اشتركت كل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، على تحريم الكثير من الجرائم المادية، والتى تواطأت الفطرة الإنسانية على تجريمها وتحريمها، وذلك مثل القتل، الضرب، والسرقة والاغتصاب، وغير ذلك. وقد تفرد الإسلام وارتقى على كل الشرائع فحرم وجرم حب الجريمة على كل أفراد المجتمع، فمن أحب الجريمة فقط، فقد أتى فعلا محرما فى الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور : 19)

فمجرد حب الجريمة فقط حرام فى شريعتنا الغراء، وذلك لمحاصرة الجريمة وتضييق الخناق عليها، ومنع وقوعها.

ولقد خلق الإسلام واقعا هو أفضل ما وصلت إليه البشرية فى الحد من الجريمة قبل وقوعها، فإذا نظرنا إلى البيانات والإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة ، وعن منظمة الصحة العالمية، وإذا نظرنا إلى مؤشر الجريمة العالمى، فسنجد الدول المسلمة هى أقل دول العالم على الإطلاق فى معدلات الجريمة بمختلف أنواعها، وذلك حسب التقرير السنوي لمؤشر الجريمة العالمي لعام 2016، المنشور على موقع موسوعة قاعدة البيانات ” نامبيو ” ([1]).   

فنسبة جرائم القتل في الدول غير المسلمة ثلاثة أضعاف النسبة عند المسلمين، وفي قائمة أكثر الدول انتحارا في العالم لا توجد دولة مسلمة واحدة من بين الثمانين دولة الأولى فى القائمة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وأكثر من ذلك فإن أول دولة مسلمة جاءت فى قائمة أكثر الدول انتحارا كانت البحرين واحتلت المرتبة الثالثة والثمانين في القائمة ([2]).

فمما يجهله العالم أو بالأحرى يتجاهله، أن الإسلام أوجد أفضل الدول والمجتمعات من حيث قلة الجريمة بمختلف أنواعها، وذلك من أكثر من ألف وأربعمائة عام، وحتى يومنا هذا، وذلك ما تؤكده كل الإحصائيات والبيانات الصادرة عن مؤسسات فى دول غير إسلامية ويقوم على أمرها أناس يدينون بغير الإسلام.

وكان من تفرد الإسلام وتميزه ورقيه على سائر أنظمة الأرض فى مجال التشريع والتقنين، هو تجريمه للرضا بالجريمة، وكان هذا البحث محاولة متواضعة لكشف هذا الجانب الأغر فى التشريع الإسلامي، فقد اعتبر القرآن الكريم والسنة المطهرة أن الرضا بالجريمة كالجريمة ذاتها، وذلك من أنجع الطرق والأساليب في محاربة الجريمة، ووأدها في مهدها، ومنع وقوعها، وذلك قبل أن يعرف العالم بمؤسساته الأمنية والشرطية طرق منع الجريمة والعمل على منع وقوعها، وما زال وسيبقى العالم كله عاجزا عن مجاراة الإسلام في فن محاربة الجريمة قبل وقوعها، والواقع – من خلال بياناتهم الصادرة عن مؤسساتهم البحثية – أقوى دليل على صدق ما نقول.

 وقد اعتبر القران الكريم الرضا بالجريمة كالجريمة ذاتها ، والرضا بالمعصية كالمعصية نفسها، قال تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (آل عمران : 181)

قال أبو المفسرين الإمام الطبري [224 – 310 هـ = 839 – 923 م ] في تفسيره ([3]): ” فإن قال قائل : كيف قيل : { وقتلهم الأنبياء بغير حق } وقد ذكرت الآثار أن الذين عنوا بقوله { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير } بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد – صلي الله عليه وسلم – ولم يكن من أولئك أحد قتل نبيا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيا من أنبياء الله فيقتلوه؟

قيل: إن معنى لك علي غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عني الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم، وعلى منهاجهم من استحلال ذلك واستجازته، فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم”.

فلا مجال لأمم الأرض كافة بكل أيدلوجياتها ونظمها القانونية والتشريعية، في منافسة الشريعة الإسلامية في إيجاد واقع بشرى نظيف من الجريمة، والدول الإسلامية رغم تخلفها الحضارى والتقنى والعلمى قد ارتقت قمة دول العالم فى إيجاد مجتمع خال من العنف والقتل والجريمة بمختلف أنواعها ، فكيف يكون الحال لو عالجت الدول الإسلامية تخلفها العلمي والحضاري.

وكان هذا البحث محاولة لكشف جانب من زوايا النبوغ التشريعى في الإسلام، فأسأل المولى سبحانه وتعالى أن يوفقني ويرزقني الهداية والسداد، والحكمة والرشاد، وأن يخلص نيتي، وأن يجعله في ميزان حسناتي إنه على كل شىء قدير، وبالإجابة جدير .

الفصل الأول: تعريف موجز بمصطلحات البحث

المبحث الأول: تعريف الرضا لغة واصطلاحا

تعريف الرضا لغة :

مصدر رضى يرضى رضا – بكسر الراء وضمها – ورضوانا – بالكسر والضم – فيقال:  رضيت الشيء، ورضيت عنه، وعليه، وبه. وهو بمعنى سرور القلب، وطيب النفس، وهو ضد السخط والكراهية.

والرضاء – بالألف الممدودة – مصدر راضى يراضى مراضاة بمعنى المفاعلة، فيكون حينئذ بمعنى المراضاة والموافقة. والتراضي: يقصد به رضا شخصين أى المشاركة في الرضا ([4]) .

قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا }  (النساء: 29) قال القرطبي: [ 600- 671 هـ = 1204 – 1273 م ]: ( أى تراضى الطرفين وتوافقهما )([5])

تعريف الرضا اصطلاحا :

للرضا فى اصطلاح الفقهاء تعريفات عدة منها:

  1. القبول للشيء والمدح له والثناء عليه. ([6])
  2. امتلاء الاختيار وبلوغه نهايته. ([7])   
  3. سكون النفس إلى الشيء والارتياح له.([8])
  4. إرادة الشيء من غير اعتراض على فاعله. ([9])
  5. القصد إلى الفعل وتفضيله على غيره بمحض إرادته، وبعبارة أخرى : هو القصد المتجه نحو إنشاء التزام ، أو قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه. ([10])

وبالنظر في التعريفات السابقة للرضا في اصطلاح الفقهاء يمكن أن نستنبط تعريفا للرضا في اصطلاح الفقهاء، فنقول مستمدين العون والسداد، والهداية والرشاد من رب العباد :

الرضا في اصطلاح الفقهاء هو: اختيار الشىء بقبول واستحسان

المبحث الثاني: تعريف الجريمة لغة واصطلاحا

تعريف الجريمة لغة:

الجريمة: الذَّنْبُ والجُرْم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة.

والجُرْم: الذنب، وجَرَمَ عليهم: أي جنى عليهم، أي جنى جناية، وجَرُمَ إذا عظم جرمه، والجارم: الجانى، والمجرم: المذنب.

والتَّجَرّم مثل التَّجَنّي، وهو أن يدعى عليك ذنبا لم تفعله، وجَرَمَ ويجْرِمُ : كسب، يكسب، والكسب محمود ومذموم، والجريمة تختص بالكسب المذموم المنهي عنه، ولذلك جاءت كلمة جرم وكان المراد منها الحمل على فعل شىء حملا آثما ، قال تعالى :   { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( المائدة : (8)

أي لا يحملنكم حملا آثما بغض قوم على أن لا تعدلوا معهم، وقال تعالى : { وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } ( هود : (89)

أي لا يحملنكم حملا آثما شقاقى ومنازعتكم لي على أن ينزل بكم عذاب شديد مثل ما نزل بالمكذبين للأنبياء والرسل من قبلكم.

فالجريمة في اللغة: كل فعل مخالف لشرع الله عز وجل والحق والعدل، ويمكن أن نقول: إن الجريمة في اللغة: هي كل فعل مستقبح في شرع أو قانون.([11])

تعريف الجريمة اصطلاحا : 

الجريمة في اصطلاح الفقهاء لها تعريفات كثيرة منها:-

  1. التعريف الأول: الجريمة هي اسم لفعل محرم سواء حل بمال أو نفس .([12])
  2. التعريف الثاني: الجريمة هي كل فعل محظور يتضمن ضررا ، ويكون تارة على نفسه وتارة على غيره .( [13]) 
  3. التعريف الثالث: ما يفعله الإنسان بغيره أو بمال غيره على وجه التعدي.([14])
  4. التعريف الرابع: الجريمة هي عبارة عما ليس للإنسان أن يفعله. ([15])
  5. التعريف الخامس: الجريمة هي ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة .([16])

وهذه التعريفات كلها غير جامعة لأفراد المعرف حيث أنها لا تتناول الجريمة السلبية، والتي هي: ترك شيء محرم معاقب على تركه.

التعريف السادس: الجريمة هي إتيان فعل محرم معاقب على فعله ، أو ترك فعل محرم الترك معاقب على تركه. ([17])

وهذا التعريف غير جامع أيضا لأنه لم يتناول الجريمة القولية كالتحريض على القتل، أو قذف المحصنات ، وغير ذلك كثير من الجرائم التي تكون بالقول وليست بالفعل .

التعريف السابع: الجريمة محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير .([18])

وهذا أوفى التعاريف وهو التعريف المختار ، لأنه يتناول كل ألوان الجريمة الإيجابية والسلبية، والقولية والفعلية.

وصفوة القول أن الجربمة في نظر الباحث هي: إتيان شيء محرم معاقب على إتيانه، أو ترك شيء محرم الترك معاقب على تركه.

الفصل الثاني: رضا المجني عليه بالجريمة

الأركان العامة للجريمة

للجريمة أركان عامة لا بد من توافرها في كل جريمة، وأركان أخري خاصة بكل جريمة علي حدة، والأركان العامة للجريمة ثلاثة :-

  1. الركن الشرعي للجريمة: وهو أن يكون هناك نص يحظر الجريمة ويعاقب عليها.
  2. الركن المادي للجريمة: وهو الفعل المكون للجريمة سواء كان عملا إيجابيا أو سلبيا، ولا بد من توافر علاقة السببية بين الفعل والنتيجة التي هي الأثر المترتب على الفعل الإيجابي أو السلبي.
  3. الركن الأدبي للجريمة: وهي الشروط الواجب توافرها في الجاني، فهذه هي الأركان العامة للجريمة، والتي يجب توافرها بصفة عامة في كل جريمة، ولكن توفر هذه الأركان العامة لا يغني عن وجوب توفر الأركان الخاصة بكل جريمة على حدة حتي يمكن العقاب عليها، وذلك كركن الأخذ خفية في السرقة، وركن الوطء في جريمة الزنا، وغير ذلك من الأركان الخاصة التي تقوم عليها الجرائم المعينة بذواتها.

 والفرق بين الأركان العامة للجريمة والأركان الخاصة، أن الأركان العامة واحدة في كل جريمة، بينما الأركان الخاصة تختلف في عددها ونوعها باختلاف الجريمة ([19]).

المبحث الأول: رضا يهدم ركن الجريمة

الأصل في الشريعة الإسلامية أن رضا المجني عليه بالجريمة وإذنه فيها لا يبيح الجريمة، ولا يرفع حرمتها في الشريعة الإسلامية، ولا يؤثر على المسئولية الجنائية إلا إذا هدم الرضا ركنًا من أركان الجريمة، ومن أمثلة ذلك جرائم إتلاف المال أو قتل الحيوان، فهذه كلها لا تعد جرائم إلا إذا ارتكبت بغير رضا المالك – المجني عليه – أما إذا ارتكبها المالك نفسه أو ارتكبها الغير برضاه، فهي نوع من التصرف في الحق، ولا تقوم بها جريمة، ومن أمثلة ذلك: 

إذا كان شخص يملك حيوانا كبقرة، وذبحه شخص آخر رغما عنه، قامت بهذا الفعل جريمة باعتبار ذلك الفعل اعتداء على ملكيته، أما إذا ذبحه مالكه، أو رخص لشخص آخر في ذبحه فلا تقوم بذلك جريمة، ومن أمثلة ذلك أيضا جريمتا السرقة والغصب، فإن الركن الأساسي فيها هو أخذ المال خفية علي غير رغبة المالك – المجني عليه – ، فإن رضي المجني عليه بأخذ ماله، فلا جريمة حينئذ ([20]).

هذه هي قاعدة الرضا بالجريمة وحكمها في ميزان الشريعة، وهي واضحة كل الوضوح فيما يبدو، والله أعلم، ولكن علي الرغم من وضوحها وقع بعض الخطأ في فهمها وتطبيقها لغير قليل من علمائنا الأجلاء، وسنوضح ذلك فيما يلي :-

1 – الشهيد عبد القادر عودة [1321-1374هـ=1903-1954م] :

وهو واحد من أروع علمائنا الأجلاء وأفضلهم علي مر التاريخ في التشريع الجنائي الإسلامي، وسبحان من تفرد بالكمال وأبى أن يمنح العصمة لعظيم من العظماء، غير المرسلين والأنبياء، وتعليقا علي هذه القاعدة في الرضا بالجريمة، يقول الأستاذ الجليل عبد القادر عودة في مؤلفه الرائع والبديع التشريع الجنائي الإسلامي ([21]):

“وهذه القاعدة العامة تطبقها الشريعة بدقة على كل الجرائم ما عدا جرائم الاعتداء على النفس وما دونها، أي جرائم القتل والجرح والضرب، وكان المنطق يقضي أن تطبق القاعدة على هذه الجرائم أيضاً؛ لأن الرضا لا يهدم ركناً من أركان جريمة القتل أو الجرح أو الضرب، ولكن الذي منع من تطبيق هذه القاعدة هو وجود قاعدة أخرى خاصة بهذه الجرائم، وهي أن للمجني عليه وأوليائه حق العفو عن العقوبة الأصلية في الجناية على النفس وما دون النفس، فلهم أن يعفوا عن القصاص إلى الدية، ولهم أن يعفوا عن القصاص والدية معاً، فلا يبقى بعد ذلك إلا تعزير الجاني إن رأى ذلك أولو الأمر، أي من لهم حق التشريع.

وقد أدى وجود القاعدتين معاً إلى اختلاف الفقهاء على المدى الذي تطبق فيه كل قاعدة، كما جعل آراء الفقهاء في القتل تختلف عن آرائهم في القطع والجرح “.

وتعليقا علىة هذا الكلام أقول مستعينا بربي:

إن الإمام الجليل خلط بين الجريمة والعقوبة، فالجريمة شيء والعقوبة شيء آخر غير الجريمة، فالإمام عبد القادر عودة يقول: ” الذي منع من تطبيق هذه القاعدة هو وجود قاعدة أخرى خاصة بهذه الجرائم، وهي أن للمجني عليه وأوليائه حق العفو عن العقوبة “

فالتناقض هنا واضح، وهو قوله : ” قاعدة أخرى خاصة بهذه الجرائم ، وهي حق العفو عن العقوبة ” فحق العفو عن العقوبة ليس خاصا بالجريمة، وإنما هو خاص بالعقوبة، فللمجني عليه أو وليه في جرائم القتل والقطع العفو عن العقوبة بعد أن تقع الجريمة مكتملة الأركان، فهنا خلط علامة التشريع الجنائي الإسلامي بين قاعدتين:

إحداهما خاصة بالعقوبة ولا علاقة لها بالجريمة من قريب أو بعيد ، وجعلها قاعدة من قواعد الجريمة ، وتحديدا جرائم الاعتداء على النفس وما دونها، فلا علاقة لقاعدة حق العفو عن العقوبة الأصلية أو بدلها بالجريمة بسائر أنواعها .

فإذا أزلنا هذا الخلط اتضح لنا أن الشريعة الإسلامية تطبق القاعدة العامة للرضا بالجريمة على كل الجرائم بما فيها جرائم الاعتداء على النفس وما دونها، وهذه القاعدة والتي سبق ذكرها هي: “رضا المجني عليه بالجريمة وإذنه فيها لا يبيح الجريمة، ولا يرفع حرمتها في الشريعة الإسلامية، ولا يؤثر على المسئولية الجنائية إلا إذا هدم الرضا ركنا من أركان الجريمة كجرائم إتلاف المال أو الحيوان”.

والرضا من المجني عليه لا يهدم ركنا من أركان جريمة القتل أو الجرح أو الضرب، فإذا وقعت جريمة من هذه الجرائم برضا المجني عليه فهي جريمة مكتملة الأركان بلا خلاف فإذا صدر بعد ذلك عفو من المجني عليه أو وليه، فالخلاف هنا في العقوبة وليس في الجريمة، والله أعلم .

2 – الدكتور محمود نجيب حسني ([22]):

ذهب الدكتور محمود نجيب حسني إلى أن الأصل العام أن رضا المجني عليه بارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة ليس سببا لإباحة الفعل، ثم يقول بعد ذلك: ” وعلى خلاف الأصل السابق فإن بعض الجرائم ينال بالاعتداء حقا يرخص الشارع لصاحبه التصرف فيه ونقله إلى غيره فإذا كانت له هذه السلطة ، فإن رضاه بأن يمس غيره بحقه هو تصرف صحيح من ذي سلطة تخوله ذلك، ومن ثم لا تقوم به جريمة”.

وخلاصة رأي الدكتور محمود نجيب حسني:

إذا اكتسب المجني عليه حقا بسبب الاعتداء عليه، أو على ماله، فإذا رخص الشارع للمجني عليه التصرف في حقه، ونقله إلى غيره، أو التنازل عنه، كان الرضا من المجني عليه في هذه الجرائم سببا لإباحتها، وعدم اكتمال أركان الجريمة.

وأقول:

هذا خلط بين الجريمة والعقوبة، وهو لايصح ولا يستقيم، وبه من الخطأ الجسيم ما يعكس حقيقة مراد الشارع الحكيم، والدكتور محمود نجيب حسني هنا يريد أن يضع قاعدة مرادفة لقاعدة: ” رضا المجني عليه لا يبيح الجريمة إلا إذا هدم الرضا ركنا من أركان الجريمة كجريمتي السرقة والغصب “

إلا أن القاعدة التي أتي بها جاءت غير مانعة فهي وإن كانت واضحة وسليمة في المثال الذي ذكره وهو: إذا قام شخص بذبح بقرة لا يملكها فلصاحب البقرة حق أصيل أوجبه له الشارع، وأباح له الشارع أن يتصرف في حقه بالتنازل عنه، أو نقله إلي غيره، ففي هذه الجريمة وأمثالها رضا المجني عليه يجعل الجريمة مباحة، ولكن هذه القاعدة غير مانعة، ويدل على ذلك إذا اعتدى شخص على آخر فقطع يده، أو بتر قدمه، أو فقأ عينه، كان على الجاني القصاص إن كان الاعتداء عمدا، وكان عليه الدية إن تم الاعتداء على سبيل الخطأ، وفي كل ذلك للمجني عليه أن يتنازل عن القصاص إلى الدية، وله أن يتنازل عن القصاص والدية معا.

ولكن هذه السلطة التي منحها الشارع للمجني عليه في هذه الجرائم، بالتصرف في حقه ونقله إلى غيره، لا يجعل من الرضا الصادر من المجني عليه سببا لإباحة هذه الجرائم إطلاقا، لآن جسد الإنسان ملك لله عز وجل وحده، وليس لصاحب الجسد أن يتصرف في جسده، كتصرف المالك فيما يملك، فإذا أذن الإنسان لغيره بأي اعتداء علي جسده كان هذا الاعتداء جريمة بلا خلاف، والخلاف فقط في نوع العقاب بسبب هذا الإذن.

وخلاصة ما سبق :

الجرائم نوعان: جرائم تضر بالمجتمع، وجرائم خاصة تضر بالفرد، فالجريمة العامة التي تمسَ كيان المجتمع لا أثر ولا قيمة لرضا المجني عليه، ولا غير المجني عليه في رفع حرمة هذه الجرائم، ولا في إلغاء المسئولية الجنائية الناشئة عنها.

وأما الجريمة الخاصة التي تمسَ كيان الفرد، فلا أثر ولا قيمة أيضا لرضا المجني عليه، ولا غيره فيها، إلا إذا كانت الجريمة الخاصة يسقط ركنها برضا المجني عليه، وهي فقط جرائم إتلاف المال الخاص بكل أشكاله، من زروع وعقار وحيوان، ومصانع وغير ذلك، وأما رضا المجني عليه في جرائم الاعتداء علي النفس، وما دونها، والأعراض وما شابه، والنسل والدين، فكل هذه الجرائم لا قيمة لرضا المجني عليه، ولا غيره فيها.  

مثال لجريمة يهدر الرضا ركنها

من الجرائم التي يسقط ركنها بالرضا، جريمة السرقة، والسرقة هي: أخذ مال الغير خفية ظلما من حرز مثله بشروط معينة ([23]).

ومن تعريف السرقة في اصطلاح الفقهاء يبدو جليا، أن عدم رضا المجني عليه – المسروق منه – بأخذ ماله هو ركن أساسي لهذه الجريمة، فإذا رضي المجني عليه، بأن يأخذ السارق ماله، فقد غاب عن الجريمة ركن أساسي منها، فلا جريمة حينئذ، فقد جاء في نهاية المطلب ([24]): ”  أن المقَرَّ له بالسرقة من ماله لو حضر وقال: ما سرقه ملكُه، وليس ملكي، أو قال: كنت أبحتُ له أخْذ ما أخذه، فالقطع يسقط، وإن أنكر السارق ذلك “.

وجاء في المغني لابن قدامة [ 541- 620هـ=1146-1223م]: ” وإن أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق، أو قامت به بينة أو أن له فيه شبهة، أو أن المالك أذن له في أخذها أو أنه سَبّلها له لم يقطع “

فالركن الأساسي لجريمة السرقة عدم رضا المجني عليه بأخذ ماله، فإن رضي المجني عليه بأخذ المال كان الفعل مباحا لا جريمة فيه ([25]).

وهذا الأمر مستقر عليه منذ فجر التاريخ في كل قوانين الدنيا تقريبا يوضح ذلك القاعدة الرومانية الشهيرة ” لا يُعَدُ أذى لمن يرضى بالأذى “

فالشريعة الإسلامية وإن بدت متفقة مع القانون الوضعي، في أن رضا المسروق منه في جريمة السرقة يهدر ركن الجريمة، وبالتالي فلا جريمة حينئذ.

إلا أن الشريعة الإسلامية تتفوق علي كل قوانين الدنيا، وتتميز عليها في تحريم تضييع المال من غير مصلحة معتبرة شرعا، وأوجبت علي العبد أن يتصرف في ماله بما فيه المصلحة، فحرم الرب تعالي علي عبده تضييع ماله، الذي هو عونه علي أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بتضييع ماله من غير مصلحة معتبرة شرعا لم يعتبر رضاه في نفي الحرمة ([26]).

المبحث الثاني: رضا لا يهدم ركن الجريمة

الأصل في الشريعة الإسلامية أن الرضا بالجريمة لا يبيح الجريمة إلا إذا كان الرضا بالجريمة يهدم ركنا من أركان الجريمة، كجرائم الاعتداء على الأموال، فإذا كان الرضا بالجريمة لا يهدم ركنا من أركانها كجرائم الاعتداء على البدن، أو ما يعرف بقتل الرحمة، أو الانتحار، فهذه الجرائم لا تباح بالرضا من المجني علىه، ونفصل القول في ذلك في الصفحات التالية

المطلب الأول: الرضا بالاعتداء على البدن

الاعتداء على البدن قد ينتج عنه قتل المجني عليه، وحينها نكون بإزاء جريمة جناية على النفس، فإذا تسبب الاعتداء على البدن في نتيجة دون القتل، فهذه جناية على ما دون النفس، ونوضح فيما يلي أثر رضا المجني عليه في الجنايتين:

أولا: الرضا بالقتل

إذا رضي المجني عليه بالقتل، وأذن للقاتل بارتكاب جريمته، فهل الرضا بالقتل، يبيح جريمة القتل، ويسقط العقوبة أم لا؟

للفقهاء رأيان في ذلك:

الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى أن الرضا بالقتل، والإذن به، لا يبيح الجريمة بحال من الأحوال، ولا يعفي الجاني من العقوبة أبدا، وذلك لأن عصمة النفس مما لا تباح إلا بما نص عليه الشرع، والإذن بالقتل ليس مما يبيح قتل النفس، فكان الإذن عدما لا أثر له في إباحة ما حرم الله، فيبقي الفعل محرما معاقبا عليه، باعتباره جريمة قتل مجرمة في شرع الله عز وجل ([27]).

ولكن أصحاب هذا الرأى، اختلفوا فيما بينهم في تحديد عقوبة هذه الجريمة إلى فريقين:-

الفريق الأول:

وذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول: بأن إذن المقتول ورضاه بالقتل لا يبيح القتل، ولا يمنع الإثم، ولا يرفع المسئولية الجنائية عن القاتل، لكنه – أي الإذن – شبهة تدرأ الحد، وهو القصاص، وتوجب الدية على القاتل، وهذا قول لأبى حنيفة وأبى يوسف، وقول لمحمد من الأحناف، وقال به من المالكية ابن رشد الجد، ورواية ابن حبيب عن أَصْبَغَ، وقال به من الشافعية إمام الحرمين الجوينى، وذلك لما روت أمالمؤمنين عائشة [ 9ق هـ – 58 هـ = 613 – 678م] – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: { ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له أن يخطيء في العقوبة } ([28]). فرضا المجني عليه بالقتل، وإذنه للجاني بارتكاب جريمته، لا يبيح القتل، ولكنه شبهة تدرأ القصاص عن الجاني، وتنزل بالعقوبة من القصاص إلى الدية ([29]).

الفريق الثاني:

وذهب أصحاب هذا الرأي إلى اعتبار الإذن بالقتل، والرضا به الصادر من المجني عليه، لا قيمة له، ولا اعتبار له في شرع الله عز وجل، لأن حرمة قتل النفس لا تباح إلا في أحوال محددة ليس منها الإذن بالقتل، ولا الرضا به، قال تعإلى: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } ( المائدة 32 )  فالإذن بالقتل لا قيمة له، ويجب على الجاني القصاص لا الدية، وهذا قول لزفر من الأحناف، وسحنون من المالكية ٍ([30]).  

الرأي الثاني: وفي مقابل رأي الجمهور الأعظم من الفقهاء، بأن الإذن بالقتل لا يبيح القتل، ولا يرفع المسئولية الجنائية عن القاتل، ذهب قليل من الفقهاء إلى القول: بأن الإذن بالقتل يبيح القتل، ويرفع المسئولية الجنائية عن القاتل، ولا يجب عليه قصاص ولا دية، وهذه رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة، وقول لأبى يوسف.

واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه، بأن من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والإذن بالقتل يساوي العفو عن العقوبة ([31])،ولكن هذا الرأي ضعيف، ومرجوح، ومردود بما سبق من أدلة.

ثانيا: الرضا بما دون القتل:

وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالجناية على ما دون النفس، ومعناه الجناية على بدن الإنسان التي ينتج عنها أثرا غير القتل، كالجرح، أو الضرب، أو القطع، أو إذهاب منفعة العضو مع قطعه، أو مع بقائه، أو غير ذلك.

فهل الرضا بما دون القتل يبيح الجريمة أم لا ؟

للفقهاء رأيان في ذلك:

الرأى الأول: ذهب الشافعية والحنابلة وأكثر الأحناف والمالكية إلى أن الرضا بما دون القتل، لا يبيح الجريمة، ولا يجيزها، ويبقي الفعل على حكم الأصل غير جائز شرعا، لأن الإنسان لا يملك نفسه، ولا أي عضو منها، حتي يأذن بإيقاع أي نصيب من الأذى على النفس، أو ما دون النفس من الضرب، أو القطع، أو إذهاب منافع الأعضاء ([32])، وذلك لما روى أبو برزة الأسلمي [ ت: 65 هـ = 685 م ] – رضي الله عنه – قال:

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: { لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه } ([33]). 

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرضا بالاعتداء على البدن بما دون القتل، لا يبيح الجريمة، ولا يجيزها، لأن الإنسان لا يملك نفسه،  ولا يحق له بأي وجه من الوجوه أن يوقع عليها أي ضرر ([34])، قال تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ( البقرة: 195 ) فلا يجوز للإنسان أن يؤذى نفسه، ولا أن يوقع بها ضرر ما، صغر أو كبر، قل أو كثر، وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة، منها ما روى عبادة بن الصامت (38 ق هـ – 34 هـ = 586 – 654 م) – رضى الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – { قضى لا ضرر، ولا ضرار } ([35])

فإذا كان الرضا بالاعتداء على البدن بما دون القتل لا يجوز شرعا، فما الواجب في ذلك شرعا ؟

 اختلف الفقهاء في ذلك إلى فريقين:-

1 – الفريق الأول:

ذهب بعض الشافعية إلى وجوب القصاص على الجاني، إذا اعتدي على إنسان فأحدث أثرا غير القتل، وكان هذا الاعتداء من الجاني، بناء على رضا المجني عليه وإذنه، فيجب القصاص، لأن الإذن ليس شبهة تدرأ القصاص، لأنه صادر من إنسان لا يملك إيقاع الأذي على نفسه، لأنها ليست ملكا له ([36]).

2 – الفريق الثاني:

على الجاني في هذه الحالة الدية، ولا قصاص عليه،، لأن الإذن الصادر من المجني عليه،  شبهة تدرأ الحد، والحدود تدرأ بالشبهات، وذهب إلى هذا الرأي جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، وجمهور الشافعية ([37]).

الرأى الثانى: الرضا بالاعتداء على البدن بما دون القتل، من الضرب، أو الجرح، أو القطع، أو غير ذلك، يبيح الجريمة، ويرفع المسئولية الجنائية عن الجاني، وذلك لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فكان من حق الإنسان أن يأذن بهذا الاعتداء، وروي هذا الرأي عن بعض الأحناف والمالكية ([38]).

الرأي الراجح: 

والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، من أن الرضا بالاعتداء على البدن بما دون القتل لا يبيح الجريمة، ولا يجعلها جائزة شرعا، ولا يرفع المسئولية الجنائية عن الجاني، لأن بدن الإنسان ليس ملكا له، بل هو ملك لله عز وجل وحده، وإذا كان الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فإن الشارع الحكيم حرم على المسلم أن يضيع ماله، أو أن ينفقه في مالا نفع فيه.

المطلب الثاني: قتل الرحمة

تعريف قتل الرحمة:

عرفه الدكتور يوسف القرضاوى بقوله هو:

تسهيل موت الشخص، بدون ألم بسبب الرحمة لتخفيف معاناة المريض، سواء بطرق فعالة أو منفعلة ([39]).

وهذا التعريف غير جامع لجميع أنواع القتل الرحيم، لأن القتل الرحيم يشمل إنهاء الحياة، أو تسهيل إنهائها بألم، وبدون ألم.

ولكي يكون التعريف جامعا لكل أفراد المعرف، مانعا من دخول ما ليس من قتل الرحمة في التعريف، فأري أن:

قتل الرحمة هو القيام بعمل إيجابي، أو الامتناع عن عمل، لإنهاء حياة مريض ميئوس من شفائه، رحمة به.

وقتل الرحمة نوعان:

  1. قتل الرحمة الإيجابي: وهو القيام بعمل إيجابي، من طبيب أو غيره، لإنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه، شفقة عليه، كإعطائه سما قاتلا، أو دواءً مميتا، بإذن المريض، أو بدون إذنه.
  2. قتل الرحمة السلبي: وهو الامتناع عن عمل ينتج عنه، وفاة المريض الميئوس من شفائه، رحمة به، كعدم إعطائه الدواء، أو عدم توصيله بأجهزة الإنعاش.

 حكم قتل الرحمة

أولا: حكم قتل الرحمة الإيجابي

قتل الرحمة الإيجابي حرام شرعا، ولا يجوز بحال من الأحوال في ميزان الشرع أن يقوم طبيب أو غيره بإنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه بأى صورة من الصور، ولا يمنع من حرمة قتل الرحمة دافع الشفقة من طبيب أو من غيره، بدعوى تخفيف آلام المريض، التى يكابدها، ويعانيها، وسواء في ذلك أذن المريض، ووافق على هذ القتل أم لم يأذن، وذلك لعموم الأدلة والنصوص التي تحرم قتل النفس، والتي جاء بها القرآن الكريم، والسنة المطهرة

ولأن الله سبحانه وتعإلى أرحم بخلقه من أنفسهم، ومن الأم بولدها، قال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } (النساء:29)، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب (40 ق هـ – 23 هـ = 584 – 644 م) – رضى الله عنه – قال: { قَدِمَ علي رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ » قُلْنَا: لَا، وَاللهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – : «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا }([40]).

فالله عز وجل أرحم بعباده كل عباده من الأم بولدها، وذلك رغم كل ما يحدث على ظهر هذا الكوكب للإنسان من مصائب وأهوال، وأحداث جسام، ومصائب عظام، تبقي رحمة الله عز وجل بالإنسان كل الإنسان، ولا يشك في ذلك مؤمن مهما لاقي من ابتلاءات، وامتحانات، فلا يجوز أن يدعي إنسان أنه أرأف بالمريض الميئوس من شفائه من المولي عز وجل، فيجب على المؤمن أن يتلقي قضاء الله وقدره بالصبر والرضا، ويعتبر المرض امتحانا من الله عز وجل، يرفع به الدرجات، ويحط به عنه السيئات إذا اقترن بالصبر والرضا، قال تعالى:  { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155)

وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( ال عمران:200)

وقال تعالى: { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } ( القصص:54)

وعن أبي هريرة (21 ق هـ – 59 هـ = 602 – 679 م) – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلي الله عليه -: { ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتي الهم يهمه إلا كفر الله عنه من سيئاته } ([41])

وعلى المريض وأهله الصبر، ولا يجوز شرعا قتل الرحمة، ولا حتي مجرد تمني الموت طلبا للراحة من آلام المرض، ومصائب الحياة، فعن أنس بن مالك – (10 ق هـ – 93 هـ = 612 – 712 م) – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلي الله عليه -: { لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي } ([42]).

فمجرد تمني الموت حرام شرعا، أما قتل الرحمة، فهو جريمة قتل في ميزان الإسلام، لا يجوز بحال من الأحوال.

وقد يظن البعض، أن مسألة قتل الرحمة من المستجدات في هذا العصر، ولم تكن معروفة عند علماء المسلمين، ولكن فقهائنا الأجلاء قد عرفوا هذه المسألة وتناولوها بالتبيين والتوضيح فجاء

في كشاف القناع ([43]) ما نصه: ” (ولا يجوز قتل البهيمة ولا ذبحها للإراحة لأنها مال ما دامت حية، وذبحها إتلاف لها وقد نهي عن إتلاف المال كالآدمي المتألم بالأمراض الصعبة أو المصلوب بنحو حديد لأنه معصوم مادام حيا ).

فهذا نص من فقهائنا الأجلاء القدامي – يشهد لسبقهم ونبوغهم – على عدم جواز قتل الرحمة، قبل أن يعرف العالم ما يسمي قتل الرحمة.

ثانيا: حكم قتل الرحمة السلبي

للفقهاء في هذه المسألة رأيان:-

الرأي الأول:-

قتل الرحمة السلبي مثله في الحرمة مثل قتل الرحمة الإيجابي، لا فرق بينهما في الحرمة، فكلاهما عدوان على نفس حرم الله قتلها، وتبرير ذلك بالرحمة بالمريض، والشفقة عليه، والتألم لألمه، كل ذلك وأكثر منه بكثير لا يبرر بأي حال من الأحوال قتل الرحمة بشقيه الإيجابي والسلبي.

الرأي الثاني:-

قتل الرحمة السلبي جائز شرعا، لا حرمة فيه، لأن أقصي ما فيه أنه عبارة عن عدم التداوي، والتداوي ليس بواجب شرعا عند جمهور العلماء ([44])، بل إن بعض العلماء كبدر الدين العيني [762-855هـ=1361-1451م] حكي إجماع العلماء على أن التداوي مباح ([45]). لكن قال بوجوب التداوي طائفة قليلة من العلماء كبعض أصحاب الشافعي [150-204هـ=767-820م] والإمام أحمد [164-241هـ-780-855م] كما حكاه في الروضة الندية ([46])، وفي الفتاوي الكبري ([47])،  لشيخ الإسلام ابن تيمية [661-728هـ=1263-1328م]،

فعلى رأي الجمهور القائل: بأن التداوي مباح، يكون قتل الرحمة السلبي مباحا، لأنه ليس فيه أكثر من ترك التداوي،

بل قد تنازع العلماء أيهما أفضل التدواي أم الصبر ؟

فمنهم من قال: الصبر أفضل، لحديث عبد الله بن عباس [3ق هـ-68هـ=616-687م] – رضي الله عنهما – في الصحيحين عن الجارية التي كانت تصرع – يصيبها الصرع – وسألت النبي – صلي الله عليه وسلم – أن يدعو لها، فقال: { إن أحببت أن تصبري ولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك ؟ فقالت: بل أصبر، ولكني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها أن لا تتكشف } ([48]).

المطلب الثالث: الانتحار

الانتحار هو أن يقتل الشخص نفسه، والانتحار نوعان:

انتحار إيجابي: وهو أن يقتل الشخص نفسه بعمل إيجابي كأن يطلق على نفسه الرصاص، أو يشنق نفسه، أو يلقي بنفسه في بحر.

والانتحار السلبي: وهو أن يقتل الشخص نفسه بالامتناع عن عمل، كأن يترك الأكل أو الشرب فترة من الزمن حتي يموت.

ولا فرق بين الاثنين – الانتحار السلبي والانتحار الإيجابي – في ميزان الشرع.

والسؤال هنا، هل رضا الإنسان بقتل نفسه جائز شرعا ؟

لقد جاء الإسلام لحماية وصيانة النفس الإنسانية، ضد أي اعتداء، من الإنسان نفسه، ومن غيره، لذلك كان الانتحار في الإسلام حرام شرعا، بل من أكبر الكبائر،  قال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا }  (النساء:29)   

وقال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } ( الأنعام: 151)

وعن ثابت بن الضحاك [ ت: 45 هـ = 665 م ] – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلي الله عليه وسلم – قال: { من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة } ([49])، وعن جندب بن عبد الله – – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلي الله عليه وسلم – قال: { كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة } ([50]).

فرضا الشخص بقتل نفسه لا يبيح الانتحار بحال من الأحوال، ولا قيمة لهذا الرضا في ميزان الإسلام، ولأن الإنسان لا يملك نفسه، فلا يجوز له قتلها، بل إن الكثير من الفقهاء يعدون قتل النفس وزرا، وجرما أكبر من قتل الغير، والمنتحر فاسق، وباغ على نفسه، حتي قال بعضهم: لا يغسل، ولا يصلي عليه كالبغاة، وقيل: لاتقبل توبته تغليظا عليه ([51]).

بل إن بعض الأحاديث الواردة عن النبي – صلي الله عليه وسلم – تدل علي خلود المنتحر في النار فعن أبي هريرة (21 ق هـ – 59 هـ = 602 – 679 م) – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلي الله عليه -: { من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا } ([52]).

الفصل الثالث: الرضا من طرفي الجريمة

المبحث الأول: الزنا

تعريف الزنا: هو جماع محرم بين رجل وامرأة ليست زوجته ولا ملك يمينه.

والزنا من أكبر الكبائر في الإسلام، واعتبره القرآن الكريم من أقبح الجرائم التي تفتك بالجماعات الإنسانية، لذا قرن النهي عنه بالقتل، فقال سبحانه وتعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } (الإسراء الايات 31،32،33)

فجاء النهي عن الزنا بعد النهي عن قتل البنات وعن دفنهن أحياء، لقبح جريمة الزنا، ولفحشها، ولذا شدد القرآن الكريم في عقوبة الزنا فقال تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله } (النور: 2 )

والرضا بارتكاب جريمة الزنا من الرجل أو من المرأة لا اعتبار له في نظر الشارع، وجريمة الزنا لا تقع أصلا إلا بالرضا، وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنا لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج، أو ولي يذب عن عرضه بنفسه، فعن أبي هريرة، وزيد بن خالد – رضى الله عنهما -، أنهما أخبراه: { أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر، وهو أفقههما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم، قال: «تكلم» قال: إن ابني كان عسيفا عند هذا – قال مالك: والعسيف الأجير – فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك» وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها } ([53]).

فهذا الافتداء الوارد في الحديث أثر مما كانوا عليه في الجاهلية ([54]).

وجاء الإسلام فقرر العقوبة المعروفة للزنا وهي:

جلد مائة وتغريب عام لغير المحصن، والرجم بالحجارة حتي الموت للمحصن، لكل من الرجل والمرأة على السواء، بلا أدني فرق، وهذه العقوبة لمن اقترف هذه الجريمة – الزنا – برضاه، فإن لم يكن أحدهما راضيا فهي جريمة أخري غير الزنا  ليس هنا محل تفصيلها.

المبحث الثاني: الربا

تعريف الربا:

الربا في اللغة: مطلق الزيادة، فهو أي الربا: الزيادة على الشيء، ومنه ” أربي فلان على فلان ” إذا زاد عليه، ” وربا الشيء ” إذا زاد على ما كان عليه فعظم فهو يربو ربوا ([55]).

والربا شرعا:

للربا شرعا تعريفات كثيرة من أفضلها ما يلي:

  1. الربا شرعا هو: الزيادة على أصل المال من غير عوض يقابلها شرط لأحد المتعاقدين، في عقد المعاوضة ([56]).
  2. الربا شرعا هو: كل زيادة مشروطة في العقد خالية عن عوض مشروع ([57]).

والربا حرام في اليهودية والنصرانية والإسلام، بل إن الربا لم يحل في شريعة قط ([58]). قال تعالى: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } ( النساء: 161). وحرمة الربا ثابتة بالقرآن والسنة المطهرة، والإجماع، بل إن حرمة الربا من المعلوم من الدين بالضرورة.

قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ }     ( البقرة: 278،279).

دليل حرمة الربا من السنة:

الأحاديث التي جاءت تنص صراحة على حرمة الربا كثيرة منها:

ما روي عن أبي هريرة (21 ق هـ – 59 هـ = 602 – 679 م) – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،

والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات } ([59]). وعن عبد الله بن مسعود [ ت: 32 هـ – 653 م] – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم -: { لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه } ([60]).

وهذه الحرمة الثابتة للربا وآكله، وموكله، وشاهده، وكاتبه، وكل من أعان عليه، والتي هي ثابتة في كل الأديان، والشرائع، لا يرفعها ولا يخفف منها رضا أي من العاقدين بالربا، ولا رضا العاقدين كلاهما بالتعامل بالربا، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية [661-728هـ=1263-1328م] قال عن الربا، وعن التراضي عن التعامل بالربا: ” الربا هو آخر ما حرمه الله عز وجل، وهو مال يؤخذ برضا صاحبه “([61])

فرضا العاقدين أو أحدهما عن التعامل بالربا لا أثر له قط في رفع حرمة التعامل بالربا.

المبحث الثالث: الرياضة العنيفة

الإسلام يحث على الاهتمام بالبدن، وبكل ما يحافظ على البدن من الغذاء، والدواء، وممارسة الرياضة التي تنفع الجسم، وتقوي البنيان، قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } ( الأنفال: 60 )

وفي الحديث الصحيح: { إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه } ([62]).

وأخرج البيهقي [ 384- 458هـ =994-1066م ] في شعب الإيمان ([63])، عن عبد الله بن عمر [10ق هـ – 73 هـ = 613 – 692 م ] – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – { علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة الغزل } 

وعن عمر بن الخطاب [40ق هـ- 23 هـ = 584 – 644 م ] – رضي الله عنه – موقوفا { علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي } ([64]).

فالإسلام يأمر بالاهتمام بالقوة بكل أشكالها، القوة المعنوية والتي من أهمها الإيمان بالله عز وجل، وألا يخشى المؤمن أحد سوي الله عز وجل، و كذلك يأمر الإسلام بالعناية بكل أشكال القوة المادية وصورها المختلفة، من العلم والرياضة وغير ذلك.

والرياضة العنيفة في الإسلام منها ما هو مباح، ومنها ما هو حرام، فالمباح كل رياضة  لا تلحق أذي أوضررا بأي من اللاعبين، وذلك كالمصارعة العربية، والتي يسميها البعض مصارعة رومانية، وهي تقف عند أن يطرح اللاعب منافسه أرضا فقط، ولا يلحق به أذي أو ضرر فوق ذلك، ويدل على صحة هذا النوع من الرياضة العنيفة ما رواه أبو داود [ 202 – 275 هـ = 817 – 889 م ] وغيره في سننه، عن ركانة بن عبد يزيد أنه صارع النبي – صلى الله عليه وسلم -، فصرعه النبي عليه الصلاة والسلام } ([65]).

وأما الرياضة العنيفة التي حرمها الإسلام، فهي كل رياضة تلحق الضرر باللاعب أو المنافس، وذلك مثل الملاكمة، والمصارعة الحرة، ومصارعة الثيران، فكل هذه الأنواع من الرياضة حرام في الإسلام، لأنها تقوم علي أساس استباحة إيذاء كل من المتنافسين للآخر إيذاءً بالغا في جسده، قد يصل إلى العمي أو التلف الحاد، أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البليغة، وأحيانا كثيرة إلى الموت. فكل هذا أو بعضه يجعل من هذه الألعاب العنيفة عملا محرما في الإسلام، لقوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة: 195)

وعن أبي هريرة (21 ق هـ – 59 هـ = 602 – 679 م) – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلي الله عليه -: { وإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه } ([66]). ولعبة مثل الملاكمة تقوم أساسا على ضرب الوجه، فهي مخالفة لنص الحديث الشريف، فتكون لعبة محرمة، وأكثر من ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر [773- 852 هـ = 1372 – 1448 م ] في الفتح ([67]): ” ويدخل في النهي كل من ضرب في حد، أو تعزير، أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة [ ت: 52 هـ = 672 م ] وغيره عند أبي داود [ 202 – 275 هـ = 817 – 889 م ] وغيره في المرأة التي زنت فأمر النبي – صلي الله عليه وسلم – برجمها، وقال: { ارموا واتقوا الوجه } ([68])، وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه، فمن دونه أولي، قال النووي [ 631 – 676 هـ = 1234 – 1278 م ]: قال العلماء: إنما نهي عن ضرب الوجه، لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل، أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش، لظهورها، وبروزها، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين “

فلعب الملاكمة حرام شرعا للاعب والمنافس، لما ينتج عنها من ضرر وأذي كبير، ومثل الملاكمة في الحرمة كل أنواع الرياضة التي توقع الأذي والضرر ببدن الإنسان، ولا أثر ولا قيمة ولا اعتبار لرضا اللاعب أو المنافس على هذا الحكم، لأن بدن الإنسان أمانة، وهو في الوقت ذاته ليس ملكا للإنسان، فيحرم على المسلم أن يوقع الأذي بنفسه أو بغيره.  

الفصل الرابع: رضا غير المجنى عليه

الرضا بالجريمة من أي إنسان يعتبر في نظر الإسلام كالجريمة ذاتها، بلا أدني فرق، ومقترف جرم الرضا بالجريمة مجرم في نظر الإسلام كالجاني سواء بسواء، ودل على صحة هذا القول: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، والآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم .

أولا: الأدلة من القرآن الكريم:

1 – قال تعالى: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (آل عمران: 181)

وجه الدلالة:

قال أبو المفسرين الإمام الطبري [224 – 310 هـ = 839 – 923 م ] في تفسيره ([69]): ” فإن قال قائل: كيف قيل: { وقتلهم الأنبياء بغير حق } وقد ذكرت الآثار، أن الذين عنوا بقوله { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير } بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد – صلي الله عليه وسلم – ولم يكن من أولئك أحد قتل نبيا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيا من أنبياء الله فيقتلوه ؟

قيل: إن معني ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عني الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم، وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك، واستجازته، فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم “

وقال الإمام القرطبي [ 600 – 671 هـ = 1204 – 1273] في تفسيره ([70]): ” قوله تعالى: (وقتلهم الأنبياء بغير حق) أي ونكتب قتلهم الأنبياء، أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء، لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم، قلت: – أي الإمام القرطبي – وهذه مسألة عظمى، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية.”

وجاء في تفسير الخازن [678 – 741 هـ = 1280 – 1343 م ] ([71]): ” وإنما نسب قتل الأنبياء إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وإنما فعله أسلافهم وأوائلهم لأنهم رضوا بفعلهم فنسب إليهم. وقيل في معنى الآية: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ونكتب عليهم أيضا رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء “

2 – قال تعالى: {  وَقَدْ نَزَّلَ عليكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } (النساء:140)

وجه الدلالة:

قال الإمام البغوي [ ت: 510 هـ = 1114 م ] في تفسيره ([72]): ” إنكم إذا مثلهم – أي – إن قعدتم عندهم، وهم يخوضون ويستهزئون، ورضيتم به، فأنت كفار مثلهم “

وقال الإمام فخر الدين الرازي [ 544 – 606 هـ = 1150 – 1210 م ] في تفسيره مفاتيح الغيب، والمسمي بالتفسير الكبير ([73]): ” قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه، وخالط أهله، وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشر، بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل ها هنا “

3 – قال تعالى: { فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عليهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا } (الشمس:14)

وجه الدلالة:

قال الإمام المراغي [ ت: 1371 هـ = 1952 م ] في تفسيره ([74])، تعقيبا على هذه الآية { فكذبوه فعقروها }: ” إنهم لما رضوا بهذا الفعل، نسب إليهم جميعا، كأنهم صنعوه معه “

وجاء في تفسير اللباب([75]): ” فعقروها أي عقرها الأشقي، وأضاف إلى الكل،لأنهم رضوا بفعله

فالقاتل للناقة كان واحدا فقط، وأضاف المولي سبحانه وتعالى الفعل إلى الجماعة، ووصفهم بأنهم جميعا قتلة، وعاقبهم جميعا عقاب القاتل مع أنهم لم يباشروا الفعل، وسبب ذلك هو رضاهم بما فعل ذلك القاتل ([76]).

فنصوص القرآن صريحة في إفادة أن الرضا بالمعصية كالمعصية، وأن الرضا بالجريمة كالجريمة.

والخلاصة:

نهي القرآن الكريم المسلمين عن مجرد مجالسة الكفار والمنافقين، واعتبار من خالف هذا الأمر من المسلمين، وجلس مجرد الجلوس مع الكفار، أنه كافر مثلهم إن رضي بما هم عليه، حتي ولو لم يتكلم، كل ذلك يستلزم النهي على آكد وجه، وأبلغه، عن الرضا بالمعصية صغيرة كانت، أو كبيرة، لأن الرضا بالمعصية كالمعصية، والرضا بالجريمة كالجريمة ذاتها.

ثانيا: الأدلة من السنة المطهرة:

1 – عن العُرْسِ بن عميرة الكندي، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: { إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها – وقال مرة: فأنكرها – كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها } ([77]).

وجه الدلالة:-

قال العلامة ابن رجب الحنبلي [736 – 795 هـ = 1336 – 1393 م ] في تعليقه على هذا الحديث ([78]): ” من غاب عن معصية فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها، لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات “

2 – عن أبي سعيد الخدري [10 ق هـ – 74 هـ = 613 – 693 ] – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلي الله عليه وسلم – يقول: { من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان } ([79]).

وجه الدلالة:

الأمر بالمعرف، والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بالكتاب والسنة والإجماع ([80])، فإن لم يستطع الإنكار باليد أو اللسان، فلا أقل من الانكار بالقلب، وأول مراتب الإنكار بالقلب ألا يرضي عن المنكر، فإن من رضي بالمعصية لن ينكر بقلبه، ومن لم ينكر بقلبه، فقد ارتكب إثما عظيما بإجماع أهل العلم ([81]).

واتضح مما سبق أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم، وأقل مراتب الإنكار: تكون بالقلب لمن عجز عن الإنكار باليد أو اللسان، وأدني مراتب الإنكار بالقلب هي كراهية المنكر، وعدم الرضا به ([82]).

ويزيد الأمر وضوحا العلامة أبو الحسن الهروي [ ت: 1014 هـ = 1606 م ] فيقول ([83]):

” إذا رأي منكرا معلوما من الدين بالضرورة فلم ينكره، ولم يكرهه، ورضي به، واستحسنه كان كافرا ” 

3 – عن أم سلمة [ 28 ق هـ – 62 هـ = 596 – 681 م ]- رضي الله عنها – زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: { إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله: أفلا  نقاتلهم ؟ قال: لا ما صلوا } ([84]).

وجه الدلالة:

قال النووي في شرح مسلم ([85]) تعقيبا على هذا الحديث [ 631 – 676 هـ = 1234 – 1278 م ]: ” وقوله صلى الله عليه وسلم: { ولكن من رضي وتابع } معناه: ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به، أو بأن لا يكرهه بقلبه “

فالرضا بالجريمة كالجريمة ذاتها، والرضا بالمعصية كالمعصية نفسها.

4 – عن أنس بن مالك (10 ق هـ – 93 هـ = 612 – 712 م) – رضي الله عنه –  أن رجلا سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الساعة، فقال: متى الساعة ؟ قال: «وماذا أعددت لها ». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله –  صلى الله عليه وسلم – فقال: «أنت مع من أحببت» ([86]).

وجه الدلالة:

قال العلامة محمد إسماعيل الصنعاني (1099- 1182هـ = 1688- 1768م) في التنوير([87]):

” في هذا الحديث دليل على أن أعمال القلوب كأعمال الجوارح في الإثم وعدمه، وفيه دليل على أن الرضا بالقبيح قبيح”.

 فالحديث ينص على أن من أحب الرسول – صلي الله عليه وسلم – حشر معه، ومن أحب ظالما حشر معه، ومن أحب قاتلا حشر معه، ومن أحب كافرا حشر معه، وما ذلك إلا لأن الرضا بالمعصية كالمعصية، والرضا بالجريمة كالجريمة.

ثالثا: الإجماع:

  الرضا بالجريمة كالجريمة ذاتها بلا أدني فرق، بين المباشر للجريمة بجوارحه والراضي بها فقط بقلبه، فالشارع الحكيم يسوي بين المباشر بيده وجوارحه، وبين الراضى بقلبه فقط، حتى ولو لم يحرض الراضى على الجريمة، ولم يشجع عليها، ولم يكافيء الجانى، ولم يثنى عليه بعد إتيان الجريمة.

فالرضا بالمعصية في ميزان الإسلام كالمعصية ذاتها، مهما كان حجم هذه المعصية، كبيرة كانت أم صغيرة.

هذا الحكم الذى هو التسوية بين المباشر للجريمة، وبين الراضى بها فقط أجمع عليه علماء الإسلام قاطبة، وقد نص فقهائنا الأجلاء على أن الرضا بالكفر كفر بالإجماع ([88]).

وإذا كان الكفر هو أكبر الكبائر في الإسلام، وأعظم الذنوب والمعاصى في شرعنا الحنيف، فيكون من باب الأولى الرضا بأى معصية كالمعصية ذاتها بالإجماع.

رابعا: الآثار عن السلف رضوان الله عليهم:

1 – روى عن عمر بن عبد العزيز [61 – 101 هـ = 781 – 720 م ] – رضى الله عنه – أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية { إنكم إذا مثلهم }، أي إن الرضا بالمعصية معصية،

ومعنى حمل عليه الأدب أى شدد عليه العقوبة ([89]).

2 – حَسَّنَ رَجُلٌ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ [19 – 103 هـ = 640 – 721 م ]، قَتْلَ عُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: شَرِكْتَ فِي دَمِهِ. فَجَعَلَ الرضا بالقتل قتلا، رضي الله عنه ([90]).

والخلاصة:

أن الرضا بالجريمة كالجريمة، والله أعلم.

الخاتمة

توصل هذا البحث بفضل الله سبحانه وتعالى إلى عدد من النتائج من أهمها ما يلى:-

  1. الرضا لغة: بمعنى سرور القلب، وطيب النفس، وهو ضد السخط والكراهية. وفي اصطلاح الفقهاء هو: اختيار الشىء بقبول واستحسان.
  2. تعريف الجريمة لغة: الجريمة: الذَّنْبُ والجُرْم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة. وفي اصطلاح الفقهاء: إتيان شيء محرم معاقب على إتيانه، أو ترك شيء محرم الترك معاقب على تركه.
  3. قاعدة الرضا بالجريمة: الأصل في الشريعة الإسلامية أن رضا المجني عليه بالجريمة وإذنه فيها لا يبيح الجريمة، ولا يرفع حرمتها في الشريعة الإسلامية، ولا يؤثر على المسئولية الجنائية إلا إذا هدم الرضا ركنا من أركان الجريمة.
  4. تحرير القول في قاعدة الرضا بالجريمة: الجرائم نوعان: جرائم تضر بالمجتمع، وجرائم خاصة تضر بالفرد، فالجريمة العامة التي تمسَ كيان المجتمع لا أثر ولا قيمة لرضا المجني عليه، ولا غير المجني عليه في رفع حرمة هذه الجرائم، ولا في إلغاء المسئولية الجنائية الناشئة عنها. وأما الجريمة الخاصة التي تمسَ كيان الفرد، فلا أثر ولا قيمة أيضا لرضا المجني عليه، ولا غيره فيها، إلا إذا كانت الجريمة الخاصة يسقط ركنها برضا المجني عليه، وهي فقط جرائم إتلاف المال الخاص بكل أشكاله، من زروع وعقار وحيوان، ومصانع وغير ذلك، وأما رضا المجني عليه في جرائم الاعتداء على النفس، وما دونها، والأعراض وما شابه، والنسل والدين، فكل هذه الجرائم لا قيمة لرضا المجني عليه، ولا غيره فيها.
  5. إذن المقتول للقاتل ورضاه بالقتل: ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الإذن بالقتل لا يبيح القتل، ولا يرفع المسئولية الجنائية عن القاتل، ويجب على القاتل الدية لأن الإذن شبهة تسقط القصاص، وقيل يجب القصاص. وذهب قليل من الفقهاء إلى القول: بأن الإذن بالقتل يبيح القتل، ويرفع المسئولية الجنائية عن القاتل، ولا يجب عليه قصاص ولا دية.
  6. قتل الرحمة هو: القيام بعمل إيجابي، أو الامتناع عن عمل، لإنهاء حياة مريض ميئوس من شفائه، رحمة به. وقتل الرحمة نوعان: 1 – قتل الرحمة الإيجابي: وهو القيام بعمل إيجابي، من طبيب أو غيره، لإنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه، 2 – قتل الرحمة السلبي: وهو الامتناع عن عمل ينتج عنه، وفاة المريض الميئوس من شفائه، رحمة به،
  7. حكم قتل الرحمة: أولا: حكم قتل الرحمة الإيجابي: قتل الرحمة الإيجابي حرام شرعا، ولا يجوز بحال من الأحوال في ميزان الشرع أن يقوم طبيب أو غيره بإنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه بأى صورة من الصور. ثانيا: حكم قتل الرحمة السلبي:- للفقهاء في هذه المسألة رأيان:- الرأي الأول:- قتل الرحمة السلبي مثله في الحرمة مثل قتل الرحمة الإيجابي، لا فرق بينهما في الحرمة. الرأي الثاني:- قتل الرحمة السلبي جائز شرعا، لا حرمة فيه، لأن أقصي ما فيه أنه عبارة عن عدم التداوي.
  8. الانتحار في الإسلام حرام شرعا، بل من أكبر الكبائر،  قال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا }  (النساء:29)  .
  9. الزنا: هو جماع محرم بين رجل وامرأةليست زوجته ولا ملك يمينه. والزنا من أكبر الكبائر في الإسلام.
  10. تعريف الربا: الربا في اللغة: مطلق الزيادة. والربا شرعا هو: الزيادة على أصل المال من غير عوض يقابلها شرط لأحد المتعاقدين، في عقد المعاوضة. والربا حرام في اليهودية والنصرانية والإسلام، بل إن الربا لم يحل في شريعة قط.
  11. الرياضة العنيفة هي: كل رياضة تلحق الضرر باللاعب أو المنافس، وذلك مثل الملاكمة، والمصارعة الحرة، ومصارعة الثيران، فكل هذه الأنواع من الرياضة حرام في الإسلام.
  12. حكم رضا غير المجنى عليه بالجريمة: الرضا بالجريمة من الغير، هو كارتكاب الجريمة، والرضا بالمعصية، كالمعصية تماما، وهذا في حساب الآخرة لا في قوانين الدنيا.