السعادة من ثمرات تطبيق شرائع الدين وأركانه

السعادة من ثمرات تطبيق شرائع الدين وأركانه

جاء في الحديث الشريف أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه، بني الإسلام على خمس دعائم، شهادة أن لا إله إلاّ الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة أي المداومة عليها، والمراد الإتيان بها بشروطها وأركانها، وإيتاء الزكاة أي إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص، والحج إلى بيت الله الحرام، وصوم شهر رمضان.

سعادة الدنيا والآخرة

بيّن الحديث أنّ أركان الإسلام التي فيها سعادة الدنيا والآخرة خمس، على العبد أن يحرص على أدائها كما علّمنا إياها الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم -، وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين، وعليه اعتماده، وقد جمع أركانه في لفظ بليغ وجيز.

دعائم بنيان الإسلام خمس

قال ابن رجب: والمقصودُ تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيانُ من دونها، وبقيةُ خصالِ الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيانُ وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقضِ هذه الدعائم الخمس؛ فإنَّ الإسلام يزولُ بفقدها جميعِها بغير إشكالٍ، وكذلك يزولُ بفقدِ الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله.

كلمة السعادة الحقيقية

مفهوم الشَّهادَة : أي الخَبرُ القاطعُ، والشهادة هنا بمعنى: الإقرار بكلمة التوحيد، (وهي قولنا: لا إله إلا الله) وتسمّى العبارة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) الشهادتين، فإنّ معنى الشهادة هنا هو الإعلام والبيان لأمر قد علم والإقرار والاعتراف به، وسمّي النطق بالشهادتين بالتشهّد، وهو صيغة (تفعّل) من الشهادة، والشَّهادتان عَلَمُ الإسلام، وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا، وهما أصل كل سعادة، وبهما يبتدأ العبد بتحقيق منهج السعادة الحقيقية، والشهادتان مِنْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاعٍ، وليسَ المرادُ الإتيان بلفظهما دونَ التَّصديق بهما، فعُلِمَ أنَّ التّصديقَ بهما داخلٌ في الإسلام.

 بشرى للمسلمين

قال أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه -: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -، وَمَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ: «أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – نُبَشِّرُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَرَجَعَ بِنَا إلى رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَتَّكِلَ النَّاسُ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم » صححه الألباني، في الحديث بشرى للعباد أنّ من حقّق الشهادتين بصدق دخل الجنة دار السعداء، وقد قيّد الحديث تحقيقها بصدق بخلاف القول فقط.

 سبب لدخول الجنة

وقال الرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» رواه البخاري، وهذا حديث آخر فيه بشرى للمسلمين أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة إمّا قبل دخوله النار أو بعده بفضل الله ورحمته، واقتصر الحديث على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ولم يذكر إثبات الرسالة؛ لأنّ نفي الإشراك يستدعي إثباتها للزوم أنّ من كذّب رسل الله فقد كذّب الله ومن كذّب الله فهو كافر، والمراد من لقي الله موحّدًا بسائر ما يجب الإيمان به، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أخاف أن يتّكلوا» أي أخاف اتكالهم على مجرد التوحيد.

 الصلاة طمأنينة القلب

الصلاة صلة بين العبد وربه، يجد العبد فيها لذة وراحة، ويشعر بقرب من الرحمن وانشراح إن أدّاها أداءً صحيحًا بشروطها وأركانها وواجباتها، مع تحقيق الخشوع والطمأنينة حتى يحظى بسعادة الدّارين.

وللصلاة تأثير كبير وفعال في علاج الإنسان من الهم والقلق، وبث الهدوء والسكينة في النفس، فوقوف الإنسان أمام ربه في خشوع واستسلام وفي تجرد كامل عن مشاغل الحياة ومشكلاتها، يبعث الهدوء والاطمئنان، ويقضي على القلق وتوتر الأعصاب الذي أحدثته ضغوط الحياة، وقد كان هذا هديه – صلى الله عليه وسلم – مع الصلاة حتى سماها راحة كما في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ». صححه العلامة الألباني

 المحافظة على الصلاة

قال عبد الله بن مسعود: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ – صلى الله عليه وسلم – سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إلى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفّ». رواه مسلم

في هذا الأثر بيان أنّ المحافظة على الصلاة سبب للسرور والسعادة الحقيقية للعبد حينما يلقى الله -تعالى-؛ حيث إنّ الصلاة صلة بين العبد وربه في الدنيا؛ فإذا أدّاها العبد صحيحة الأركان، حاضر القلب ومطمئن الجوارح، كانت له راحة وسكنا من هموم الدنيا، وقرّبته من الله -تعالى-، وجلبت له كل خير ورزق، وإذا صلحت صلاته صلحت حياته وسعد، ومن ثمّ فاز بالنعيم الأبدي في الآخرة.

 الزكاة طهرة للأموال والأبدان

الزكاة تطهير لمال العبد وبدنه، وفيها تدريب للعبد على العطاء والرحمة والإحساس بالآخرين، وفي وجوبها حكمة عظيمة، ومن أدّاها حصلت له السعادة والطمأنينة والبركة في الرزق والحياة، والزكاة طهرة لقلب العبد، تعلمه أن سعادته بإسعاد الآخرين، فمتى حرص العبد على إسعاد غيره، تحققت له السعادة، وصفات الرحمة والتعاون والعطاء صفات راقية ترقى بالعبد من دناءة الدنيا إلى نعيم القلب وراحته وسعادته، وهذا أمر مجرّب ومشاهد في الحياة، فمن أسعد غيره حصلت له الراحة والسرور.

قال أَبو أُمَامَة: «سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي أُمَامَةَ: مُنْذُ كَمْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – هَذَا الْحَدِيثَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً».صححه الألباني

وسياق هذا الحديث يدلّ على أن سعادة المرء وفوزه بالجنّة معلق بتقوى الله، وأداء هذه الأركان، ولا يدل الحصر عليها فقط، فهناك أمور أخرى لم تذكر في الحديث، إنّما جاء الحديث في ذكر بعض الأعمال التي يترتب عليها الجزاء بدخول الجنة دار القرار.

الحجّ عبادة عظيمة وتربية ربانية

الحج من أكثر العبادات التي تجعل روح العبد ترفرف سعادة وحبورًا؛ فهو في بيت الله الحرام، يؤدي عبادات جليلة فيها تعظيم للرب- سبحانه-، وفيها تأكيد عقيدة المسلم، وفيها توبة للعبد، ومشاركة مع المسلمين، ففي الحج أعمال كثيرة تؤدّي إلى السعادة الحقيقية، فقد سئل النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» متفق عليه، وجاء هنا لفظ الإيمان نكرة ليشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المتبع للأعمال الصالحة، والمبرور من البر، وهو هنا بمعنى المقبول أو لم يخالطه إثم أو لا رياء فيه أو لا تقع فيه معصية.

الصبر على تحمل المشاق

والحج يعلم الناس الصبر على تحمل المشاق، ويدربه على جهاد النفس والتحكم في شهواتها وأهوائها، ويعالج الحج الكبر والزهو والعجب بالنفس، والتعالي على الناس، ويقوي رابط المحبة والأخوة الإسلامية، ويبث مشاعر السكينة والطمأنينة والسرور والانشراح والسعادة، وقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَةُ إلى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» صححه الألباني، الإنسان حينما يؤدّي الحج أو العمرة يشعر بسعادة تشع قلبه، ونور وبركة وتزكية، فلا عجب أن تكون زيارة البيت الحرام سببًا أصيلًا لسعادة المرء.

الصيام دربة للعبد على ضبط النفس

من فضائل الصوم إصلاح الغريزة، وترويضها على الوقوف عند حدود الشرع والعقل، والالتزام بمنهج الدين وتقوية الإِرادة، وسدّ مداخل الشيطان، وفيه تربية للنفس، وإحساس بالآخرين، ما يؤدّي إلى تحقيق السعادة النفسيّة في الدنيا بضبط النفس ومجاهدتها، والنجاة من النار في الآخرة والوصول لدار السعداء جزاء للأعمال الصالحة.

فضيلة الصيام

وفي فضيلة الصيام قال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» متفق عليه، ومعنى الصوم جنّة أنه يستر من الآثام أو من النار، أو من جميع ذلك، ومن مزاياه مضاعفة حسنات الصائمين بغير حساب، وهو معنى «وأنا أجزي به» أي أضاعف الثواب عليه بلا حدود؛ لأنّ الاستثناء يدلّ على أنّ مضاعفة أجر الصيام لا حدّ له.

وللصيام فوائد عدة: فهو يقوي الإرادة، وينمي القدرة على التحكم في شهوات النفس وأهوائها، وفيه تدريب للإنسان على تحمل الحرمان والصبر عليه، وفي ذلك إعداد له لتحمل ما يمكن أن يتعرض له في الحياة من أنواع الحرمان المختلفة.

د.سندس عادل العبيد
المصدر : مجلة الفرقان الكويتية

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات