقمي الذي تيسرت فيه سبل تحصيل المعلومات وبات الاطلاع على المعارف سهلاً ميسوراً، غير أن هذا التدفق المعرفي — في كثير من أحواله — ظل حبيس المدارك المجردة ولم ينفذ إلى هداية البصائر، ولا إلى تزكية الأخلاق، ولا إلى تهذيب النفوس.

وشدد الشيخ على أن المقصود بـ “ميراث العلماء” ليس مجرد ما استودعوه بطون الكتب والأسفار على جلالة قدرها وعظيم نفعها، بل المقصود الأسمى هو: ما أحدثوه من أثر عميق في بناء الإنسان وتكوينه: كيف شيدوا العقول؟ وكيف ربوا النفوس على مكارم الأخلاق؟ وكيف هذبوا البواطن؟

حقيقة الميراث.. امتداد للنبوة لا كهنوت ولا عصمة

حرر الدكتور الكملي في مفتتح محاضرته المفهوم الشرعي الدقيق لميراث العلماء، مؤكداً أنه في جوهره وحقيقته «ميراث النبوة»؛ استناداً إلى الحديث النبوي المشهور الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«إنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً ولا دِرْهَماً، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ».

وأوضح الشيخ معالم هذا الميراث بنفي المفاهيم الدخيلة؛ فبين أنه:

  • ليس مرتبة كهنوتية طبقية يرثها خلفٌ عن سلف بالمصادفة أو الانتساب.
  • وليس عصمة تنتقل من صاحب الرسالة ﷺ إلى أحدٍ بعده؛ إذ لا معصوم في هذه الأمة إلا رسول الله ﷺ.
  • بل هو العلم الموروث عن الوحي، وما يقتضيه هذا العلم بالضرورة من: التمثل القلبي، والتعليم البلاغي، والتزكية العملية.

واستشهد الشيخ بالتوجيه القرآني البديع الذي جمع وظائف الرسالة في آيات محكمات؛ كقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وقوله في سورة البقرة ممتناً على المؤمنين: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

وفصّل الكملي الترابط التكاملي بين هذه الأركان الثلاثة:

  1. تلاوة الآيات: وهي البلاغ المبين لألفاظ الوحي.
  2. التعليم: وهو تفهيم معاني الوحي، وأحكامه، ومقاصده.
  3. التزكية: وهي حمل النفس وتكميلها بالعمل بمقتضى هذا الوحي.

وأبرز الشيخ هذا المعنى من خلال ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؛ ملتقطاً بدقة قول المصطفى ﷺ: «عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»، إذ لم يقل علماً تُحفظ ألفاظه أو تُراد تراكيبه وأشكاله، بل علق الأجر بالمنفعة المتحققة، وتلك المنفعة هي عين التزكية التي يثمرها العلم.

خطورة موت العالم.. رزية تتجاوز الفقد الفردي إلى تزلزل الأمة

وتطرق الشيخ الكملي إلى عظم المصاب عند فقد العلماء وموتهم؛ مبيناً أن رزية العالم ليست شأناً عائلياً يخص أهل بيته، ولا خسارة محصورة في طلبته وتلاميذه، بل هي ثلمة في حصن الأمة جمعاء. واستدل بما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال:

«إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

واستنبط الشيخ من هذا الحديث دلالتين خطيرتين:

  • الأولى: أن بعض العلم يرفع بذهاب حامله؛ فبقبض العالم يُقبض جزءٌ من النور المسدد في الأمة.
  • الثانية (وهي الطامة الكبرى): أن الفراغ الذي يخلفه غياب العالم الرباني يفضي حتماً إلى تصدر الجهال واعتلائهم منابر التوجيه والإفتاء، فينتقل المجتمع من فقد العلم إلى فقد الهداية والوقوع في مهاوي الضلال والإضلال.

وعضد الشيخ ذلك بما أثر عن كبار المفسرين — كابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح — في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41]؛ حيث نصوا على أن نقصان الأرض إنما هو بموت فقهائها وعلمائها وخيار أهلها؛ لأن قيام صلاح الأرض لا يكون إلا بهم.

مسارات الأثر العميق.. الأبعاد الثلاثة لتكوين الإنسان

أوضح المحاضر أن لميراث العلماء أثرين: أثراً قريباً ظاهراً يتمثل في حفظ نصوص الشريعة وتعاقب العدول على نقلها أباً عن جد وخلفاً عن سلف، وأثراً أعمق وأبعد مدى خاض فيه العلماء معترك بناء الشخصية الإنسانية، وتوزع على ثلاثة مسالك رئيسية:

  1. بناء العقول وإقامة منهاج النظر.
  2. تزكية النفوس وحملها على العمل والامتثال.
  3. تصريف العلم في إصلاح المجتمع وتوجيه حركة الحياة.

المحور الأول: بناء العقول وإرساء “منهاج النظر” القرآني

استعرض الدكتور سعيد الكملي كيف صاغ العلماء من نصوص القرآن الكريم ميزاناً عقلياً صارماً للتفكر والنظر والتثبت، محددين أصولاً كلية لسلامة الفكر الإنساني:

1. أصل الامتناع عن الخوض بغير علم

مستمد من النهي الجازم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وبيّن الشيخ أن هذا الأصل متفق عليه نظرياً بين العقلاء، لكن العقول تضل وتخور عند تنزيله واقعاً؛ فيقتحم المرء القول في الدين، والطب، والسياسة، وسائر المعارف بغير بصيرة. وساق الشيخ نماذج مضيئة لهيبة القول بغير علم عند السلف:

  • الإمام مالك بن أنس (إمام دار الهجرة): حين أتاه سائل من أرض نائية قطع الفيافي ليسأله عن بضع وأربعين مسألة، فلم يجبه إلا في قليل منها، وقال في أكثرها: «لا أحسن»، فلما ذُهل السائل قائلاً: تركت ورائي من يقول إنه ليس على ظهر الأرض أعلم منك! أجابه مالك دون تردد: «ارجع إليهم وأخبرهم أن مالكاً لا يدري!». وروى ابن وهب أنه شهد مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: «لا أدري».
  • القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: سئل عن مسألة فقال: «لا أحسنها»، فقال السائل: جئتك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: «يا ابن أخي، لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنها، ولأن يُقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا أعلم».
  • الإمام سحنون التنوخي صاحب «المدونة»: ألحّ عليه سائل غريب ثلاثة أيام وهو يمتنع ويقول: «لا أدري»، محتجاً بأنها مسألة خفيفة، فانتفض سحنون غاضباً: «مسألة خفيفة؟! ليس في العلم شيء خفيف! أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؟ فالعلم كله ثقيل».

2. أصل المطالبة بالبرهان ورفض الدعاوى المجردة

انطلاقاً من المبدأ القرآني الحاسم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. وأكد الشيخ أن العقل المسلم عقلٌ برهاني لا ينخدع بزخرف القول؛ فكل دعوى مجردة من الحجة — كدعاوى المستشرقين وحملات التشكيك التي تزعم تاريخية الأحكام أو نسبية نصوص الحلال والحرام — تسقط أمام ميزان البرهان والحجة المقنعة.

3. كشف علل فساد العقل بتسلط الهوى

أشار الشيخ إلى أن القرآن حذر من انتكاس التفكير إذا ما قاده الهوى المجرد والظن الكاذب؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ [النجم: 23]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].
وضرب الشيخ مثلاً صارخاً بـ الخوارج؛ الذين قادهم فساد النظر المبني على الهوى إلى استباحة دماء الصحابة الأطهار وتكفيرهم، حتى قال لهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مناظرته الشهيرة: «أتيتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ… وليس فيكم منهم أحد!».
واستحضر الشيخ الموقف الأدبي والتاريخي لشاعر الخوارج عمران بن حطان في مدح عبد الرحمن بن ملجم لقتله علياً رضي الله عنه:

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حيناً فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

وقابله الشيخ برد أبي عبد الله بكر بن حماد التاهرتي الحاسم الذي فضح فيه تهافت هذا الهوى:

قل للشقِيِّ ابن ملجم والردى       ...   أردى أبا حسن بما قد كانا
يا ضربةً من شقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره يوماً فألعنه ... وألعن الكلب عمراناً وحطانا
يا ضربةً من شقيٍّ أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا

4. أصل التثبت والتحري الصارم في الأخبار

تأسيساً على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾)، وهو الأصل الذي شيدت عليه الأمة الإسلامية صرح «علم الإسناد والجرح والتعديل».
وأورد الشيخ شواهد على دقة أئمة الحديث:

  • الإمام مسلم في صحيحه، الذي يفصل بدقة بالغة بين صيغ الأداء في السند الواحد؛ فيقول: «حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن يونس، قالا: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا»، متحرين عين اللفظ الصادر عن الشيوخ.
  • الإمام النسائي صاحب السنن؛ إذ كان بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين مباعدة وخوف من بطش السلطان بمصر، فكان النسائي يقعد في دهليز الدار وراء الباب يسمع قراءة الحارث لحديث رسول الله ﷺ، فلما دون سننه لم يستجز أن يكتب «حدثنا» ولا «أخبرنا»؛ بل وثق الواقعة بصدق متناهٍ فقال: «أنبأنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع»!
    واستشهد الشيخ بكلمة المستشرق الإنجليزي ديفيد صامويل مرجليوث: «ليَفخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاؤوا».

5. أصل الرجوع إلى أهل التخصص والبصيرة

عملاً بالتوجيه الإلهي: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وسرد الشيخ قصة الإمام خلف الأحمر (إمام صناعة الشعر ولغة العرب) حين عُرض عليه شعر نُسب للعرب فأنكره ورده على صاحبه، فلما جادله الرجل: كيف تحكم وأنت لم تحط بكل ما قالته العرب؟ ضرب له خلف مثلاً بالصيرفي البصير بالدرهم: أليس يميز الدرهم الزائف من الخالص بنقده وخبرته دون حاجة لرؤية كل درهم في الدنيا؟ فكذلك نقاد العلم وأهل البصيرة بفنونه.

المحور الثاني: تزكية النفوس وتهذيب البواطن بالعمل والاقتداء

انتقل الدكتور سعيد الكملي إلى الجناح الثاني من ميراث العلماء، مؤكداً أن العلم ما لم يثمر خشية وانكساراً وعملاً صار حجة على صاحبه ووبالاً عليه:

1. النذير القرآني والنبوي من انفصام القول عن الفعل

استعرض الشيخ الآيات الرادعة:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
وربطها بالوعيد النبوي الشديد:

  • حديث أنس في مسند أحمد: «رأيت ليلة أسري بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقاريض من نار… خطباء من أمتي يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم».
  • حديث أسامة بن زيد في الصحيحين في شأن من يؤتى به يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه في النار ويدور كما يدور الحمار برحاه، لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه.

2. مسالك التربية بالسَّمت ومحاسبة النفس

ساق الشيخ مواقف بديعة توضح عمق التربية بالسلوك والخشية:

  • السري السقطي مع تلميذه الجنيد: لما سأله وهو صبي عن الشكر، فأجاب الجنيد: «ألا تعصي الله بنعمه»، فبكى السري وقال له مشفقاً: «يا بني، أخشى أن يكون حظك من الله لسانك!»، فظل الجنيد يبكي من هذه الكلمة عمراً طويلاً وجلاً من الرياء.
  • موعظة محمد بن سُوقة الكوفي: حين وعظ جلساءه: «كان من قبلنا يعدون فضول الكلام كل ما عدا كتاب الله… أتُنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين؟! ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾؟! أما يستحي أحدكم لو نُشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره وكان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟!».
  • تأديب عبد الرحمن بن مهدي لعلي بن المديني: حين سأله ابن المديني عما بقي عنده من حديث لم يسمعه، فقال ابن مهدي موجهاً ومربياً: «يا علي، لا تقل أحطت بالعلم، فما هذا بمقال أهل العلم، ولا تعد لمثلها أبداً».
  • كرم المشايخ بالحال: ذكر الكملي قصة شيخ من شيوخه بالرباط والمغرب؛ زاره طلابه وأطالوا المكث وحان وقت القرى وليس في بيته طعام، فخرج تلميذه واقترض ليشتري طعاماً، فقال له الشيخ: «يا بني، إني لأعلم أنك تكلفت واشتريت بالدَّيْن؛ ولكننا كما نعلمهم الفقه والحديث، لا بد أن نعلمهم الكرم والإيثار بالفعل قبل القول».

المحور الثالث: تصريف العلم في واقع الناس ونصرة المجتمع

فند الدكتور الكملي النظرة القاصرة التي تحبس العالم في محرابه وزوايا الدرس، مؤكداً أن الميراث الحقيقي هو الحضور الفاعل في حياة الأمة ومعايشها:

  • المجالس الأربعة للإمام الليث بن سعد بمصر: حيث قسّم يومه لأربعة مجالس منتظمة: مجلس لنائبة السلطان في كشف المظالم وقضاء حقوق الرعية والشفاعة لهم، ومجلس لأصحاب الحديث، ومجلس للإفتاء والفقه، ومجلس لقضاء حوائج العامة وسد فاقاتهم وإطعامهم وإجرائه النفقات على كبار علماء الأمة وتلاميذه.
  • موقف الإمام مالك مع الخليفة هارون الرشيد: حين رغب الخليفة في سماع «الموطأ» في مجلس خاص ويُمنع الناس، فوعظه مالك بقاعدته الخالدة: «يا أمير المؤمنين، إن العلم إذا مُنع العامة من أجل الخاصة لم تنتفع به الخاصة وفسدت العامة»، فأذعن الرشيد وجلس مع سائر المسلمين.
  • وامتداد هذا الأثر الجريء في مواقف العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) في بيع أمراء المماليك لصالح بيت المال، وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية مع سلطان التتار حين أصر على تحرير أسرى أهل الذمة مع أسرى المسلمين قائلاً: «هم أهل ذمتنا ولا نترك أسيراً واحداً».

واختتم الشيخ المحاضرة ببيان أن مقصود تلاوة القرآن والتعلم ليس الوقوف عند جمال النغم ولا رصف الكتب، بل أن يثمر امتثالاً عملياً يحاكي وصف أم المؤمنين عائشة لرسول الله ﷺ: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وأن ينفعل المؤمن بكل خطاب قرآني يبدأ بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مستشعراً أنه المعني بالتوجيه والتكليف.

الجلسة الحوارية: القدوة الحية في وجه الذكاء الاصطناعي

شهدت الجلسة الحوارية التي تلت المحاضرة نقاشاً نوعياً أجاب فيه الدكتور سعيد الكملي عن سؤالين جوهريين:

1. سبل تحويل المؤسسات التعليمية من نقل المعارف إلى صناعة التزكية

رداً على سؤال حول كيفية استعادة دور المعلم كمربٍّ يربط الطلاب بميراث العلماء؛ أوضح الشيخ الكملي أن «التعليم والتربية صنوان لا ينفصلان»، مؤكداً أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فالمعلم لا يغرس الأمانة في طلابه وهو يخون، ولا يبث الصدق وهو يكذب؛ فالتربية بالحال والقدوة تسبق التربية بالمقال وتفوقها أثراً.

واستشهد الشيخ بوصية أم الإمام مالك لابنها حين ألبسته قشيب الثياب وعممته ثم قالت: «اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه»؛ فكان سمت الشيخ وخشوعه وأدبه هو البوابة الحقيقية لنيل العلم المبارك.

2. خطر الاعتماد الأعمى على الذكاء الاصطناعي ومسؤولية حفظ المرجعية

وحول الطفرة التقنية واجتياح تطبيقات الذكاء الاصطناعي، شدد الدكتور الكملي على أن الأجهزة والبرمجيات الصامتة لا تصنع عالماً ولا تؤسس بصيرة، وإنما هي مخازن تسترجع الغث والسمين والصحيح والمختلق بلا ميزان نقدي ولا خشية قلبية.

ودعا الشيخ العلماء وحملة الشريعة إلى النزول الميداني في هذه الفضاءات وملء المنابر بالعلوم المحررة والبيانات الموثقة لقطع الطريق على تصدر الجهال.

وروى الشيخ واقعة طريفة حين حاجج أحد الباحثين أحد برامج الذكاء الاصطناعي في خطأ شرعي فادح متناقض قائلاً له: «اتقِ الله واستغفر الله كيف تفتي بما لا تعلم؟!»، فبادر البرنامج بالاعتذار قائلاً: «أستغفر الله العظيم، لقد أخطأت وأعتذر منك!»؛ ليعلق الشيخ ضاحكاً: «متى كانت الآلات تستغفر الله وتتوب؟!».

وخلص فضيلة الشيخ الدكتور سعيد الكملي إلى التأكيد على أن العلم الشرعي ليس معادلات رقمية ميتة، بل هو نور يقذفه الله في القلوب مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، ولا غنى للأمة في مسيرتها عن العالم الرباني القدوة الذي تتجسد فيه معالم النبوة وهديها المبارك.