أساس السعادة والراحة الإيمانية.. الشـعـور بالرضا

د. سندس عادل العبيد

بعد عرض الأحاديث الصحيحة التي تحمل لفظ السعادة، والألفاظ المرادفة للسعادة، والسياق الدال على السعادة، وبعد دراستي للسعادة في علم النفس، ودراستي وبحثي في السّنّة النبوية عن كل ما يتعلق بالسعادة، وجدت عناصر للسعادة كثيرة ومتنوعة، تشمل الإنسان وعلاقاته كلها بربه، وبنفسه، وبالآخرين، وتشمل الجانب الدنيوي والأخروي، والجانب النفسي والجسدي، وتشمل العقيدة والأعمال والقيم والسلوكيات، فالسعادة طريق حياة، وليست مجرد لفظة عادية.

وقد دلت أحاديث السعادة على: ضرورة تحقيق الإيمان بالله -تعالى-، والرضا النفسي، واجتناب الفتن، والتحلي بالقيم، والتوازن بالحاجات المعنوية والجسدية، والتفاؤل والعمل الصالح، ودلت مرادفات السعادة في السّنّة: على ضرورة تحقيق الأمان بأنواعه، وعلى التفكير الإيجابي، وعلى ضرورة وجود انفعالات إيجابية في حياة الفرد ليكون سعيدًا، وعلى السلامة في كل الأمور، والرضا، والبشرى، والفرح والسرور، والخير والتوفيق والبركة والنعيم وغيرها من الأمور الإيجابية التي تحصل للعبد وتحقق له السعادة.

معنى جامع لمفهوم السعادة

ومن خلال هذه المعاني يمكن الوصول إلى معنى جامع لمفهوم السعادة في السّنّة النّبويّة، وفيما يلي محاولة تسجيل تعريف للسعادة، ففي الحقيقة خلال كتابتي للدراسة وجدت إشكاليّة كبرى عند الناس عمومًا في تحديد معنى السعادة، وفي المقابل وجدت إقبالًا كبيرًا منهم للبحث عنها، وقد وجدتها واضحة في منهج النبي – صلى الله عليه وسلم -، وعلماء الإسلام بيّنوا طريقها من خلال القرآن والسّنّة وتكلّموا عنها، لكن لم يحدّدوها بتعريف خاص، وهنا أحاول تسجيل تعريفٍ لها مستفيدة من منهج النبي – صلى الله عليه وسلم-، ومن كلام العلماء في بيانها فيمكن القول إن السعادة: هي حصول الرضا المصاحب للإيمان بالله -تعالى-، وتطبيق منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحياة الدنيا، للفوز بالجنة في الآخرة.

الشعور بالرضا أساس السعادة

وقد لخصت مفهوم السعادة بهذا التعريف؛ لأن الشعور بالرضا أساس السعادة والراحة وكل المشاعر الإيجابية، وقد أكد على ذلك علماء النفس، وهذا الرضا لا يحصل للعبد إلا إذا صاحب ذلك إيمان قوي واتباع لمنهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل الأمور، وبالإيمان واتباع منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – يجمع العبد الدين والخير كله في الدنيا والأخرة، وعلى العبد الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في التوسط والأخذ بالحاجات الروحية والجسدية حتى يملأ حياته بالنشاط والحيوية، والمؤمن الحق يعلم أن الدار داران، وأن السعادة سعادتان، فلا تقف سعادته على حصول الرضا والطمأنينة في الدنيا، وإنما تمتد للآخرة بالفوز بالجنة ونعيمها الشامل لأنواع الملذات وأطيبها.

الرضا المؤدي للطمأنينة والسكينة

أساس السعادة الرضا، فالإنسان يشعر بذلك في نفسه حينما يكون راضيًا عن أموره كلّها ما يسرّه وما يسوؤه، فهو هنا حاز الرضا التام لقربه من خالقه ومعرفته أنّ الله لن يضيّعه؛ لأنّه -سبحانه- أرحم بنا من أمهاتنا، فكل ما قدره الله علينا هو خير لنا، وهنا يحقق العبد قيمًا تعبديّة وإيمانيّة، كالتوكّل والصبر والإخلاص وحسن الظن بالله -تعالى-، وعندما يصل العبد إلى هذه الدرجة من الرضا يسكن قلبه ويمتلئ طمأنينة وانشراحًا وحبورًا، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

فالإنسان الذي يوجه نفسه نحو غايتها التي خلقت من أجلها يحظى بالرضا والسكينة، كما جاء في قوله -عز وجل-:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} (الذاريات: 56) فدافع العبودية يؤثر على انفعال العبد وعلى سلوكه، وهذا ما تعجب منه – صلى الله عليه وسلم- في الحديث، والمؤمن الذي يتمتع بهذه الخصوصية، يعلم أن أمره كله خير في حالة السراء والضراء، وهو دائر في إدارة انفعاله بين الشكر لله -تعالى-، إقرارًا بفضله فيملك نفسه عند الفرح والسرور، ولا يغتر بنفسه ولا يفتخر بقدراته على الآخرين، وكذلك يصبر في حالة الضراء فيتكيف مع الحزن والاكتئاب؛ لأن أمره إلى خير بالأجر والثواب من عند الله -تعالى-، وهذا ما يوصله لدرجة الرضا النفسي والسكينة والطمأنينة.

الإيمان بالله -تعالى

وهذا الرضا لا يأتي من فراغ، بل من قوة الإيمان التي يحققها العبد، عقيدة وقولا وعملا، فيحقق العبد الإيمان بأركانه ويطبق شرائع الدين وأركانه، ويستقيم على هذا الطريق، ونتيجة لهذا الإيمان القوي يكون قريبا من الله -تعالى-، وأيّ سعادة بعد سعادة العبد بقربه من الله -عز وجل-؟ فمن أحبّه الله نشر محبته في الأرض، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقربه إليه -سبحانه-، وهذه منزلة عالية إذا وصل العبد إليها وصل قلبه إلى أعلى درجات الرضا والسعادة، والعبد إذا تعلق قلبه بالخالق العظيم، والرب المالك، والإله الواحد الذي بيده كل شيء، فهو هنا يزداد عزة وقوة بخالقه، ألا ترى الموظف يفرح بقربه من المدير؟، والمحب يفرح بقرب حبيبه؟ ولله المثل الأعلى -سبحانه وعز وجل.

فالله -سبحانه- مدبر الكون، وبيده كل شيء، وهو الأول والآخر، والخالق والرازق والحافظ والرحمن الرحيم، والقادر الجبار القهار، وهو الغني -سبحانه-، له كل صفات الكمال التي تستدعي حبه والتعلق به -سبحانه وتعالى-، وإذا استشعر العبد ذلك، وخضع لله -سبحانه-، وحقق الإيمان قولا وعملا، فإنه هنا يركن إلى مالك عظيم، وإله عليم، وهذا الشعور الذي يتكون في قلبه من التعلق بالله -تعالى- يعطيه قوة وانشراحا وطمأنينة، ينتج عنها فرح وسرور بالمحبوب الأعظم الرب- تبارك وتعالى-، ولا يحصل للعبد هذا القرب إلا بالاستقامة على الدين، والطاعة، والرضا بكل أقدار الله، والسير على نهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحياة، فمن أراد راحة القلب، وطمأنينة الروح، فعلية بمنهج النبي – صلى الله عليه وسلم -، والاستقامة في الدين تشمل تحقيق الإيمان، وتطبيق أركان الإسلام وشرائع الدين، والالتزام بالقيم الإسلاميّة، ومعاهدة العبد لإيمانه بالتوبة والمحاسبة، فيستقيم للمرء بهذا دينه ودنياه، ويصل إلى السعادة الحقيقية في دخول الجنة يوم القيامة.

كلمة طيبة

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ» كلمة طيبة، هي أصل سعادة العبد ونجاته، وفي تحقيق شروطها كل الفرح والسرور، والرضا والطمأنينة، وفيها النجاة من النار والخلود في الجنات والنعيم المقيم، عندما يقولها العبد موقنا بها عاملا بمقتضاها يشعر بانشراح كبير، وراحة عظيمة، ويشعر بالإيجابية والتفاؤل، لما لهذه الكلمة من التأثير العظيم على نشاط العبد الذهني والوجداني، وعلى سلوكه وانفعالاته، إن شأن الإيمان عظيم، وهو أصل كل السعادات والهنا، وجزم – صلى الله عليه وسلم – أن من حقق الإيمان وجد الحلاوة والسعادة: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

اتباع منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل جوانب الحياة في الدنيا

قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: «إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم ».

خير منهج منهجه وأحسن هدي هديه – صلى الله عليه وسلم -، فيه الحكمة والطمأنينة والهداية والتوسط، فمن أراد السعادة عليه باتباع منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل شيء، وقد حاولت جاهدة تتبع منهجه – صلى الله عليه وسلم – وتتبع جوانب السعادة في الحياة وأفردت لها فصلًا كاملًا، وقد جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – برسالة عالمية، تشمل الفرد وأسرته ومجتمعه، والسعادة الحقيقيّة تكون بتتبع العبد منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجوانب والاعتبارات كلّها حتى يحظى بسعادة متكاملة.

الفوز بالجنة في الآخرة

قال رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُم، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ»، فالدنيا ممر والآخرة مستقر، الدنيا طريق الآخرة، وسعادة الدنيا موصلة للجنة دار السعادة، فمن أراد الخلود في دار السعداء مع النبيين والصديقين والشهداء والأبرار فعليه بمنهج السعادة الحق، ليصل إلى الدار الباقية وينعم فيها أيّما نعيم.

قال القسطلاني في قوله -تعالى-: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} (سورة يونس: 9) «أي يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة فجعل تجري من تحتهم الأنهار بيانًا له وتفسيرًا؛ لأنّ التمسّك بسبب السعادة كالوصول إليها»، وقال الزمخشري في تفسير قوله -تعالى-: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)} (هود: 105) «والشقي الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه».، وهذا تقرير واضح أن السعادة الحقيقية هي التي توصل العبد إلى الجنة دار السعداء، التي فيها النعيم المقيم.

المصدر : مجلة الفرقان الكويتية

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين