تقوم نظرتنا على أساس عدة محاور، أولها بيان أن دراسة العلم العربي لا بد وأن تتخذ مسارات جديدة نستطيع من خلالها أن نواكب الفكر العالمي، وهذا يتطلب من الباحثين بذل بعض الجهد لتعرية الخلفية القائمة وراء الفكر العربي ومعرفة أبعاده وأصوله والمنطلقات التي اتخذها وتوجهاته أيضا. ومن ثم لا بد وأن تأتي الدراسة (في) العلم العربي، وليس (حول) العلم العربي.

وثاني هذه المحاور، التنبه إلى المنظور الاستشراقي للعلم العربي: نعم لا يمكن لنا أن نغفل أهمية الإسهام العلمي الذي قدمه علماء الاستشراق في جانب دراسة تاريخ العلم العربي، وأؤكد على استخدام المستشرقين مصطلح “تاريخ العلم العربي” وليس “العلم العربي”، خاصة وأن الدلالة المعرفية للمصطلح “تاريخ” بالإضافة إلى العلم العربي تجعل من العلم العربي حدثا قد كان ولن يعود، لأن المعطى الدلالي الرئيس لهذا المصطلح يبرز كلمة التاريخ في صدر الاستخدام المفهومي للمصطلح، وكما نعلم لا سبيل إلى تكرار الحوادث في التاريخ. إذن يبدو لنا أنه من الضروري أولا أن نسجل بعض الملاحظات على الكتابات الاستشراقية التي لا بد وأن نضعها في الاعتبار، ونحن نتعامل مع المنظومة الاستشراقية.

أولا: المنظور الاستشراقي للعلم العربي

1- أن علماء الاستشراق يعرفون أكثر من غيرهم الجوانب المضيئة من العلم العربي، ويعرفون في الوقت نفسه كيف يمكن أن يطمسوا معالم هذه الجوانب. ولذا وجدناهم في ثنايا هذه المعرفة يعملون على إبراز الطابع السيكولوجي للعلم العربي، ويبينون في الوقت نفسه الجوانب التي يمكن أن نفخر بها، فإذا قرأنا كتاباتهم انبهرنا بما يكتبون، وأخذنا بسحر الكلمة والعبارة الحلوة، فلا نفكر فيما تنطوي عليه هذه العبارات من دلالات ومعان تسلبنا أشياء كثيرة إن من الناحية التاريخية أو الناحية الفكرية. هذا الطابع السيكولوجي أثر في كتابات المفكرين العرب بصورة كبيرة، وأدى، في كثير من الأحيان، إلى أن تصبح دراسات المستشرقين نماذج فكرية تحتذى من الكتابات العربية.

2- أن الكتابات الاستشراقية وجهت كل اهتماماتها إلى إبراز الطابع الفردي للعلم العربي، لتبين أن الإنجاز العلمي الذي تم في القرون الممتدة من الثامن الميلادي وحتى الحادي عشر الميلادي، إنما هو إسهامات أفراد، وليس إنجازات لجماعات علمية. وفارق كبير بين التصورين إذ إن الإنجاز الفردي ينتهي بانتهاء الفرد ذاته، على حين أن الإنجاز العلمي للجماعة يستمر ما دامت الجماعة العلمية مستمرة. والفكر الجمعي دائما يؤدي إلى الاستمرار عبر التاريخ. وكان لطمس هذا الجانب أثره الكبير في تأخر الدراسات العربية في حقل تخصص دراسة العلم العربي، وانصبت الدراسات بالتالي على الجانب التاريخي، ثم أصبحت “حوله” وليس “في” العلم العربي.

3- أن الدراسات الاستشراقية أفلحت في أن تجعل المخزون الأكبر من الدراسات العربية امتدادا لها عن قصد، ومن ثم شكلت وجهة نظر أصحابها، وجعلتهم ينطلقون من نفس الأفكار وينتهون إلى نفس التصورات، دون أن يدري الكتاب العرب. ومع أن الدراسات العربية حاولت من جانب آخر أن تحتفظ لنفسها برؤية خاصة، إلا أنها لم تدرك بوضوح الجانب العقلاني النقدي في العلم العربي، ولم تتبين إلى أي حد شكل البنيان الإبستمولوجي للعلم العربي على أسس جديدة مخالفة للعلوم اليونانية الوافدة. ولذا فإن الإخفاق الذي لازم وجهة نظر الكتاب في هذا الصدد جعل وجهات نظرهم في كثير من الأحيان نمطية وتفتقر إلى الوعي بالجانب العقلاني النقدي للإبستمولوجيا العربية.

4- أن عددا كبيرا من الدراسات الاستشراقية في القرنين التاسع عشر والعشرين ركزت على دراسة الجوانب الغيبية في العلم العربي، وارتباط هذه الجوانب بالخرافة، وليس أدل على هذا من البحوث الاستشراقية في الفترة المشار إليها إلى بحوث السيمياء، وما واكبها من تصورات. أضف إلى هذا ما نزعت إليه هذه البحوث من تفعيل للجانب الغيبي المرتبط بالتصوف. ومع أننا لا نريد أن ندخل في تفصيلات تلك المسائل؛ إلا أنها انعكست بصورة سلبية على الأبحاث التالية، واختيار موضوعات البحث في العلوم العربية. ولم يتنبه الكتاب العرب إلى هذه التصورات وإنما تابعوها في براءة، ومن ثم تواكبت هذه الأفكار مع تلك.

5- يذهب علماء الاستشراق وهم يعرفون أكثر من غيرهم، أن دراسة العلم العربي تنتمي إلى حقل تاريخ العلم، وهو ميدان مستقل تماما عن الفروع الأخرى من الدراسات والعلوم الأخرى: البحتة أو الإسلامية أو اللغوية أو الكيميائية أو غيرها. ومن ثم فإن الدارسين من المستشرقين للعلم العربي عملوا على إعداد أنفسهم في مجال تاريخ العلم العام معرفيا ومنهجيا، على حين اختلت الضوابط لدى بعض المفكرين العرب أو الدارسين الذين يعملون ببعض الجامعات، فلم يهتموا بهذه المسألة واعتقدوا أن ما يصادفهم من سطور وكلمات عن العلم العربي، هنا أو هناك، إنما يصلح للحديث عن العلم العربي. وتأسيسا على هذا صادفت كتاباتهم في العلم العربي هوى المستشرقين، والتقت مع أهدافهم.

6- ولنا أن نضيف إلى هذا تحذيرا للعلماء الشبان الذين ينبهرون بالمستشرقين ودراساتهم، بما في ذلك بعض المفكرين العرب الذين يعيشون في الغرب، والذين يحتفي بهم الغرب من وقت لآخر لإبداعاتهم الفكرية المنبثقة عن النظرة الاستشراقية في أصولها وجذورها. إن هؤلاء يفكرون بعقل الغرب، ويرون بعيونه، ويفهمون ويسترجعون بذاكرته، ونحن نعتقد أنهم مفكرون عرب نبغوا في الغرب. إنهم عقل غربي ينطق بلسان عربي. إن هذا المنظور جد خطير، وأنبه إليه. إن هؤلاء صناعة غربية، قضوا حياتهم في الغرب، ويفهمون وينتجون بمنطق الغرب ليس إلا. وهؤلاء الذين أمضوا حياتهم الفعالة في الغرب سنوات طويلة يقصدون الديار العربية حين ينضب عطاؤهم في الغرب، وتتوقف قريحتهم عن الإنتاج. ولهؤلاء أيضا نظراء عندنا يذهبون إلى أن الغرب هو الرائد، وأن الغرب سطعت عليه شمس المعرفة وغربت عنا أبد الآبدين. إن هؤلاء واهمون فالعلم لا وطن له، والمعرفة لا حدود لها.

وقد تأسس على كل هذا أن شكلت الدراسات العربية والاستشراقية منظومة إبستمولوجية واحدة كرست فكرة الإنجاز الفردي، والتباهي به، وقضت على استمرارية الإبداع العربي.

ومع ذلك، لا يمكن لنا أن نغفل أهمية الإسهام العلمي الذي قدمه علماء الاستشراق في جانب الدراسة التاريخية للعلم العربي. ولكن لا بد أن تكون لنا رؤية ونظرة موضوعية ومعرفية يستند إليها العلم العربي في واقعه الراهن وفي مستقبله، وفق المنظور الذي يتفق مع طبيعة الموضوع المدروس ومعطياته، آخذين في الاعتبار البعد الزمكاني الذي يفصل بين العلم العربي قديما والعلم الحديث الذي أظلنا منذ القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا. وهذا يعني بالضرورة أننا نضع في اعتبارنا خصوصية العلم العربي في درسه وقراءته، وخصوصية العلم الحديث في فهمه وروحه  لكل نموذجه الخاص وتصوراته الخاصة  حتى لا ينفرد علماء الاستشراق الأجلاء بالساحة، ويقدموا لنا ما يرضونه من الإنتاج، وهو ما لا نعرف أبعاده المعرفية والمنهجية بوضوح.

وربما كان من الضروري أن نبين الفئات المختلفة التي تدرس العلم العربي، ما هي؟ وما طبيعة عملها؟

ثانيا: فئات الدارسين للعلم العربي

ذكرنا أن الكتابات العربية تابعت المنظور الاستشراقي في كلياتها أو جزئياتها. والملاحظ على الكتابات العربية التي تتناول تاريخ العلم العربي، وفق هذا المنظور، أنها تقع في أربع فئات، يجدر بنا أن نستعرضها لبيان تصوراتها.

أما الفئة الأولى فتمثل الكتاب ذوي الميول التاريخية، وهؤلاء عادة يجعلون الماضي وحده الموضوع الأساسي لدراستهم، حيث يحاولون دراسة ما وقع فيه من أحداث، وفي أي زمن، ومن هي الشخصيات المحورية فيه، ومدى إمكان الاستفادة من دروس الماضي لاستخلاص العبرة التي تفيد في الحاضر والمستقبل. وتنبني تلك الدراسات أصلا على تحليل النصوص (باعتبارها وثائق) داخليا وخارجيا، ونقدها، ومحاولة التثبت من مضمونها. مثل هذه الدراسات تلتزم بالتاريخ وحده، رغم إدراكها لاتصال التاريخ بالعلوم الإنسانية الأخرى، وتبادله التأثير والتأثر مع هذه العلوم. وفي خضم هذه النظرة لا يدرك الكاتب عادة أن تاريخ العلم شيء آخر مخالف تماما للتاريخ ذاته، فهو عملية عقلية اخترعها العقل البشري اختراعا. ويتصل بصورة مباشرة بالعلوم الطبيعية، وهو ما يبدو من المصطلح المركب “تاريخ العلم” (HISTORY of SCIENCE).

وأما الفئة الثانية فتمثل الفلاسفة الذين يكتبون حول تاريخ العلم العربي. وهذه الفئة تعرف عادة أصول وأبعاد الفكر الفلسفي، وكيفية توظيف الفكرة إبستمولوجيا، لكنها لم تتلق تدريبا تاريخيا أو عمليا بحيث يصبح بإمكانها الربط وظيفيا بين الفلسفة والتاريخ والعلم، وتلك مشكلة رئيسة تنتمي إلى تاريخ العلم العربي. والحق أن الإنتاج الغزير والدراسات التي صدرت “حول” تاريخ العلم العربي كانت من نصيب هذه الفئة التي حاولت أن تنظر لتاريخ العلم العربي على أنه عملية إبداع عقلي صدر في فترة معينة. وهذه النظرة تحاول عادة أن تركز على دراسة الإيجابيات وتعمل على تأصيلها فلسفيا.

وأما الفئة الثالثة فيمثلها علماء اللغة الذين تقوم دراساتهم في هذا الصدد على المنتوج اللغوي المعبر عن حضارة الأمة إذ اللغة تمثل الشفرة الأساسية للنصوص، أو الوثائق، التي لدينا. وحتى يمكن فهم وثيقة ما لا بد من الوقوف على أسرار اللغة الكامنة وراء الألفاظ وتتبع المعاني ودلالاتها. لأن اللفظ الذي استخدم في عصر ما قد تختلف دلالته عن عصر آخر. وهذا يعني أن عملية تفسير النصوص، والوقوف على مضمونها اللغوي، تشكل التوجه الرئيس لعالم اللغة. إن هذه النظرة تعكس لنا جانبا أحاديا لرؤية النص، فيصبح السياق الحضاري للنص باعتباره لغة هو الحكم الرئيس في تقييم تاريخ العلم العربي. ورغم وجاهة هذه النظرة، إلا أنها لا تستطيع أن تقدم لنا تفسيرا لأهمية التصور العلمي لدى العالم إبستمولوجيا، أو لفهم بعض المعلومات أو الأحداث التاريخية المدونة في الوثائق.

ومع أن اللغة العربية كشفت عن بعد علمي تمثل في أنها كانت لغة الكتابة في العلوم؛ إلا أن علماء اللغة الذين خاضوا تجربة الحديث عن العلم العربي لم يكشفوا لنا عن نظرية المعنى والدلالة مثلا التي تعتبر من أهم المباحث داخل العلم العربي، ولم يبينوا لنا أبعاد هذه النظرية والمشكلات التي نشأت داخل بنية النصوص. أو كيف أن دلالة اللفظة الواحدة لدى عالم عربي ما، اختلفت عنها لدى عالم آخر. أو حتى كيف شكلت النصوص العلمية منظومة معرفية تأسست على الفهم والنقد والجدل العقلي، باعتبارها مفاهيم أساسية في تأسيس بنية المعرفة لغويا.

وأما الفئة الرابعة فيمثلها بعض علماء الكيمياء أو النبات أو الرياضيات الذين شغلتهم مسألة الإبداع العلمي العربي، ووجدوا مماثلات كبيرة بين ما درسوه في العلم الحديث والمعاصر، وبين ما عرفوه من خلال قراءتهم للإبداع العربي في المجالات المختلفة، فعكفوا على بيان جوانب السبق في هذا وذاك، وعقد المقارنات، فاتخذت كتاباتهم طابع التباهي بالإنجاز العربي، وهو ما يجب علينا أن نعتز به ونلقنه للنشء. لكن هذه الكتابات لم تغص في أعماق البنية المعرفية للعلم العربي، وإنما جاءت (حول) العلم العربي أيضا. إذ إن هذه الفئة لم تتساءل عن المشكلات التي واجهت العلماء العرب في العلوم الجزئية، وأهميتها من الناحية الإبستمولوجية، وما هي الإضافات التي قدمها العلماء للنظريات العلمية التي وصلتهم من التراث العلمي القديم، أو التعديلات التي أدخلوها على بعض النظريات العلمية التي وصلتهم؟ وهم أيضا لم يضعوا القيمة المعرفية لهذه النظريات موضع البحث والنظر، فليس كل ما وصلنا من أفكار ونظريات علمية من العلم العربي يشكل إضافة إبداعية متكاملة. ومن ثم فإن تأسيس نظرية معرفية تأخذ بمطلق العلم العربي في هذا المجال مسألة تحتاج إلى نظر وتدقيق من قبل الباحثين.

والجدير بالملاحظة أن المتلقي لسياق الخطاب “حول” تاريخ العلم العربي إما أن يزداد إعجابا بتاريخ العلم العربي انطلاقا من تعاطفه الذاتي مع الموضوع سيكولوجيا، أو لاتصال الموضوع بالماضي، أو “التراث” الذي ينبغي الحفاظ عليه وتأصيل أبعاده في الحاضر حتى لا ينكرنا المستقبل، أو تجد المتلقي قد انفصل إبستمولوجيا عن سياق خطاب “حول” لانغماسه في تمجيد الذات على حساب الموضوع دون اعتبار للثوابت العقلانية التي تحكم العلاقة بين الذات والموضوع إبستمولوجيا، الأمر الذي تغيب معه أبعاد النقد، وينطمس فيه ملمح التحليل، وتختفي المشكلات، وتتمحور الذات حول نرجسية غريبة لا تعطي إمكانية للتقدم العلمي، ولا تشير إلى مكانة العلم العربي بصورة موضوعية. ولا شك أن هذه النتيجة الغريبة في شقها الثاني، على وجه الخصوص، سيطرت على المشاريع الفكرية العربية التي طرحت على الساحة كمشاريع نهضوية ترددت بين تيارات القطيعة مع التراث، أو الدفاع المجيد غير المبرر عنه، والذي استدعى بالضرورة إنكار بعض المفكرين لأهمية العلم العربي نتيجة لخلط تلك المشروعات النهضوية بين “التراث” و”العلم العربي” وتوحيدها بين المصطلحين، رغم التباين بينهما – أو حتى تيارات التعايش مع التراث ومحاولة التحديث. لم يدرك كل هؤلاء الفارق الجوهري بين التراث، الذي هو إرث الماضي، والعلم العربي الذي يشكل في قوامه إنتاجا معرفيا له كل مقومات العلم. لقد أدى الخلط بين التصورين إلى فقدان اكتشاف العلم العربي باعتباره فعالية إنسانية.

وإذا انتقلنا إلى التصور الثاني، وهو أن الدراسات التي لدينا لم تكن “في” العلم العربي، فإننا ندرك أن هذا التصور، على النقيض من التصور الأول، يأخذنا بعيدا عن السرد التاريخي لينطلق بنا مباشرة إلى آفاق الإبستمولوجيا التي تشكل ميدانا مختلفا من التصورات التي تجعل الدارس يقرن النقد بالتحليل، وينتقل من مستوى إبستمولوجي (معرفي) معين يعتمد على قراءة النص والانفعال به، إلى مستوى آخر يعتمد على تفكيك النص من أجل معرفة المشكلات التي واجهت العالم في تفصيلاتها والعلاقات القائمة بينها، وعلاقاتها بالسياق المشكل السابق عليها، وما انطوت عليه النظريات السابقة، ومدى تطويرها لها أو تأييدها لبرنامج بحثي جديد، كما يرى لاكاتوش، كل هذا من أجل إعادة بناء النص وتوظيف الفكرة إبستمولوجيا (على مستوى التصورات) وإيديولوجيا (على مستوى الواقع). إن التصور (في العلم العربي) على هذا النحو يعني دراسة العلم العربي باعتباره علما. وهذا التحول الذي ننادي به يستلزم إحداث ثورة علمية عقلية على المستوى الأكاديمي في مجال دراسة (علم تاريخ العلم العربي) الذي قد حان الوقت لولادته بصورة طبيعية، وتخليصه من أفكار وأقلام من يكتبون سطوره بتسطيح مفرط. وأركان الثورة العلمية العقلية التي ننادي بها، ونشير إليها، تتمثل في أمرين: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي.

أما البعد السلبي فيدخلنا مباشرة في مواجهة مع المنظور الاستشراقي الذي أشرنا إليه، والذي يجب أن نحيده، أو نتخلص منه. وهنا تقفز أمام الذهن البدايات الأولى من القرن السابع عشر في أوروبا. حين أرادت أوروبا أن تستيقظ من غفوتها بعد قرون طويلة من الظلام الفكري، كان البعد العقلاني المتمثل في دعوة فرنسيس بيكون (رائد المنهج التجريبي في العصر الحديث) نبراسا للنهضة العلمية في أوروبا، إذ إن بيكون في كتابه “الأورجانون الجديد” (1620) رسم أبعاد الفكر العلمي إبستمولوجيا، وأراد لهذه الأبعاد أن تصبح منهجا علميا وفكريا راسخا للحضارة الغربية. وفي هذا الإطار رفض بيكون، في هذا الجانب السلبي من الأورجانون الجديد، الآراء والنظريات القديمة بما فيها آراء أرسطو، وأراد للعلماء أن يتخلصوا من الأوهام التي تتسلط على العقول وتجعلهم يعتقدون في قداسة النظريات القديمة، حتى يمكن للعقل أن يقبل على الطبيعة بصورة موضوعية مجردة عن الهوى. ونحن في ثورتنا العلمية العقلية، التي ننادي بها، نريد بنفس القدر لأبحاثنا العلمية (في) علم تاريخ العلم العربي أن تتخلص من تأثير وتسلط دراسات المستشرقين التي كادت الأبحاث والدراسات العربية – مهما كانت درجة نقدها لتلك الدراسات – أن تكون نسخة طبق الأصل منها.

وتبين هذه الدراسة أن الكتاب العرب عرفوا المنهج عند فرنسيس بيكون، ولكنهم في الوقت ذاته لم يعرفوا بالدليل والبرهان من أين استقى فرنسيس بيكون أفكاره. إنهم لم يكشفوا عن الأصل الذي ترجع إليه أفكار فرنسيس بيكون، وقد بينا هذا في هذه الدراسة.

أما البعد الإيجابي في ثورتنا العلمية العقلانية فيجب أن يتقدم مباشرة إلى بناء إبستمولوجيا العلم العربي من منطلق البحث عن التصورات والوقوف على بنيتها الأساسية. وهنا تواجهنا نقطة جوهرية، إذ إن إعادة بناء إبستمولوجيا العلم العربي تعني بالضرورة النظر للعلم العربي على أنه نسق منظم من المعرفة العلمية يصبح بمقتضاها فاعلية إنسانية وهو ما يجعل أطراف حدوده متداخلة. وتلك نقطة هامة بالنسبة لعلم تاريخ العلم العربي، إذ يتعين على الباحث، في هذه الحالة، أن ينتقل من مجرد فكرة إعادة البناء إبستمولوجيا إلى النسق ككل. هذا الانتقال سوف يشكل قاعدة الاتصال العلمي الأساسية بين أطراف سياق الخطاب العلمي. وهنا تبدو أهمية تفعيل معطيات الجانب الإيجابي للصورة التي تكشف عن تفصيلات هذا الجانب وتبدد النظرة الكلاسيكية للعلم العربي.

يتبين لنا مما تقدم أن الكتابات التي صدرت عن تاريخ العلم العربي من جانب المفكرين العرب جاءت تعبيرا عن وجهة النظر الانفعالية دون أن تقدم تبريرا واضحا لنظرتها الذاتية، ولم يدرك الكتاب العرب أيضا أن بعض الكتابات التي صدرت في هذا الجانب أدت إلى تأخر الدراسات الإبستمولوجية التي كان من الضروري أن تتنامى عن العلم العربي. أضف إلى ذلك غياب البعد العقلاني في تلك الدراسات تحت تأثير النظرة الذاتية، إذ إن العقلانية تفترض ابتداء أن يقوم الكتاب بعرض تصورهم عن تاريخ العلم العربي، ومحاولة التحقق من صحة هذا التصور أو ذاك، أو حتى محاولة إجراء عملية التكذيب على التصورات والنسق ككل، كما تفترض بالضرورة أن يصف المفكر أو الكاتب، المشكلات أو المعضلات التي كانت موجودة لدى العلماء العرب قديما، والطرق التي حاولوا من خلالها حل تلك المشكلات، كما أن العقلانية تفترض أيضا أن يبين المفكر بنفس القدر التطورات التي حدثت في تاريخ العلم تحت تأثير الإسهامات العربية، وهذا لم يحدث في تلك الكتابات.

إن أهم ما يميز الإنتاج العقلي لأي كاتب من الكتاب، في أي علم من العلوم، تحليه بالنظرة النقدية، إذ إن النقد هو الذي يمكن أن يكشف عن المكونات الحقيقية للفكر والبنية التحتية للأفكار التي قدمها العلماء العرب؛ ولكننا نجد أن هذا البعد، شأنه كالعقلانية تماما، غاب في الدراسات العربية الحديثة ولم يوجه إليه القدر المعتبر من الاهتمام على اختلاف التوجهات التي تشكل وجهات النظر المطروحة.

وتأسيسا على هذا الطرح فإنه إذا كان تاريخ العلم العربي يشكل علما من وجهة نظرنا، باعتباره إنتاجا عقليا وفاعلية إنسانية تتوافر فيه قواعد العلم وأصوله، فإنه لا بد من تفعيل نسقيته، وتوظيف أفكاره، وهذا بالضرورة يشير إلى أن اختلاف المنظور الإبستمولوجي من “حول” إلى “في” وفق الإشارة السابقة تتطلب منا إعادة صياغة وكتابة تاريخ العلم العربي كعلم، وبيان أركانه وفق ما يفرضه علينا التصور الإيجابي للثورة العلمية العقلية التي ندعو إليها. وأول متطلبات صياغة هذا المشروع أن نناقش إبستمولوجيا العلم العربي لنقف على تقدير أهمية إعادة الكتابة.

ثالثا: شروط الدرس المعرفي للعلم العربي

أشرت إلى ركني الثورة العلمية التي ننادي بها من أجل ولادة علم “تاريخ العلم العربي”، واتضح، مما ذكرناه، أن البعد الإيجابي هو ما نركز عليه بصورة رئيسية، لأنه يشكل قاعدة الاتصال العلمي بين أطراف الخطاب العلمي. وهذه الفكرة في مضمونها تبرز العلم العربي بأبعاده الإبستمولوجية من خلال مفهوم النمو (Growth) الذي يكشف عن جانبي المعرفة العلمية عقليا وإمبريقيا (إذا استخدمنا لغة فيلسوف العلم المعاصر كارل بوبر)، وباعتبار النمو جوهر التقدم بل ومعياره الحقيقي؛ لكن قبل أن نتقدم إلى معالجة هذه النقطة، دعنا نحدد ما الذي نعنيه يقينا بالمصطلح إبستمولوجيا الذي تكرر في حديثنا.

لا شك أن هناك تعريفات متعددة للمصطلح إبستمولوجيا، يعبر كل منها عن وجهة نظر فلسفية معينة ومن بين هذه التعريفات ما ورد في معجم الأستاذ لالاند أن الإبستمولوجيا هي في جوهرها دراسة نقدية للمبادئ والفروض والنتائج التي بمختلف العلوم من أجل تحديد أيها المنطقي، وقيمتها الموضوعية. ويتطابق مع هذا التعريف ما ذكره الدكتور مدكور في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية (1983) وما ورد في تعريف الأستاذ جميل صليبا للمصطلح ذاته (المعجم الفلسفي). ولكن يضاف إلى هذا التصور الذي لدينا أنه من صميم الإبستمولوجيا أيضا أن تتناول دراسة التحليل والتركيب والاستقراء والحدس، رغم أن بعض الكتاب أحيانا يجدون أن مكانها الطبيعي مناهج العلوم. إضافة إلى ذلك نجد أن الإبستمولوجي عادة يمتحن درجات اليقين والاحتمال والاختلاف بين المعرفة والاعتقاد، وهذا ما يؤسس بعض جوانب التمييز بين الإبستمولوجيا ونظرية المعرفة التي تبحث في مبادئ المعرفة الإنسانية، وطبيعتها، ومصدرها، وقيمتها وحدودها، وأيضا في الصلة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، وبيان إلى أي مدى تكون تصوراتنا مطابقة لما يؤخذ فعلا مستقلا عن الذهن.

انطلاقا من التعريف السابق للإبستمولوجيا يجب أن تتحقق في دراسة علم تاريخ العلم المتطلبات والشروط المعرفية التي من الواجب توافرها لدراسة العلم، حتى يمكن لنا أن نتحدث عن نظرية المعرفة العلمية في العلم العربي. وهذا الحديث بالتالي ينصب على العلم العربي باعتباره منظومة معرفية متكاملة يتحقق في إطارها أمران هما: الأول، ويتضمن المنظور الذي ندرس من خلاله العلم العربي. والثاني، البعد المستقبلي لعلم تاريخ العلم العربي.

رابعا: الشروط المعرفية لتأسيس نظرية المعرفة العلمية لدراسة العلم العربي

إن الحديث عن نظرية المعرفة المتعلقة بتأسيس العلم العربي إنما هي مسألة مهمة تستوجب منا ضرورة إجراء نوع من التحليل والتفكيك لعناصر المكونات القائمة فعلا، والتي كان من الواجب عزلها في الكتابات المختلفة، منذ زمن طويل، لمعرفة الروابط القائمة فعلا بين البنيات المختلفة لتصورات الكتاب عن العلم العربي. إن أهم الشروط والمتطلبات التي يجب أن تتوافر في أي دراسة معرفية للعلم العربي ما يلي:

1- أن يكشف هذا العلم عن الأفكار والتصورات الأساسية التي كانت لدى العلماء العرب، بحيث شكلت في جوهرها وحدة وتجانسا بالنسبة للإبستمولوجيا العربية الوليدة التي انطلقت على الساحة، منافسة لإبستمولوجيا العقل اليوناني الذي وفدت علومه وفلسفاته إلى العرب بكل دقائقها، والتي لم تكن متطابقة مع التصور العربي الإسلامي في أبجدياته، رغم الدفاع المجيد لبعض القدماء، والمحدثين أيضا، عن تقديس نظرية العلم اليوناني، واعتبارها خاتمة باب الاجتهاد عند الشراح. نقول لقد أسقط عمدا من لب الكتابات التي تناولت العلم العربي، عند الغرب الحديث والعرب المعاصرين، هذا الجانب الإبستمولوجي المهم، ولذا تحول العلم العربي إلى مجرد تاريخ للعلم العربي لا يعرض سوى حياة العلماء وإنجازاتهم تمجيدا، أو قدحا بين السطور، مما ترتب عليه أن جاءت الكتابات ذات صبغة تاريخية ركيكة، حفلت بأخطاء كثيرة في التأريخ للأحداث، أو الأشخاص، أو تحديد الأزمنة، أو ما إلى ذلك.

ومن ثم ينبغي الالتفات إلى أن دراسة أفكار وتصورات العلماء تضعنا مباشرة أمام تشكيل نسقي لبنية الفكر العلمي ذاته، وليس أدل على هذا من أن الحسن بن الهيثم فهم أن العلم في جوهره نشاط يتمثل في حل المشكلات، ويكفيك على ذلك الكتابات التي وضعت عن “الشكوك على إقليدس” أو “الشكوك على بطلميوس”، أو “الشكوك على جالينوس” للرازي، وما تمتعت به تحليلاتها من تمييز دقيق بين مستوى تفسير المعطيات الإمبريقية ومستوى حل المشكلات. لقد كانت المشكلات (Problems) بمثابة الهدف الرئيس للعلماء، وقد نجم عنها نظريات علمية مهمة أدت إلى تقدم المعرفة العلمية في وقتها. وهنا يبرز سؤال آخر: هل استطاعت هذه النظريات من الناحية الإبستمولوجية أن تزودنا بحلول كافية للمشكلات؟ أم لا؟

لقد ترتب على عدم إدراك المعنى السابق من جانب بعض المشتغلين بحركة التأريخ للعلم العربي، أن جاءت آراء بعض الدراسات عن إبداعات العلماء العرب القدماء من خلال منظور ضيق ينصب على صدق النظرية، وكان الأحرى أن تتساءل ما إذا كانت النظرية تشكل في جوهرها حلولا كافية لمشكلات ذات مغزى مثل مشكلة المصادرة الخامسة لإقليدس مثلا.

2- وبناء على الفكرة السابقة لا بد وأن تتأسس إبستمولوجيا العلم العربي على تتبع تطور التفكير العلمي. وهنا تتضح أهمية البعد الذي أضفناه لتعريف الإبستمولوجيا والخاصة بالمناهج، لأن مثل هذا التتبع ينصب على دراسة مناهج العلماء سواء أكانت استقرائية (Inductive) أم استنباطية (deductive) أم غيرها؟ وكيف أمكن من الناحية الميثودولوجية استنباط الحقائق من خلال استخدامها؟ ثم ما هي القواعد التي أسست عليها؟

هذا التتبع يكشف عن لحمة التواصل بين أجيال العلماء إبستمولوجيا، وينعكس هذا التواصل بالضرورة على تأسيس العلاقة بين تاريخ العلم وفلسفة العلم من خلال مناهج العلم، وهو ما يبدو في كتابات العلماء العرب بصورة متكاملة، ولكن قد لا تكون مدركة تماما لغياب الجانب التنظيري الذي يمكن أن ينقل الفكرة من مستوى التصور المجرد إلى مستوى الفعل. ولا شك أن هذه النقلة لا تتحقق إلا بنوع من الميثودولوجيا (المناهج) الجيدة. فهل وقفنا على أبعاد المنهج بدقة؟

3- تنطلق الإبستمولوجيا، التي نعول عليها، إلى دراسة تطور الطريقة العلمية ذاتها، وتلك نقطة تتصل أوثق الاتصال بالنقطة السابقة، لأن الطريقة العلمية التي يتبناها جيل من الأجيال لا تظل هي هي عند الجيل اللاحق، بل تتمحور حول تصور آخر، معدل أو جديد، وتخلق لها وظيفة جديدة في سياق علمي جديد، وهكذا.

وهنا تنكشف حقيقة الاختلاف بين العلماء، السابق منهم واللاحق. إذ إن الطرق العلمية، أو الأساليب، تصبح علامة، أو سمة للجيل العلمي الذي يستخدمها. وبأفكار فيلسوف العلم المعاصر توماس كون هي علامة لجيل نفض عن يده غبار التقليد، أي أتى بأساليب جديدة مخالفة لأساليب الجيل العلمي السابق، وقد ترتب على هذه الأساليب الجديدة أن تولدت نظرات واعتقادات مختلفة عن التي كانت للجيل السابق. وهنا فقط تصبح الطريقة العلمية علامة مميزة للأفكار العلمية من جيل إلى آخر، مما يكشف عن نمو العلم وتواصل زخم أفكاره وتتابعها بصورة تؤدي وظائف جديدة تتكشف من خلال التطبيقات العلمية في الحياة، وتنعكس على تطور التكنولوجيا أيضا، وهو ما تحقق من خلال ثورة الآلات العلمية التي شقت طريقها بقوة في العلم العربي، خاصة في مجالات علوم الفلك والكيمياء والفيزياء والطب. والإخفاق في الكشف عن التقدم التكنولوجي في هذا الجانب يؤدي إلى إخفاق مماثل في فهم دور النظرية وتقدير قيمة الأفكار العلمية للعالم.

4- إن النظرية الإبستمولوجية الناجحة لا بد وأن تكشف بصورة قوية الآثار التي ترتبت على تبني المجتمع لنظرية علمية معينة دون نظرية أخرى منافسة لها، وأثر هذا على حياة الأفراد وعلاقاتهم. هذا التصور يشكل قاعدة جوهرية لإبستمولوجيا العلم العربي، لأنه يكشف عن النظريات والنظريات المنافسة، ويبين جوانب الإخفاق بنفس القدر الذي انكشفت به جوانب الصعود. ويترتب على هذا التوصل إلى نتائج علمية جديدة حول العلم العربي. إذ ماذا كان سيحدث لو تبني المجتمع مثلا هذه النظرية بدلا من تلك؟ هل كانت النتائج التي أخذ بها المجتمع على مستوى معين تستحق ذلك أكثر من نتائج النظرية الأخرى المنافسة؟ مثل هذا التساؤل سيضعنا مباشرة أمام تقدير قيمة النظريات العلمية إبستمولوجيا من خلال الارتداد من النتائج إلى التصور العام، أو بمعنى آخر من النتائج إلى المقدمات أو الفروض النظرية التصورية. إن هذه الإبستمولوجيا تجعل قاعدتها الأساسية خضوع النظريات لشروط العقل وشروط الاختبار معيارا جوهريا لقبولها في السياق العلمي، كمكون أساس من مكونات العقلانية التي نذهب إليها. وعلى العالم في هذه الحالة أن يتبين إلى أي حد تتمتع نظريته بالجدارة في مقابل نظريات أخرى. إذ المجتمع دائما يتطلع إلى إثراء العقلانية، ويتجه إلى تأسيس العلم واستبعاد اللا-علم من السياق التصوري، ومن ثم من دائرة العقلانية: لأن حركة التقدم العلمي تبدأ دائما من الفكرة الواضحة التي يقبلها العقل على حد قول ديكارت رائد الفلسفة الحديثة ومؤسسها الحقيقي.

ومن خلال هذه النظرية نكتشف أيضا إلى أي حد عمل الحسن ابن الهيثم من خلال هذا المستوى العقلاني الذي يحاول تعرية نصوص القدماء والكشف عن تناقضاتها وأخطائها، وبيان الغموض الذي اكتنف بعض جوانبها، الأمر الذي جعلها غير صالحة للإنتاج العلمي.

ولا شك أن عمل ابن الهيثم في “الشكوك على بطلميوس” كشف عن بعد فلسفي منطقي عميق لأنه ربط بين العقلانية والنقد من جانب، وحاول تأسيس فلسفة العلم من جانب آخر. وقد ترتب على هذه النظرية أن أصبحت هناك رؤية أخرى بديلة مخالفة أو منافسة للرؤية التي تشكلت لدى العلماء السابقين من خلال نص بطلميوس. وهذه الرؤية تشكل بعدا معرفيا جديدا أمكن من خلالها تأسيس النموذج العلمي الجديد الذي عرضه الحسن بن الهيثم في كتاب المناظر.

5- إن إبستمولوجيا العلم العربي كما ننظر إليها في إطار نظريتنا إنما تتأسس على النظرة لنتائج العلم ذاته، إذ إن العمل العلمي ينبغي النظر إليه باعتباره إنتاجا جماعيا، صدر عن عقل جمعي وهو الذي يشكل جوهر اعتقادات الجماعة العلمية، ورؤيتها لواقع الخبرة العلمية التي تعرضها، ومن هذا المنطلق فإن المنظور الإبستمولوجي لا بد وأن يدرس الاعتبارات أو البينات التي أدت بالجماعة العلمية إلى تأسيس برهان، أو حجة معينة لتدعيم وجهة نظرها، وهل كانت هناك بينات أخرى أسقطتها الجماعة العلمية من اعتبارها وهي بصدد تأسيس المنظومة العلمية؟ وهل كانت هناك بينات سلبية لم تلتفت إليها؟ إن كل هذه التساؤلات ترتبط حتما باعتقادات الجماعة العلمية، أو جيل العلماء الذي يتبع نموذجا محددا ويفرض تصورا بعينه، من خلاله تحل مشكلات العلم.

6- أن الإبستمولوجيا التي ندعو إليها تعمل على تأسيس نظرة عقلانية للعلم العربي حين تتساءل: إلى أي حد أمكن التمييز بين اللا-علم والعلم عند العلماء العرب، وكيف أمكن لبعض العلماء أن ينتقل من الخرافة، أو من المكونات اللاعقلانية – التي زخرت بها الكتابات التي وفدت إلى العلماء العرب – إلى أساس عقلي صلب أسس في بعض الأحيان برامج للبحث العلمي “على غرار ما يذهب إلى ذلك لاكاتوش” كما هو الحال عند الحسن بن الهيثم مثلا؟ وما هو نصيب النقد في مثل هذه الحالات؟

يبقى إذن بعد هذه الملامح أن تكشف لنا نظريتنا عن نوع الميثودولوجيا، أو المناهج التي تنطوي عليها وهو ما ينبغي علينا أن نتناوله تفصيلا حتى تكتمل لدينا ملامح الصورة التي ترسمها النظرية بأبعادها. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الكشف عن دورنا العلمي الحقيقي لن يتسنى إلا بدراسة علمية فلسفية اجتماعية وسيكولوجية لتطور أفكار العلم العربي في تواصلها واتصالها عبر الأجيال العلمية.

خامسا: متطلبات التأسيس الميثودولوجي

ينطق التراث المعرفي عبر التاريخ الطويل للإنسانية، والقصير للعلم، بحقيقة مؤداها أن النظرية التي تعبر عن الواقع إنما تصل إلى هذه المرتبة لكونها قد اهتدت بمنهج، أو طريقة تميزها في التعبير عن معطياتها. وقد فطن ديكارت في مطلع العصر الحديث لأهمية هذه الفكرة، وكان مقصده الحقيقي من القواعد التي دونها في “المقال عن المنهج” – الذي ترجمه إلى العربية العلامة محمود الخضيري – أن تكون هذه القواعد هادية للعقل، ومرشدة له، أثناء رحلته من الشك إلى اليقين.

إن هذه الحقيقة الجلية تؤكد رشاد العقل، وحسن توجهه المعرفي، وتدعم في الوقت نفسه التواصل بين العالم ونسيج الواقع بكل ما يحمله من مضامين حية، وتقضي على بعد الاغتراب المعرفي بين المفكر وبيئته السوسيوسيكولوجية، إذ الاغتراب من هذا النوع قد يفضي إلى أزمة حضارية ساحقة ماحقة تطبق فيها بشراسة على العقل، مما قد يفضي إلى استلاب الذات أو تخارجها أو تناقضها.

من خلال منظور الميثودولوجيا إذن يمكن للثورة العقلانية التي ننادي بها أن تدعم ذاتها تاريخيا من وعي الذات بأبعاد المعرفة التي تسعى إليها، ومن خلال كشف الذات بصورة متواصلة عن عمق التقدم العلمي الذي يبدأ أول خطواته بالعقل وبديهياته. وهنا نتساءل عن البديهيات التي تزود العقل بطاقات دافعة لإحراز التقدم. ما هي؟ وما حقيقة موقف العلماء منها؟ وهل يمكن من خلال اكتشافها أن نتوصل إلى معان جديدة لتأصيل الفكر العربي المعاصر والكشف عن مكنوناته وإبداعاته؟

لقد شغل العلماء منذ زمن طويل بمثل هذه القضايا، ومع أن أبحاثهم كانت تدور حول مشكلات علمية، إلا أنهم لم يترددوا لحظة واحدة في تبصير الأجيال التالية بأبعاد ميثودولوجية هامة تحافظ دوما على بعد تواصل الاتصال العلمي بين الأجيال، في الوقت الذي تجعل فيه الفكر بمثابة الحامل الطبيعي للمعرفة من خلال بعدي النمو والتراكم، على أن يفهم من هذا تأكيد العلماء على الجانب الديناميكي للأفكار، لأن الفكرة الديناميكية تكفل للعلم عناصر التقدم، وهذا ما يمكن أن نتبينه من قواعد ميثودولوجيا العلم العربي كما نراها في ضوء الثورة العقلانية التي نرى ضرورة إحداثها في دراسة العلم العربي وتاريخه معا.

لقد أراد العلماء العرب التغلب على سلطة الكتابات القديمة وما تمارسه على العقل من تأثير. وقد امتد الخيط الرفيع الذي سرى عبر التاريخ الثقافي للعلم بين العلماء العرب قديما والغرب حديثا. وربما كان العلامة الحسن بن الهيثم أول من قدم صياغة واضحة لهذه القاعدة في كتابه (الشكوك على بطلميوس – تحقيق صبرة – الشهابي)، فقد احتفظ ابن الهيثم لنفسه بموقف المتلقي السلبي الذي يطالع ويحلل وينقد ويكتشف مواضع الأخطاء والغموض والتناقضات واللا اتساق، مما جعله يصحح ويضيف ويبتكر، وينظر لخبرة علمية جديدة قوامها التواصل العلمي المبني على النقد بغرض إظهار الحقيقة. كذلك كان ابن رشد وهو في طليعة رواد المذهب العقلي في الإسلام، من أكثر الفلاسفة حرصا على النقد وإعمال العقل ومن أكثرهم تمسكا بالنظر في الآراء، لأن الشرع يحثنا على هذا (ابن رشد – فصل المقال).

والناظر في مقدمة ابن خلدون يجد أنه أشار في مواضع متعددة منها إلى الأوهام التي يمكن أن تؤثر على سلامة الفكر والنظر، وأنه بين إلى أي حد يمكن أن يتعرض الخبر التاريخي للكذب. ولذا وجدناه يشير إلى هذا الجانب مؤكدا عليه، ومتواصلا مع أسلافه من العلماء الذين أجادوا فهم طريقة العلم. وقد بلور ابن خلدون فكرته بصورة رائعة ومركزة حين أشار إلى أن الكذب في التاريخ وارد وأن له أسبابا تقتضيه، ومن بين هذه الأسباب “التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه في التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله” (ابن خلدون/ المقدمة، ف1). يريد ابن خلدون من هذا النص إذن أن ينقل إلى أجيال العلماء رسالة ثابتة تؤكد أن العالم إذا أسلم قياد عقله لكتابات القدماء دون أن يعمل النقد في محتواها فإنه لن يكشف لنا ما هو جديد. لقد ورث ابن خلدون رؤية أسلافه من المفكرين العرب للتراث القديم وسلطة الكتابات.

وأوروبا العصر الحديث ورثت تقاليد العلم العربي، وهو ما يبدو من النظرة الفاحصة للجانب السلبي من كتاب الأورجانون الجديد الذي دونه فرنسيس بيكون، كما سبق أن أشرت، حيث رفض الأفكار العامة والشائعة التي تقبل عادة دون نقد أو تمحيص لأنها تمثل قيدا على العقل. وأنها سلطة مقنعة تهدف إلى إقناعنا بصوابها، ولذا ينبغي تطهير العقل من قيدها. وتبدو قمة هذا الفهم الميثودولوجي عند ديكارت صاحب منهج الوضوح الذي رفض الوقوف عند مجرد التلقي السلبي للآراء، وفهم أن هناك مهمة يجب إنجازها بصورة عقلانية وهي “ألا أقبل شيئا ما على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك …. وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز.”

من خلال كل هذه المعاني نجد أن الآراء القديمة ينبغي أن تخضع للنقد، ويجب ألا نسمح لها بالسيطرة على عقولنا. وعدم النقد يجعل العقل مسترسلا مع طبعه مسلما بآراء القدماء. وهنا تبرز أمامنا صورة الفكر الغربي المعاصر في ربطه بين العقلانية والمجتمع والتقدم، وهو ما يبدو من خلال موقف اثنين من أكبر فلاسفة العلم في هذا القرن: كارل بوبر وتوماس كون.

أما نظرية كارل بوبر، فقد صدرت في وقت كان العالم فيه بحاجة إلى أفكار جديدة تواكب أحداثه. كان ذلك في الفترة التي أوشكت فيها الحرب العالمية الثانية على الانتهاء، حيث صدر كتاب كارل بوبر المشهور بعنوان “المجتمع المفتوح وأعدائه” ليتتبع الفكر الفلسفي والسياسي بصورة دقيقة وأثره في المجتمع من خلال التمييز بين نوعين من المجتمعات هما: المجتمع المفتوح والمجتمع المغلق. وجد بوبر بناء على دراسته التحليلية النقدية أنه ليس كافيا وجود المجتمع وحده لنمو العلم، وإنما المجتمع الذي نريده هو ذلك المجتمع الذي تشيع فيه روح النقد العقلاني، وهذا هو المجتمع المفتوح الذي يمكنه أن ينتج العالم إنتاجا، على خلاف المجتمع المغلق.

من خلال هذا الموقف استطاع بوبر أن يؤكد فعالية المجتمع المفتوح كمؤسسة تدفع العالم لأن يعرض آراءه على محك البحث، ومن ثم تخضع أفكاره لنقد ورؤى غيره من العلماء الذين يشتغلون بالبحث العلمي، مما يعني بالضرورة أن المجتمع المفتوح يوفر للعالم أسس الممارسة العلمية ولا يضع قيودا عليها.

يشير هذا التصور البوبري إلى أن المعرفة العلمية منهجيا تعمل من خلال ميكانيزمات التجربة والخطأ. والنقد والتفنيد وحدهما يعملان على حذف الخطأ واستبعاد النظريات غير الصالحة. وهنا يتعين على مجتمع العلماء أن يؤدي دوره في المجتمع وفقا لأسس عقلانية بحتة.

وأما النظرية الأخرى في التقدم فيمثلها العلامة توماس كون الذي دون رائعته “تركيب الثورات العلمية” في الستينيات، ومع أن توماس كون يتفق مع كارل بوبر في أن المجتمع شرط أساسي لحدوث أي تقدم علمي، إلا أنه يعتقد أن المجتمع لا يمكن أن يمارس هذا الدور ما لم يكن مزودا بنموذج علمي. (والحديث هنا عن المجتمع العلمي أصلا) والمجتمعات العلمية القادرة على إنتاج النموذج العلمي قادرة بدورها على بلوغ التقدم العلمي. وهنا فإن المسألة تتعلق بالتنافس بين مجتمعات تملك القدرة على إنتاج النموذج (ماديا وعلميا وسيكولوجيا واجتماعيا) ومجتمعات ليست لديها القدرة على إنتاجها (بفعل العوامل المادية والضغوط الاستراتيجية والحصار الاقتصادي وغيرها من العوامل التي تصل إلى حد الحرص على عدم تسرب السر Know How، فتقتات تلك المجتمعات على تكنولوجيا المجتمعات الأولى ….) ولذا وجدنا توماس كون يحاول أن يلمح لدور علم الاجتماع في هذا الصدد، لكنه لا يكشف عن حقيقة الغاية التي يمكن أن يحققها، أو حتى عن نوع علم الاجتماع الذي ينبغي على فيلسوف العلم أن يأخذه في الاعتبار، هل هو علم اجتماع العلم؟ أم علم اجتماع المعرفة؟

لكن إذا كانت ميثودولوجيا كارل بوبر تبرز دور النقد والتفنيد وتدعم العقلانية بصورة فاعلة، فإن ميثودولوجيا توماس كون تبرز دور الضغط الاجتماعي الذي تمارسه النماذج. والأمر الأبعد من هذا أنهما لم يحددا الدور الاجتماعي للنقد، ولم يقننا معايير ثابتة للممارسة التي تدفع للتقدم.

لقد انحصر الصراع بين أنصار التقدم ومحاولات تجديد الفكر العربي المعاصر، وبين أنصار المحافظة على التراث والتقليد في هذه المنطقة، تقريبا. لم يفهم الطرفان مستويات التمييز الميثودولوجي في تلك الحركة الاستدلالية، ولذا وجدنا الفريق الأول ينحي التراث جانبا (إن برفضه، أو تفنيده، أو بيان قصوره وعدم صلاحيته للعصر الراهن) ويحاول أن يأخذ بأسباب النهضة ومعايير التقدم كما وفدت من الغرب دون فهم أصولها، ودون معرفة أسباب المراجعات المتتابعة التي يقوم بها الغرب لتصوراته. وقد نسي هذا الفريق أن التراث يمكن توظيفه، ويمكن دراسته باعتباره علما بالدرجة الأولى، وليس من مخلفات الماضي. والخطأ المنهجي لهذا الفريق يبدو من اعتماده على حجج تستقى مقدماتها من سياق معرفي مباين للنتائج التي يريد الانتهاء إليها. وهنا انقطع الخيط الرفيع الذي كان يمكن من خلاله لهذا الفريق أن يحاور الفريق الآخر.

في مقابل هذا نجد أن أنصار الفريق الثاني يحاولون الحفاظ على هوية الأمة وذاتيتها، ويستشعرون الخطر من المحاولات التي تحاول تنحية التراث أو التقليد، إذ كيف يمكن لأمة أن توظف إمكاناتها المعرفية دون أن تستلهم تراثها أولا؟ إن محاولات التقدم لا بد وأن تكون من خلال الماضي الذي يبعث العزة والمجد. وهنا استبعدت مقولة الآخر بوعي وإدراك.

لكن نوع الميثودولوجيا التي تطرحها الثورة العقلانية والتي ننادي بها تحاول أن تقيم جسرا من الاتصال المتواصل بين الذات والآخر، على ألا تعتمد هذه الميثودولوجيا على استبعاد الماضي أو تمجيده، وإنما تعتمد على توظيفه بصورة فاعلة، من خلالها يمكن استكشاف الفعل الحضاري للالتقاء بين الثقافات (ثقافة الذات وثقافة الآخر) بحيث نقف على مواطن وأبعاد المؤثرات الثقافية ونتائجها.

إن الأعمال والكتابات الراهنة في تاريخ العلم العربي بالصورة التي نلمسها في كتابات هذا الجيل، تلقي ظلالا من الشكوك على فكرة العقلانية كما رسمتها تلك الكتابات. ومن ثم لا ينبغي أن نترك لتلك الكتابات المجال لممارسة ضغطها على مستقبل علم تاريخ العلم العربي.