يدل معنى الدلال في اللغة على الرفاهية والترف والعجب، هذا من جهة العموم، أما من جهة التصاق المعنى بالمرأة، فدلال المرأة يدل على حسن حديثها ومزحها، كما يدل على التغنج والتأنق في الحركات.
وقد خص اللغويون دلال المَرْأة بالتعريف ، فقالوا: إِدْلالُها على زَوْجها في تَغَنُّجٍ وشِكْلٍ كأنها مخالِفة، وليسَتْ بمُخالِفة
على أن المعنى قد اكتسب زيادة فيه من جهة العرف، فارتبط الدلال بزيادة وكثرة المزح والترف والعجب، وكسي في العرف معاني سلبية، فيقال في مقام الذم: هذا يدلل ابنه! من باب الاستنكار 1.
دلال المرأة المحمود
وليس كل دلال من المرأة مذموما، فقد يكون محمودا في بعض الأحايين، حسب قصده، خاصة ما كان في العلاقة بينها وبين زوجها، فإن الله تعالى خلق في المرأة دلالا جميلا؛ يحقق لها أنوثتها، كما هو الفطرة، كما يغذي في زوجها من معاني السكن والمودة التي يحتاجها، ولهذا عبر القرآن الكريم عن بعض تلك المعاني بقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم:21).
ولهذا عرفت المعاجم العربية دلال المرأة بإظهارها مخالفة الرجل، وليس على الحقيقة، فيقال:: الدل دلال المرأة إذا تدللت على زوجها تريه جراءة عليه في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وليس بها خلاف” 2
وعرف دلال المرأة أيضا بأنه :” جرأتها في تغنج وشكل، كأنها مخالفة، وليس بها خلاف. وذلك لا يكون إلا بتمايل، واضطراب. ومن هذه الكلمة: فلان يدل على أقرانه في الحرب، كالبازي يدل على صيده” 3.
ولهذا وجدنا النبي ﷺ يعامل عائشة معاملة خاصة، كما ورد في صحيح مسلم عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله عنه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن.
قال النووي – رحمه الله- : «قولها وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السن معناه أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حبا بليغا وتحرص على إدامته ما أمكنها ولا تمل ذلك إلا بعذر من تطويل وقولها فاقدروا .. وهو من التقدير أي قدروا رغبتنا في ذلك إلى أن تنتهي وقولها العربة هو بفتح العين وكسر الراء والباء الموحدة ومعناها المشتهية للعب المحبة له» 4
دلال الفتاة من أبيها
ومن ذلك دلال الفتاة على أبيها، فإن هذا من المحامد والفطرة المقبولة، ذلك أن وظيفة المرأة أن تكون ذا حنان ورقة، ولا يكون ذلك إلا من خلال تربيتها على شيء من الدلال دون إسراف فيه، وليس من الصواب أن يقال: تربى الفتاة تربية الرجال، فإن الشرع والعقل والعرف يقولون: إن تربية البنات غير تربية الصبيان، لكل منهما خصائصه وطبيعته، فتحتاج الفتاة إلى شيء من الدلال الذي يولد عندها عاطفة الزوجة وحنان الأم؛ كي تقوم بوظيفتها، ولهذا وجدنا النبي ﷺ يترك عائشة تلعب مع الفتيات، مع كونها زوجته، وذلك مراعاة لها.
كما أباح الفقهاء في ذلك مجسمات الأطفال، خاصة العرائس اللاتي تلعب بها الفتيات، فإنه تدريب على مفهوم الأمومة، وإن كان فيه شيء من الدلال، لكنه دلال محمود.
ويدل على إباحة ذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري فإذا دخل خرجن وإذا خرج دخلن”.
وكذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن عائشة أيضا أن النبي ﷺ قدم عليها من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها (الرف) ستر.فهبت الريح فكشفته عن بنات لعائشة لعب.
فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟.
قالت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان.
قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة.
قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ” .
الخضوع بالقول من الدلال المنهي عنه
ومن الدلال المنهي عنه أن تخضع المرأة بالقول في حديثها مع الرجال، فليس من شيم المرأة المسلمة التباسط الزائد عن الحد في الحديث مع الرجال، ذلك أن الله تعالى جعل بين الجنسين ميلا فطريا، ولهذا، كان الحديث بين الجنسين مشروعا إذا كان لضرورة ملحة، أو حاجة لابد منها، أو ما لا يمكن الانفكاك عنه بطبيعة الحياة الاجتماعية أو المسئوليات، مثل البيع والشراء والتدريس، أو ما كان في مساحة المباح، لكن بانضباط وعدم تكسر في الكلام. ولهذا جاء في تفسير قوله تعالى:
وقوله تعالى: «إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ» الخضوع بالقول مضغ الكلام، ولينه، تدلّلا.. وهذا من المرأة أشبه يكشف العورة، وإبداء الزينة، إذ كان الصوت من بعض مفاتنها.. وصوت المرأة إذا كان على طبيعته لا شىء فيه، ولكن التصنع هو الذي يجعل من صوتها داعيا يدعو إلى الريبة، وإثارة شهوة الرجال.. ولهذا تغزل الشعراء بمثل هذا الصوت الذي يجىء من المرأة عن دلال وصنعة..
ويعدّ المتنبي مضغ الكلام ولينه من بدع الحضارة الذي لا يعجبه فيقول:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها … مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب 5
أثر الدلال في نشور المرأة
وقد نص الفقهاء على أن امتناع المرأة عن زوجها يعد نشورا، إلا إذا كان من باب التدلل على الزوج؛ فلا يعد نشورا. قال ابن الرفعة: ” وإن ظهر منها النشوز، مثل: أن دعاها إلى الفراش فامتنعت عليه؛ بحيث يحتاج في ردها إلى الطاعة إلى تعب، لا امتناع دلال”.6
أضرار الدلال الزائد للأولاد
ومما ينهى عنه في الجملة كثرة تدليل الأولاد وتربيتهن على ذلك، فإن هذا مما يفسد التربية، ولا ينشئ أجيالا قادرة على تحمل المسئولية، بل يفسد في كبره أكثر مما يفسد في صغره، خاصة ذلك الدلال من الأمهات مع الأبناء الذكور، فإن تربية الذكور تحتاج إلى شيء من الجدية؛ حتى ينشؤوا رجالا في مجتمعاتهم، قادرين على تحمل المسئولية، ولهذا قال الشيخ الدكتور مصطفى السباعي – رحمه الله- :
إن اشتراك المرأة في العمل والوظيفة شغل جل وقتها، ونتج عن هذا أمر خطير هو شلل شعور الأمومة فيها، فلم يعد عند الأم فراغ تهتم به بأبنائها، بل تركت للمال الذي تقدمه لهم بسخاء، أن يعوض عن الحب والاهتمام بشؤونهم، وبهذا انعدم وجود نساء يستطعن ان ينمين في أطفالهن شعور الإيثار والتضحية وحب الإنسانية والاستعداد للعيش مع الآخرين بوئام وانسجام، لقد تحول العالم وتغير الإنسان، وأصبحت الأمهات تتسابقن في تحقيق كل رغبة لأطفالهن، فتجاوز دلال الأطفال كل حد، وطفح كيل تزويدهم بكل حديث، وفتحت لهم أبواب تحقيق مسراتهم على مصراعيها: السينما والسيارة (أو الموتور) والالعاب الاوتوماتيكية، ومزاولة الرقص في كل ساعة من ساعات اليوم، حتى أصبحت هذه الامور من البديهيات .. ولكن الكلمة التي يجب أن تقال هنا:
إن الشباب الحالي يملك كثيراً من المال، وكثيراً من الوقت، وكثيراً من الحرية أيضاً، ولكن لا نجد أحداً يعتني بتكوينهم وتربيتهم، وقلما يلاحظ المرء أنه مع نماء المظهر الخارجي والسعادة الظاهرية للانسان، تنمو كذلك، صحراء داخلية في قلب كل فتى وفتاة” 7.
دلال الْحور في الجنة
ومما يستأنس به أن الدلال ليس مذموما على الإطلاق، ما رُوِيَ عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: بَيْنَمَا ولي الله فِي الْجنَّة مَعَ زَوجته من الْحور الْعين على سَرِير من ياقوت أَحْمَر وَعَلِيهِ قبَّة من نور إِذْ قَالَ لَهَا قد اشْتقت إِلَى مشيتك قَالَ فتنزل من سَرِير ياقوت أَحْمَر إِلَى رَوْضَة مرجان أَخْضَر وينشئ الله عز وَجل لَهَا فِي تِلْكَ الرَّوْضَة طَرِيقين من نور أَحدهمَا نبت الزَّعْفَرَان وَالْآخر نبت الكافور فتمشي فِي نبت الزَّعْفَرَان وَترجع فِي نبت الكافور وتمشي بسبعين ألف لون من الغنج ” 8.
خلاصة القول
الدلال ليس مذموما في ذاته، بل قد يكون محمودا، إن كانت له مقاصد شرعية، وأهداف تربية، وقد يكون مذموما، إن أدى إلى فساد وريبة، وهو في المعاملة كالملح في الطعام، أما إذا كان طريقة في التعامل دائمة؛ فقد أفسد العلاقة والحياة، خاصة في دلال الآباء والأمهات لأبنائهم؛ حين يحكمون عواطفهم دون عقولهم، ولا يراعون قواعد التربية، مع الحرص على دلال الأبناء عند الحاجة خاصة البنات.
فقاعدة الدلال في الشريعة قائمة على فقه الموازنات والمآلات، كما أنها قائمة على الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ وفق ما بينه الشرع الحنيف، وما عرف بين الناس بالتجربة والعادة والأعراف، وهو مجال للاجتهاد الشرعي والاجتماعي حسب الأحوال والبيئات.