أمة القدر منهجًا وليلةً

أمة القدر

يأتي شهر رمضان الكريم حاملاً معه أعظم ليلة، ليلة القدر، التي تذكرنا بما اختص الله تعالى به أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ليس في الزمان فحسب، وإنما في المنهج أيضًا.

وقد جُعلت كلمة “القَدْر” عنوانًا للسورة الكريمة التي تتحدث عن هذه الليلة الفُضلى وما فيها من نفحات وعطايا. وتكررت الكلمة في ثلاثة مواضع من السورة.

و”القدر” من: الشرف والمكانة والعظمة؛ فيقال: فلان ذو قدر. و”القدر” أيضًا من: تقدير الأمور وقضائها؛ لأن الله تعالى يقدّر في هذه الليلة ما يشاء تقديره لعباده. وقد دل القرآن الكريم على أن ليلة القدر سُميت لهذين المعنيين.

فعن شرف “ليلة القدر” ومكانتها جاء قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر: 3). قال الطبري: عملٌ في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر([1]).

وعمّا في “ليلة القدر” من تقدير للأمور جاء قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 4). قال ابن كثير: في ليلة القدر يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبة أمرُ السَّنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف. وقوله: {حَكِيمٍ} أي: مُحْكَمٌ لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ([2]).

أمة ليلة القدر

وقد اختلف العلماء في أن ليلة القدر كانت في الأمم السابقة، أم هي من خصائص أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ونقل ابن كثير هذا الخلاف، فقال: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَوْ هِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُري أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ -أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ- فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارُ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَقَدْ أسند من وجه آخر.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ “العُدّة” أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى الْخَطَابِيُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ جَازِمًا بِهِ عَنِ الْمَذْهَبِ. وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِينَ كَمَا هِيَ فِي أُمَّتِنَا([3]).

لكن هنا أمر مهم، وهو أنه إذا كان الجمهور قد ذهبوا إلى أن ليلة القدر هي من خصائص أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بينما ذهب آخرون إلى أنها كانت في الأمم السابقة؛ فيبقى أن ليلة القدر باقية إلى يوم الدين في أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاءت رسالته خاتِمة ومُهيمِنة على ما سبقها من رسالات؛ وبالتالي فبقاء ليلة القدر بعد بعثته الشريفة وحتى قيام الساعة هو من خصائص أمته صلى الله عليه وسلم.. وكفى بهذا شرفًا ومنزلة.

أمة منهج القَدْر

لقد كتب الله تعالى لأمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عظيم المكانة، ورفيع القدر؛ وجعل لها خيرية على ما سبقها من أمم؛ واختص منهجها ورسالتها بما لم يختص به ما سبقهما من مناهج ورسالات.. ومن ذلك أنها:

أمة الوحي الخاتم

فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ولا وحي بعد القرآن؛ قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب: 40). وعن أَبي هريرةَ قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي” (متفقٌ عليه).

أمة الوحي المحفوظ

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9). والذِّكر هو القرآن؛ أي: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل مَّا ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه([4]).

أمة الشهادة على الناس

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143). قال القرطبي: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة [فالوسط: العدل؛ و”أمةً وسطًا”: عدلاً]، وَتَوْلِيَةِ خطيرِ الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولاً مكانًا وإن كنا آخرًا زمانًا، كما قال عليه السلام: “نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ”. وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العُدُول، ولا يَنْفُذُ قولُ الغير على الغير إلا أن يكون عدلاً([5]).

أمة الخيرية

قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 110)

وهذه الخيرية مشروطة كما أوضحت الآية الكريمة؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب: من سَرَّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها.

أمة محفوظ من الهلاك العام

فعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “وإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتي أنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبِّي قالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَهُمْ بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ” (صحيح مسلم).

قال النووي: (لا أُهلكهم بسنة عامة) أى: لا أهلكهم بِقَحْطٍ يَعُمُّهُمْ؛ بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْطٌ فَيَكُونُ فِي نَاحِيَةٍ يَسِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ([6]).

أمة العطايا الخمس

فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ” (متفق عليه).

مسئولية ووظيفة

إذن، يتبين لنا مما سبق، ما فُضِّلت به أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من شرف وقدر، في أزمانها وفي منهجنا.. وهذا التفضيل- كما أوضحنا- ليس تفضيل استعلاء، وإنما تفضيل مسئولية وبلاغ ووظيفة.. فإذا خُتمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وانقطع الوحي بالقرآن؛ فإن وظيفة هذه الأمة أن تقوم بمهمة نبيها الخاتم؛ من حيث الدعوة والبلاغ عن كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم..

وما أحرنا بمراجعة ذلك كله في شهر مضان الكريم، ذلك الشهر الذي شهد مجيءَ الوحي وتَنزُّلَ القرآنِ أولَّ مرة.. وعلينا استدامة هذا المجيء وذلك التنزل، بالتطبيق العملي للمنهج في حياتنا أولاً، وبالبلاغ له ثانيًا..


([1]) تفسير الطبري، 24/ 534.
([2]) تفسير ابن كثير، 7/ 246.
([3]) المصدر نفسه، 8/ 445- 446.
([4]) تفسير الطبري، 17/ 68.
([5]) تفسير القرطبي، 5/ 155- 156.
([6]) شرح النووي على صحيح مسلم، 18/ 14.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات