في هذه المقالة أحاول أن أجمع ما جاء عن النبي من هدي كريم في العيدين وأيام التشريق -بعد المقالة الأولى: “المختصر الجامع في بيان هدي النبي في رمضان“-.

وقد جاءت هذه المقالة مختصرة جامعة تقرّب السنّة الثابتة لعموم الناس، مع العناية بالأدلة الصحيحة ليبقى الهدي النبوي حاضرا في حياتنا. وقد أحصيت من هديه الكريم مسائل متعدد مرتبة، أرجو أن تكون مرجعا ميسرا للتناول. وغرضي بيانُ ما جاء عن النبيّ من أقوال وأفعال أو تقريرات، وليس بيان أحكامها من إيجاب، أو ندب، أو إباحة، إلا عند الحاجة.

1- تسمية يوم الفطر “عيدا” ويوم الأضحى “عيدا” تسمية نبوية

فقد صحت بتسمية كل من يوم الفطر عيدا، ويوم الأضحى عيدا أحاديث صحيحة، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله : “يا أبا بكر إن لكلّ قوم عيدا، وهذا عيدنا”([1]).

ولحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “يوم عرفة، ويوم النحر، وأياّم التشريق، عيدُنَا أهل الإسلام… الحديث”([2]). وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي قال: (شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة). [متفق عليه].

بل سمّى النبي الجمعة أيضًا عيدًا كما جاء في حديث مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أنّ رسول الله قال في جمعة من الجُمع: “يا معشر المسلمين إنّ هذا يومٌ جعله الله عيدا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب، فلا يضرّه أن يمسّ منه، وعليكم بالسواك”([3]).

وسمّى يوم عرفة وأيّام التشريق عيدًا كذلك كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “يوم عرفة، ويوم النحر، وأياّم التشريق، عيدُنَا أهل الإسلام، وهى أيّام أكل وشرب”([4]). فالنبيّ صلى الله عليه وسلّم هو من سمّى هذه الأيّام أعيادًا.

2- اتخاذ المصلى لصلاة العيد

من السّنّة إقامة صلاة العيد في مكان واسع خارج المسجد كما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يفعل، فإنّه لم يكن يُصلِّي صلاة العيد في المسجد. قال الإمام مالك: (السنّة الخروج إليها – أي الصلاة- إلى المصلّى إلاّ لأهل مكة؛ فالسنّة صلاتهم في المسجد)([5]). قلت: إلاّ من عذرٍ كيوم المطر.

3- تحريم صيام يوم العيد

لحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: (نهى النبيّ صلى الله عليه وسلّم عن صوم يوم الفطر والنحر)([6]). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “يا أيها الناس، إنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم قد نهاكم عن صيام هذين العيدين؛ أمّا أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأمّا الآخر فيوم تأكلون من نسككم”([7]).

4- التجمّل والتزيّن في يوم العيد

لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ عمر جبّة من إستبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله ، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه تجمّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله : “إنّما هذه لباس من لا خلاق له”، فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله بجبّة ديباج فأقبل بها عمر، فأتى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنك قلت إنما هذه لباس من لا خلاق له، وأرسلت إليّ بهذه الجبة؟ فقال له رسول الله : “تبيعها، أو صيام هذين العيدين [البخاري].

وفي هذا الخبر إقرار من النبيّ لعمر رضي الله عنه في أصل التجمّل للعيد، وإنّما نهاه عن جنس اللباس، فإنّه كان من إستبرق، وهو غليظ الحرير. وقد كان ابن عمر يلبس أحسن ثيابه في العيدين([8]).

5- الأكل قبل الخروج إلى الصلاة في يوم الفطر (تمرات وتراً)

لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات). قال البخاريّ: (وقال مرجأ بن رجاء: حدثني عبيد الله قال حدثني أنس عن النبيّ : ويأكلهنّ وترا)([9]). وعن سعيد بن المسيّب رحمه الله، قال: (كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة، ولا يفعلون ذلك يوم النحر)([10]).

وقال الإمام مالك رحمه الله: (وكان الناس يؤمرون أن يأكلوا قبل أن يغدوا يوم الفطر، وعلى ذلك أدركت الناس)([11]). وأما في يوم الأضحى فيأتي ذكر ذلك في المسألة.

6- إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد

لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ أمر بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)([12]). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)([13]).

والأفضل أن تُخرج صباح العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل ذلك بيوم أو يومين. وقد (كان ابن عمر رضي الله عنهما يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)([14]). ومعنى: “يعطيها الذين يقبلونها” أي الذين ينصبهم الإمام لقبضها.

7- التكبير يوم العيد والجهر به

ذهب الأئمّة مالك وأحمد إلى أنّ التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة، ويستمرّ حتى خروج الإمام للصلاة، لحديث ابن عمر أنّ رسول الله كان يكبّر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتى المصلى)([15]). وكان ابن عمر إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلَّى، ثم يكبّر حتى يأتي الإمام)([16]).

واستحبّ الشافعيّ وأحمد في إحدى الروايتين أن يبدأ التكبير من وقت غروب الشمس ليلة العيد. قال الإمام الشافعيّ: (قال الله تبارك وتعالى في شهر رمضان: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. قال: فسمعت من أرضَى من أهل العلم بالقرآن أن يقول لتكملوا العدّة عدّة صوم شهر رمضان، وتكبّروا الله عند إكماله على ما هداكم، وإكماله مغيب الشمس من آخر يوم من أيام شهر رمضان)([17]). والأمر في ذلك واسع إن شاء الله.

أمّا الجهر بالتكبير فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنّ رسول الله كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعليّ وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن رضي الله عنهم رافعاً صوته بالتهليل والتكبير)([18]). وعن ابن عمر كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلَّى، ثم يكبّر حتى يأتي الإمام)([19]).

أمّا صفة التكبير فلم يثبت فيها شيء عن النبيّ ، وإنّما وردت فيه صيغ متعدّدة عن الصحابة، وأشهرها أن يقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد” وروي بتثليث التكبير، وهو أثر صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه عبد الرزاق الصنعاني وابن أبي شيبة وغيرهما.

قال الإمام ابن تيمية: (وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة: قد روي مرفوعا إلى النبيّ : “الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد”([20]). وإن قال الله أكبر ثلاثا جاز. ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط، ومنهم من يكبّر ثلاثا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير…)([21]).

8- الغدوّ إلى صلاة العيد ماشيا

لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (من السنّة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج). قال الترمذي: (هذا حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبّون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج لصلاة الفطر. قال أبو عيسى: ويستحب أن لا يركب إلا من عذر)([22]).

9- مخالفة الطريق في الذهاب والإياب

والمعنى أن يخرج إلى الصلاة في طريق، ويرجع في طريق آخر، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان النبيّ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)([23]). وفي رواية بلفظ: (إذا خرج إلى العيدين رجع في غير الطريق الذي خرج فيه)([24]).

10- حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها

لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ( أنّ النبيّ صلى يوم الفطر ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهنّ بالصدقة فجعلن يلقين، تلقي المرأة خرصها وسخابها)([25]).

قال ابن العربي: ( التنفل في المصلى لو كان مفعولاً لكان منقولاً، وإنّما رأى من رأى جواز الصلاة لأنّه وقت مطلق، وإنّما تركه من تركه لأنّ النبيّ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى)([26]). لكن إذا كانت صلاة العيد تقام في المسجد؛ فإنّه يشرع تحية المسجد؛ فإنّها حقّ للمسجد.

ويسنّ أن يصلِّي المسلم ركعتين بعد انصرافه من صلاة العيد ورجوعه إلى المنـزل، لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه (أن النبيّ كان لا يصلّي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منـزله صلى ركعتين)([27]).

11- لا أذان ولا إقامة لصلاة العيد

لحديث جابر رضي الله عنه قال : شهدت مع رسول الله الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة…)([28]). وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله العيدين غير مرة، ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة) ([29]). و(عن مالك أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر، ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله إلى اليوم. قال مالك: وتلك السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا)([30]).

12- خروج النساء لشهود صلاة العيد والخطبة

لحديث أمّ عطية رضي الله عنها قالت: (أمرنا رسول الله أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى؛ العواتق والحيّض وذوات الخدور؛ فأما الحيّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب قال: “لتلبسها أختها من جلبابها”([31]).

13- التبكير بصلاة العيد

لحديث يزيد بن خمير الرحبي قال: (خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه؛ وذلك حين التسبيح)([32]). وقوله: (فأنكر إبطاء الإمام): أي تأخير الإمام في الخروج إلى المصلى. كذا في عون المعبود.

وقوله: (وذلك حين التسبيح): أي وقت صلاة السبحة، وهي النافلة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة. قاله الحافظ ابن حجر. فدلّ الحديث على استحباب البدء بالصلاة وقت ارتفاع كراهة النافلة مباشرة، لا يتأخّر الإمام بها، ويشهد لهذا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ يخطب، فقال: «إنّ أوّل ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا» ([33]).

قال الحافظ ابن حجر: (وهو دالّ على أنّه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهّب للصلاة والخروج إليها، ومِن لازمه أن لا يُفعل قبلها شيء غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها)([34]). قال الإمام مالك: (وأحبّ للإمام في الأضحى والفطر أن يخرج بقدر ما إذا بلغ إلى المصلى حلّت الصلاة)([35]). وقال الحافظ ابن رجب: (وروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يبكر بالخروج إلى الصلاة؛ كي لا يصلي أحد قبلها).

14- البدء بالصلاة قبل الخطبة

لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت العيد مع رسول الله، وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلّهم كانوا يصلون قبل الخطبة). [متفق عليه، واللفظ للبخاري]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (إن النبيّ خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة). [متفق عليه واللفظ للبخاري ]. وعن البراء رضي الله عنه قال: خطبنا النبيّ يوم النحر قال: “إنّ أوّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنّتـنا… الحديث)([36]).

15- صلاة العيد ركعتان جهرا

لحديث عمر رضي الله عنه: قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمّد ). [رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما].

16- اتخاذ السترة أمام الإمام في المصلى

لحديث ابن عمر أنّ النبيّ كان تركّز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي). [البخاري] . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبيّ يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه فيصلي إليها). [البخاري]. وفي رواية بلفظ: (كان رسول الله تحمل معه العنـَزَة في العيدين في أسفاره فتركز بين يديه فيصلي إليها). [أحمد].

وأما العلة في اتخاذ السترة فَلِكون المصلَّى في خلاء لا بناء فيه، يدلّ عليه حديث ابن عمر أنّ رسول الله كان يغدو إلى المصلّى في يوم العيد، والعنـزة تحمل بين يديه، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه، فيصلي إليها؛ وذلك أنّ المصلّى كان فضاء ليس فيه شيء يستتر به)([37]).

وقدر السترة كمؤخرة الرّحل، لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سئل رسول الله عن سترة المصلي؟ فقال: “مثل مؤخرة الرحل. [مسلم]. وقد نصّ الإمام مالك على ذلك، وقال: (وذلك نحو من عظم الذراع، وإني لأحبّ أن يكون في جلة الرمح، أو الحربة وما أشبه ذلك)([38]).

17- عدد تكبيرات صلاة العيد

لحديث مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنّه قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبّر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة)([39]).

فيشرع التكبير في الركعة الأولى بسبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية بخمس تكبيرات. وهذا ما عليه جمهور السّلف من الصّحابة والأئمّة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، غير أنّ العلماء اختلفوا في عدّ تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام، فذهب الإمام مالك وأحمد إلى أنّ تكبيرة الإحرام تحسب مع التكبيرات السبع، ويكبّر في الثانية ست تكبيرات مع تكبيرة القيام. والأقوال في هذا كثيرة أوصلها ابن المنذر إلى اثني عشر قولا.

وقد قال أحمد بن حنبل: (ليس في تكبير العيدين عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حديث صحيح، وإنّما أخذ مالك فيها بفعل أبي هريرة)([40]). وقال الترمذي: (سألت محمدا عن هذا الحديث يعني: حديث عبد الله بن نافع، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن النبي كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة. فقال: ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول)([41]). ونقل الحافظ ابن حجر عن العقيليّ عن أحمد رحمه الله أنّه قال: (ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح مرفوع)([42]).

فما جاء في ذلك من طرق عن عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو مرفوعا فلم تسلم من مقال؛ فقد نقل الزيلعي وابن حجر عن الحاكم أنّ الطرق إلى عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة فاسدة)([43]).

18- القراءة في صلاة العيد (السور المستحبة)

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ “سبّح اسم ربّك الأعلى” و “هل أتاك حديث الغاشية. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين). [مسلم] . وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كان صلى الله عليه سلم يقرأ في العيدين سبّح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية). [أحمد وغيره]. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ بـ “ق. والقرآن المجيد” و”اقتربت الساعة وانشق القمر. [مالك ومسلم وغيرهما].

19- التهنئة بيوم العيد (تقبل الله منا ومنكم)

تشرع التهنئة بالعيد، وذلك فعل مشتهر عند السلف من الصحابة ومن بعدهم، وليس بين أيدينا حديث مرفوع صحيح في ذلك، لكن صحّ عن أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فعن جبير بن نفير قال: (كان أصحاب رسول الله إذا التقَوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منّا ومنك)([44]). وعن محمّد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهليّ وغيره من أصحاب النبيّ ، فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: (تقبّل الله منّا ومنك)([45]).

وعن على بن ثابت قال: (سألت مالك بن أنس عن قول الناس يوم العيد: تقبل الله منا ومنك؟ فقال: ما زال ذلك الأمر عندنا، ما نرى به بأسا)([46]).

20- اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد

المسألة خلافية، أوجزها بما حرره الإمام ابن تيمية في جوابه عن سؤال: في رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة، فقال أحدهما: يجب أن يصلي العيد، ولا يصلي الجمعة؛ وقال الآخر: يصليها. فما الصواب في ذلك؟

قال: … ‌إذا ‌اجتمع ‌الجمعة ‌والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد. كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة.

والثاني: تسقط عن أهل البر، مثل أهل العوالي والشواذ؛ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد.

والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد. وهذا هو المأثور عن النبي وأصحابه: كعمر، وعثمان، ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف.

وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة([47])، وفي لفظ أنه قال: “أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا، فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون” . وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، والعيد يحصل مقصود الجمعة.

وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم، وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه، والانبساط. فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال، ولأن يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى. كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر، والله أعلم)([48]).

21- اللهو المباح في يوم العيد وإظهار الفرح

يستحب إظهار الفرح في يوم العيد بكلّ ما هو مباح، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله : “يا أبا بكر إن لكلّ قوم عيدا، وهذا عيدنا”([49]).

وبلفظ: قالت: دخل عليَّ رسول الله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبيّ ؟ فأقبل عليه رسول الله عليه السلام، فقال: “دعهما”، فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإما قال: “تشتهين تنظرين؟” فقلت: نعم. فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة”، حتى إذا مللت، قال: “حسبك” قلت: نعم. قال: “فاذهبي”([50])وإنّ عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله يومئذ: “لتعلم يهود أنّ في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة”([51]).

فلا مانع أن يحتفل النساء بينهنّ بمثل هذا، فيضربن بالدفّ وينشدن الأناشيد، ويغنين بالكلام المباح. وكذلك لا مانع أن يقيم الشباب مسابقات علميّة أو فكريّة أو رياضيّة خالية من أيّ منكر، تكون هادفة، إظهارًا لفرحة العيد.

22- ما لا ينبغي فعله لمن يريد أن يضحّي

فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : “إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحّي، فلا يمسّ من شعره وبشرته شيئا. وفي رواية: “فلا يأخذنّ شعرا ولا يقلمنّ ظفرا”. وفي رواية: “من رأى هلال ذي الحجّة وأراد أن يضحّي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره”([52]). وهذا المنع مما ذُكر خاصّ بمن يضحِّي لا بمن يضحَّى عليه؛ لأنّ الأحاديث لا تشمله.

23- صفة الأضحية وتفضيل الضأن على غيره

وأفضل الأضحية ما جمعت خمس صفات: إحداها: أن لا تكون من غير بهيمة الأنعام. والثانية: أن الضأن أفضل أجناس الضحايا([53]). والثالثة: أن ذكورها أفضل من إناثها. والرابعة: أن الفحل منها أفضل من الخصي. والخامسة: أن الأقرن أفضل من الأجم([54]).

وهذا قد ثبت في السنّة؛ وبيان ذلك: حديث أنس رضي الله عنه قال: (ضحى النبيّ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما)([55]). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (ضحى رسول الله بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد)([56]).

24- ما يجتنب في الأضحية (العيوب المانعة)

يمنع من الأضحية أصناف جاءت في حديث البراء بن عازب أن رسول الله سئل: ماذا يتّقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: «أربعا» وكان البراء يشير بيده، ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله : العرجاء البيّـن ظلعها، والعوراء البيّـن عَورها، والمريضة البيّـن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)([57]).

قال الحافظ ابن عبد البر: (أمّا العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث، فمجتمع عليها لا أعلم خلافا بين العلماء فيها، ومعلوم أنّ ما كان في معناها داخل فيها، فإذا كانت العلّة في ذلك قائمة ألا ترى أنّ العوراء إذا لم تجزْ في الضحايا، فالعمياء أحرى ألا تجوز، وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرجل أحرى ألا تجوز، وكذلك ما كان مثل ذلك كلّه)([58]).

وعن عليّ رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله أن نستشرف العين والأذنين، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء)([59]).

و(المقابَلة ): بفتح الباء؛ أي التي قطع من قبل أذنها شيء، ثم ترك معلقا من مقدّمها. قاله القاري. وفي القاموس: هي شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة. (المدابرة ): وهي التي قطع من دبرها وترك معلقا من مؤخرها. (الخرقاء): أي التي في أذنها خرق مستدير. (الشرقاء ): أي مشقوقة الأذن طولا) كذا في عون المعبود. و(العجفاء التي لا تنقي): فهي التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال. وقوله: “نستشرف”: أي ننظر إليهما ونتأمل في سلامتهما من آفة تكون بهما كالعور والجدع.

25- سِـنُّ الأضحيّة وشروطها

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “لا تذبحوا إلا مسنّة إلاّ أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن”([60]).و (المسنة هي الثنية من كل شئ من الإبل والبقر والغنم فما فوقها)([61]). والثني من الإبل: ما تم له خمس سنوات . والبقر ما تم له سنتان . والماعز: ما تم له سنة. والضأن : ما تم له سنة، أو ستة شهور على خلاف.

26- لا يشرع ذبح الأضحية قبل الصلاة

لحديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: شهدت الأضحى يوم النحر مع رسول الله ، فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته وسلّم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: «من كان ذبح قبل أن يصلي أو نصلي، فليذبح مكانها أخرى”. وفي رواية: قال: صلى النبيّ يوم النحر ثم خطب، ثم ذبح، وقال: “من كان ذبح قبل أن يصلي، فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله”([62]).

ولحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال:خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة فقال: «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم»، فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أنّ اليوم يوم أكل وشرب، فتعجّلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني. فقال رسول الله : «تلك شاة لحم». قال: فإن عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟ قال: «نعم. ولن تجزي عن أحد بعدك»([63]).

27- إحسان الذبح وإحداد الشفرة

لحديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ، قال: “إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته”([64]). والأمر بإحسان الذبحة يدل على أن من يتولى الذبح ينبغي أن يكون مؤهلا عارفا لكي يحسن ذلك، والأمر بحد الشفرة يحقق ذلك الإحسان في الذبح.

28- استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة

لحديث جابر بن عبد الله الأنصاري أنّ رسول الله ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجّههما: “إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتـي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين. بسم الله، الله أكبر، اللهم منك ولك، عن محمّد وأمتّه”([65]).

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يستحبّ ذلك؛ فقد روى مالك بسنده عنه: (… وكان هو ينحر هديه بيده يصفهنّ قياما، ويوجههنّ إلى القبلة، ثم يأكل ويطعم)([66]).

29- وضع الرِّجل على صفحة عنق الأضحية عند الذبح

لحديث أنس رضي الله عنه قال: ضحى النبيّ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)([67]). قال الحافظ ابن حجر: (وفيه استحباب وضع الرِّجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتّفقوا على أنّ إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار انتهى)([68]).

30- ما يقول المضحّي عند الذبح

لحديث أنس رضي الله عنه قال: (ضحّى النبيّ بكبشين أملحين، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبّر، فذبحهما بيده)([69]).

وصفة التسمية والتكبير أن يقول: “بسم الله، والله أكبر”، وهذا القدر الأدنى من السنّة، وللمضحّي أن يزيد على ذلك إن شاء: “اللهم هذا منك ولك” ونحو ذلك مما صحّ، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما: “إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. بسم الله، الله أكبر، اللهم منك ولك عن محمّد وأمته)([70]).

31- الأكل من الأضحية بعد ذبحها

لحديث بريدة رضي الله عنه قال: (كان النبيّ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلّي)([71]). وفي رواية: عن بريدةرضي الله عنه قال: (كان رسول الله لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع، فيأكل من أضحيته)([72]).وعن أبي هريرَةَ رضي الله عنه عن النبيّ قال: «إذا ضحّى أَحدُكم فليأكلْ مِنْ أُضحيَّتهِ»([73]).

32- توزيع الأضحية (الشاة والبقرة والبعير)

وهو رأي الجمهور، لحديث عن جابر بن عبد الله قال: (حججنا مع رسول الله فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة)([74]). قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم، يرون الجزور ‌عن ‌سبعة والبقرة ‌عن ‌سبعة، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد)([75]).

33- منع التباهي بالأضاحي وإخلاص النية

قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: “إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى..”([76])، فلا يجوز أن يخرج المضحّي بهذه الطاعة عن مقصدها إلى المباهاة سواء في القيمة أم في العدد، وقد روى الإمام مالك من حديث أبي أيوب الأنصاريّ قال: (كنّا نُضحّي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعدُ، فصارت مباهاة)([77]).

قال أشهب: (كره مالك تغالي الناس في الأضحية، ويشتري كشراء الناس، فأمّا أن يجده بعشرة ويشتريه بمائة، فإني أكرهه ويدخل على الناس مشقّة، ومعنى ذلك الخروج عن المتعارف من قصد المباهاة)([78]). غير أنّه يستحبّ أن يضحّي بأكثر من كبش إذا خلصت النية، والأفضل أن لا يزيد على ما فعله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن حبيب: (والمباهاة بما كان لله أفضل، يريد أن الزيادة في ذلك إذا خلصت لله تعالى أفضل من التقلّل؛ ولذلك يستحبّ له أن يخرج أفضل ما يقدر عليه، وأكثر ثمنا ما لم يخرج عن المتعارف)([79]).

34- تسمية أيام التشريق عيدا

لما صحّ من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله، : “يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهى أيام أكل وشرب”([80]).

35- أحكام التكبير في أيام التشريق

أ- محلّــه: يشرع في عيد الأضحى التكبير المطلق، والمقيّد، فالتكبير المطلق في جميع الأوقات؛ من أوّل دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ ، أنه قال: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد )([81]).

وأما التكبير المقيّد فيكون في أدبار الصلوات المفروضة من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وقد دلّ على مشروعية ذلك الإجماع، وفعل الصحابة رضي الله عنهم([82]).

و(سئل مالك عن التكبير في أيام التشريق في غير دبر الصلوات؟ فقال: قد رأيت الناس يفعلون ذلك، وأمّا الذين أدركتهم وأقتدي بهم؛ فلم يكونوا يكبّرون إلا في دبر الصلوات، قال: وأوّل التكبير دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر التكبير في الصبح في آخر أيام التشريق…)([83])

فلا يمنع التكبير دبر الصلوات وفي غيرها في أيام التشريق، لما رواه البخاريّ معلّقا بصيغة الجزم: كان عمر رضي الله عنه يكبّر في قبّته بمنى فيسمعه أهل المسجد، فيكبّرون ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيرا، وكان ابن عمر يكبّر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه، تلك الأيام جميعا. وكانت ميمونة تكبّر يوم النحر، وكنّ النساء يكبّرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد)([84]).

ب – وقته (بدايته ونهايته): والتكبير أيّام التشريق يبدأ من بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق بعد صلاة الصبح، إن شاء على رأي الإمام مالك، أو من صبح يوم عرفة إلى العصر كما هو مذهب الجمهور، وهو خير على كلّ حال، ففيه زيادة ذكر الله، وكلّ ذلك قد ورد عن الصحابة. قال ابن رشد: (وبالجملة، فالخلاف في ذلك كثير، حكى ابن المنذر فيها عشرة أقوال، وسبب اختلافهم في ذلك: هو أنّه نقلت بالعمل، ولم ينقل في ذلك قول محدود. فلمّا اختلفت الصّحابة في ذلك، اختلف من بعدهم)([85]). وقال الشوكاني: (وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة قول عليّ وابن مسعود: “إنّه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجهما ابن المنذر وغيره)([86]).

36- النهي عن صيام أيام التشريق

لما روى مالك من طريق عقيل بن أبي طالب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنّه دخل على أبيه عمرو بن العاص فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له إني صائم، فقال: (هذه الأيام التي نهانا رسول الله عن صيامهن وأمرنا بفطرهن). قال الإمام مالك: هي أيام التشريق.

وعن نبيشة الهذليّ قال: قال رسول الله : «أيام التشريق أيام أكل وشرب»([87]). وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: (لم يرخّص في أيام التشريق أن يصمن إلاّ لمن لم يجد الهدي)([88]). وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهى أيام أكل وشرب»([89]).

قال أبو عيسى الترمذي: (…والعمل على هذا عند أهل العلم يكرهون الصيام أيام التشريق إلاّ أنّ قوما من أصحاب النبيّ وغيرهم رخصوا للمتمتع إذا لم يجد هديا، ولم يصم في العشر أن يصوم أيام التشريق. وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحق)([90]).