كانت الدولة الفارسية الساسانية إحدى القوتين العظميين اللتين هيمنتا على العالم قبيل ظهور الإسلام إلى جانب الدولة الرومانية، ولم يكن يخطر ببال الفرس أن الدولة التي امتد سلطانها قرونًا ستفقد عاصمتها وجيوشها الكبرى خلال سنوات قليلة أمام المسلمين، ومع أن سقوطها أمام المسلمين كان بعد سلسلة من المعارك والفتوحات، إلا أن محطتين كانتا الأبرز في هذا التحول: القادسية التي كسرت القوة العسكرية الفارسية في العراق، ونهاوند التي أنهت قدرتها على جمع جيش كبير لاستعادة ما فقدته.

القادسية .. المواجهة الكبرى

بعد انتصارات المسلمين الأولى في العراق زمن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنها؛ أدرك الفرس أن الأمر لم يعد غارات حدودية يمكن احتواؤها، فجمعوا جيشًا كبيرًا بقيادة رستم أحد أشهر قادتهم، وفي المقابل أسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيادة المسلمين إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والتقى الجيشان على أرض القادسية، وقبل القتال جرت مفاوضات بين الطرفين، أرسل خلالها سعد عددًا من رجاله إلى رستم يدعونه إلى الإسلام أو الجزية، وكان من أشهرهم: ربعي بن عامر رضي الله عنه، ومما دار بينه وبين رستم من حوار قوله: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام”.

ثم إن المفاوضات لم تنجح وكانت معركة القادسية التي استمرت أيامًا شديدة، وكان للفيلة في بدايتها أثر كبير في اضطراب خيل المسلمين، ثم استطاعوا تحييد خطرها، واستمر القتال حتى ليلة عرفت بـ “ليلة الهرير” لأنه لم يكن يسمع فيها إلا هرير المقاتلين، ثم انتهت المعركة بمقتل رستم وانهيار الجيش الفارسي، بعد أن قدم المسلمون في هذه المعركة أكثر من (8500) شهيدًا، وقتل من الفرس أكثر من (30) ألف عِلْجٍ، ثمانية آلاف وخمسمائة من المسلمين هو أكبر عدد قدمه المسلمون في معاركهم الأولى، وهو دليلٌ على ضراوة المعركة، واستبسال المسلمين، وكانت هذه المعركة نقطة تحول كبرى وبوابة لفتح بلاد فارس، ونشر الإسلام فيها، وبعدها فتحتْ بلاد السند –بلاد الهند– وكان بعد القادسية معركة (جلولاء)، ثم فتح (المدائن) التي فيها إيوان كسرى، وبعدها كان فتح (تستر) بعد حصار استمر عدة أشهر، ثم دخل آلاف الفرس في دين الله، ثم كانت معركة (نهاوند/فتح الفتوح)، ولم تقم بعدها للفرس قائمة.

سقوط المدائن وفرار يزدجرد

فُتح الطريق بعد القادسية نحو المدائن عاصمة الدولة الساسانية ومقر كسرى، فتقدم المسلمون إليها بقيادة سعد بن أبي وقاص، وبعد حصارها ودخول المسلمين إليها فقد الفرس مركزهم السياسي الأهم، وقد كان سقوط المدائن أعمق من مجرد فتح مدينة؛ فقد انتقلت الدولة الساسانية من الدفاع عن عاصمتها إلى محاولة إنشاء مراكز جديدة للمقاومة، وفر الملك يزدجرد الثالث، وظل ينتقل من بلد إلى آخر كلما اقترب المسلمون منه. وقد لخص ابن كثير حاله بقوله: إن سعدًا لما استلب منه مدينة ملكه، ودار مقره، وإيوان سلطانه؛ تحول إلى حلوان، ثم إلى الري، ومنها إلى أصبهان، ثم كرمان وخراسان، ومع ذلك لم تكن الدولة الفارسية قد انتهت بعد؛ فقد بقي ليزدجرد نفوذ بين الفرس، واستطاع أن يحركهم مرة أخرى لمحاولة استعادة الأراضي التي فقدوها.

 نهاوند المحاولة الأخيرة

تجمعت جموع كبيرة من الفرس في نهاوند حول يزدجرد، وأصبح واضحًا لسعد رضي الله عنه أن الأمر يتعلق بمواجهة كبرى؛ فأرسل إلى عمر في ذلك؛ فشاور عمرُ الصحابة في كيفية التعامل مع الوضع الجديد، ثم استقرَّ الرأي على إرسال جيش كبير جعل على قيادته النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه، وكان اختيار النعمان موفقًا؛ لأنه كان من أصحاب الخبرة في فتوح العراق، ولما وصل المسلمون إلى نهاوند وجدوا الفرس متحصنين، وقد أحاطوا مواقعهم بالخنادق والحسك الشائك، مما جعل اقتحام مواقعهم شديد الصعوبة؛ فاستشار النعمان قادة جيشه فأشار عليه طلحة بن خويلد بخطة مفادها أن ينسحب المسلمون أمام الفرس حتى يخرجوهم من أوكارهم؛ وبالفعل استطاع المسلمون استدراج الجيش الفارسي خارج تحصيناته؛ فاشتبكت طلائع المسلمين معهم ثم أظهرت التراجع، فخرج الفرس وراءهم، وعندها أصبح القتال في أرض مفتوحة، وقبيل المعركة دعا النعمان ربه قائلًا: “اللهم ارزقني شهادة بنصر المسلمين والفتح عليهم”، ثم حمل بالجيش فدارت معركة شديدة انتهت بانتصار المسلمين ومقتل النعمان نفسه شهيدًا، وتولى حذيفة بن اليمان الراية من بعده وأتم الفتح. ولما وصل الخبر إلى عمر، أخبره الرسول بالفتح ثم قال: واستشهد النعمان بن مقرن، فقال عمر: “إنا لله وإنا إليه راجعون“، وبكى. ولما ذكر له الرسول من استشهد معه ممن لا يعرفهم عمر، قال كلمته المؤثرة: “أولئك المستضعفون من المسلمين ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك بمعرفة عمر”.

 لماذا سميت “فتح الفتوح”؟

كانت معركة نهاوند مختلفة عما سبقها؛ لأن الفرس حشدوا فيها قوة كبيرة قرابة (150) ألفًا في محاولة منهم لوقف تقدم المسلمين واستعادة ما فقدوه، فلما هُزم جيشهم ذاك لم تعد الدولة الساسانية قادرة على إنشاء قوة عسكرية مركزية مماثلة، ولذلك اشتهرت نهاوند عند المسلمين باسم “فتح الفتوح”. ثم تتابعت بعدها الفتوحات في همذان، وأصبهان، والري، وأذربيجان وغيرها، وتفرق سلطان يزدجرد حتى انتهى به المطاف في خراسان، ثم قتل بعد سنوات، فانتهى بمقتله آخر ملوك الدولة الساسانية.

الخاتمة

لم تسقط الإمبراطورية الفارسية في معركة واحدة؛ فالقادسية كسرت جيشها الأكبر في العراق، وسقوط المدائن أفقدها عاصمتها ومركز سلطانها، ثم جاءت نهاوند لتقضي على آخر محاولة عسكرية كبرى لاستعادة المبادرة، وبين القادسية ونهاوند لم يكن المسلمون يواجهون جيشًا فحسب، بل كانوا يشهدون انهيار إمبراطورية حكمت المنطقة قرونًا، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة امتد فيها الإسلام شرقًا إلى آفاق لم يكن قد بلغها من قبل.