اشتهر أن الفقه علم واحد، مع أنه أكبر علوم الشريعة قاطبة، وفي الوقت ذاته يقال: علم أصول الفقه، ويقال: علوم الحديث، ويقال علوم القرآن، وإن كان يقصد بعلوم القرآن أنواعه، فكذلك الفقه له أنواع، ولهذا كان من الأجدر أن يقال: علوم الفقه، وهي كل العلوم أو الأنواع التي تتعلق بالأحكام والتشريع، تأصيلا وتفريعا، وإن تميز علم أصول الفقه عن علم الفقه، ولهذا أفرد عنه، وهو كذلك ليس علما واحدا، بل حزمة علوم يمكن تسميتها (علوم أصول الفقه)، ولكن الحديث هنا عن علوم الفقه.

وللأسف فقد انحصرت بنية الفقه في معرفة الأحكام الفرعية التي يقصد بها استخراج حكم لحادثة عن طريق الاجتهاد، أو ترجيح حكم على آخر في المسائل الاختلافية، وكان الانشغال الأكبر لهذه المساحة من الفقه وقامت جل المدارس عليها تصنيفا وتدريسا، ومازال التفكير الجزئي هو الغالب على الفقه مع أهميته.

ولما كان الفقه علما متجددا، كان من الواجب النظر إلى بنية علم الفقه ودوره الاجتماعي والمعرفي في إحياء فكر الأمة وعقلها، مما يستوجب إعانة النظر إلى الفقه من زوايا متعددة متكاملة، تعيد له حيويته ودوره الحضاري في نهضة الأمة، من خلال منظومة علوم الفقه، واستحضارها والجمع بينها في التكوين العلمي للفقيه، وفي استحضارها عند النظر الاجتهادي في القضايا المعاصرة، حتى يكون الفقه كما كان علم الحياة والناس.

وقد ذكر الزركشي الشافعي أن أنواع الفقه عشرة، والحق أنها تزيد على ذلك، والأنواع العشرة التي ذكرها الزركشي هي:

(النوع الأول): فقه الأحكام

ويشمل الأحكام التي عرفت عن طريق النص بلا اجتهاد، أو الأحكام التي جاءت عن طريق الاستنباط، وهو ما ينصرف الذهن إليه عند قولنا كتب الفقه. ويدخل في هذا المتون وشروحها والحواشي، كما يدخل فيه: فقه المذاهب والفقه المقارن.

(النوع الثاني): الجموع والفروق

هي القواعد التي تجمع المسائل المتفرقة، والفروق بين المسائل المتشابهة، حتى قال بعض السلف: “الفقه فرق وجمع“، والمقصود من هذا النوع البحث عن الفرق المؤثر بين مسألتين، مالم يغلب على الظن أن الجامع أظهر، والأصل تقديم الجمع بين المسألتين على افتراقهما، وإن انقدح فرق على بعد، ومن أبرز ما صنف في هذا الفن:

  • في المذهب الحنفي:
    1. الفروق، لأبي الفضل الكرابيسي السمرقندي
    2. الفروق لجمال الدين أبي المظفر الكرابيسي
    3. تأسيس النظر، لأبي زيد الدبوسي
    4. الأشباه والنظائر، لابن نجيم
  • في المذهب المالكي:
    1. أنواع البروق في أنواء الفروق، المعروف بالفروق للقرافي.
    2. عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق، لأبي العباس الونشريسي.
    3. الفروق الفقهية، للقاضي عبد الوهاب المالكي.
  • في المذهب الشافعي:
    1. الجمع والفرق، لأبي محمد الجويني
    2. الفروق، لأبي العباس ابن سريج
    3. المعاياة لأبي العباس الجرجاني
    4. الأشباه والنظائر للسيوطي
  • في المذهب الحنبلي:
    1. الفروق لابن سنينه
    2. الفروع الفقهية لابن مفلح

(النوع الثالث): بناء الفروع على الفروع

وذلك لاجتماعها في مأخذ واحد، وهي أنواع فرعية:

  • الأول: بناء الوجهين، وهما فرعان: بناء الوجهين على القولين. وبناء الوجهين على الوجهين إذا كان المأخذ في الأصل أقوى.
  • والثاني: بناء القولين، وهما فرعان: بناء القولين على القولين. وبناء القولين على الوجهين، وهو مما يستنكر كثيرا، وجوابه أن الوجهين مأخذهما قولان فلم نبن القولين في الحقيقة إلا على قولين، وأحسن ما كتب فيه السلسلة للجويني، وقد اختصره الشيخ ابن القماح.
  • ومن أشهر مراجعه أيضا: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني.

(النوع الرابع): المطارحات

هي المسائل العويصة التي يقصد بها تنقيح الأذهان، وقد قال الشافعي رضي الله عنه للزعفراني (رحمه الله): تعلم دقيق العلم كي لا يضيع. ومن أبرز التصانيف فيه: كتاب المطارحات لابن القطان الشافعي، وكتاب المنثور في القواعد الفقهية (المطارحات) للزركشي.

(النوع الخامس): المغالطات

وهي مسائل فقهية تشبه الصحيح ولكنها فاسدة، والقصد منها تدريب الفقيه على تمييز الصحيح من الفاسد. وهي منثورة في كتب المطارحات والمناظرات وكتب الأشباه والنظائر ونحوها.

(النوع السادس): الممتحنات

هي المسائل الفقهية التي يمتحن بها فهم الفقيه ودقته.

(النوع السابع): الألغاز

هي المسائل الفقهية التي يحتاج الفقيه إلى ذكاء في حلها وتفكيكها. ومن أهم المصنفات فيها: درة الغواص في محاضرة الخواص، لابن فرحون المالكي، وحلية الطراز في حل مسائل الألغاز لأبي بكر الجراعي الحنبلي، والذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية، لابن الشحنة الحنفي.

(النوع الثامن): الحيل

هي ما يسترع الشارع إباحته للتخلص من ضيق أو مكروه، وقد صنف فيه أبو بكر الصيرفي وابن سراقة وأبو حاتم القزويني وغيرهم. ومن أشهر تصانيفه: كتاب الحيل لأبي حاتم القزويني، وكتاب الحيل للخصاف، وكتاب الحيل والمخارج لأبي جعفر القزويني، وأفرد ابن القيم جزءا خاصا بالحيل في كتابه إعلام الموقعين.

(النوع التاسع): الأفراد

هي معرفة الأوجه الغريبة أو المنفردة بكل مذهب: ويعرف من طبقات الفقهاء.

(النوع العاشر): الضوابط والقواعد

معرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد إليها أصولا وفروعا. وهذا أنفعها وأعمها وأكملها وأتمها وبه يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الجهاد وهو أصول الفقه على الحقيقة. وهذه كثيرة مشتهرة.

ويزاد على ذلك ما يلي:

(النوع الحادي عشر): لغة الفقهاء

هي بيان المقصود من الألفاظ والمصطلحات الشرعية والفقهية التي يستعملها الفقهاء في كتبهم؛ تمييزا عن معانيها في الحقول الأخرى، ومن أهمها: حلية الفقهاء لابن فارس، وغلط الفقهاء لابن بري، وأنيس الفقهاء لقاسم القونوي، ومعجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعه جي.

(النوع الثاني عشر): الفتاوى

العلم الذي يعنى بجمع إجابات الفقهاء المجتهدين على أسئلة المستفتين في النوازل والوقائع، وهي كثيرة جدا، لم يخل عصر منها، ومن أشهرها: فتاوى ابن الصلاح، وفتاوى النووي، وفتاوى ابن سحنون، وفتاوى ابن تيمية، والفتاوى الهندية، ومنها الفتاوى المعاصرة الصادرة عن هيئات ودور الإفتاء في العالم.

(النوع الثالث عشر): الاختيارات الفقهية

هي ترجيحات فقيه في مسائل اجتهادية بناء على قوة الدليل دون التقيد بمذهب معين، وهي منثورة في كتب الفقه المقارن، لترجيحات الفقيه دون التقيد بمذهبه، وهناك مؤلفات مستقلة، مثل: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها كتاب الاختيارات للبعلي، والاختيارات الفقهية للإمام ابن القيم، واختيارات ابن قدامة الفقهية وغير ذلك.

(النوع الرابع عشر): النظريات الفقهية

هذا النوع من أحدث أنواع الفقه المعاصر، ويقصد بها: صياغة حديثة تعيد تنظيم أحكام الفقه الإسلامي المتناثرة حول موضوع واحد (كالعقد، الملكية، أو الضمان) في بناء منهجي متكامل ومترابط الأركان والشروط، لتشكل دساتير حقوقية شاملة. وتختلف عن القواعد الفقهية بكونها أكثر تفصيلاً وأوسع شمولاً للموضوع الواحد، ومن أهم مراجعها: المدخل إلى الفقه العام للشيخ مصطفى الزرقا، وهو رائد هذا المجال.

ومن أهم المصنفات القديمة فيما عرف لاحقا بالنظريات الفقهية، كتاب الخراج لأبي يوسف، قدم فيه نظرية المال والضريبة، وكتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني قدم فيه نظرية القانون الدولي والعلاقات الدولية، و كتاب معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، للطرابلسي( نظرية الإثبات)، وكذلك: تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب المالكي، وتحرير الأيدي والعقود لعلي بامروان الشافعي ( نظرية اليد)، والعقود لابن تيمية والذي طبع باسم نظرية العقد.

الخلاصة:

الفقه أكبر من أن يكون علما واحدا، بل هو مجموعة علوم، وليس الفكرة في التنظير لهذا الأمر وأن يختلف هل هو علم أم علوم، بل القصد إعادة النظر في بنية الفقه باعتباره فقها تتجه فيه الأنظار إلى المتحور حول الفروع الفقهية، بل هو إحياء وإعادة تشكيل لبنية الفقه، ما يستتبعها إحياء وتوسيع لدور الفقه في الاجتهاد الفقهي والمعرفي، ومساهمته الحضارية في بناء الأمة، كما كان سالفا.