الطب النبوي” عبارة شائعة جدًّا، ويقصد بها أحاديث الطب النبوي، أي تلك الأحاديث الصادرة عن النبيفي مسائل تتعلق بالطب، من علاج ودواء ووقاية ونحوها. لكن ثمة سؤال بالغ الأهمية لا يلتفت إليه كثيرون وهو:هل كل أحاديثالطب النبويهذه في الأمور الدنيوية عامة، وفي الطب خاصة (ولو صحّت): تعتبر حجة يجب الأخذ بها واعتبارها وحيًا؟.

هذا السؤال يعالجه د. محمد سليمان الأشقر في بحثه هذا معالجة جريئة، ويخلص إلى أن أقوال النبيوأفعاله الدنيوية ليست تشريعًا. وأنهإنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، ويجوز عليهفيها الخطأ، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وأقواله وأفعاله في الأمور الطبية الصرفة ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية.

الأصل في أقوال النبي محمدوأفعاله وتقريراته أنها حجة شرعية على عباد الله، إن ثبتت بطريق صحيح. وقد تكفل ببيان ذلك والاستدلال له علمأصول الفقه. وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبيِّنًا لأمور الدين، كالإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وكالأحاديث المبينة لأحكام الله تعالى من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات والمعاملات وغيرها من أمور الشريعة.

القواعد العامة في الأمور الدنيوية

أما الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقوالهفيها مطابقة للواقع بمقتضى نبوته، أو أن هذا أمر لا صلة له بمنصب النبوة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول:أنهمعصوم من خطأ الاعتقاد في أمور الدنيا، بل كل ما يعتقده في ذلك مطابق للواقع، وكذلك ما يقوله ويخبر به. ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بمثل هذا المذهب. ولكنه لازم لمن جعل جميع أقواله وأفعالهحجة حتى في الطبيات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضا لمن صحح منهم أن تقريرهلمخبرٍ عن أمر دنيوي يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيده المحلي والبناني.

وابن القيمفي كتابه (الطب النبوي) يذهب إلى حجية أقواله وأفعالهفي الطب. وقال: “طب النبيمتيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل”. ويظهر أن هذه طريقة المحدثين.

المذهب الثاني:أنه لا يجب أن يكون اعتقادهفي أمور الدنيا مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا، بل قد يصيب غيره حيث يخطئ هو.

قالوا: وليس في ذلك حطّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به؛ لأنمنصب النبوة مُنصب على العلم بالأمور الدينية: من الاعتقاد في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد أن فلانا مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين، فإذا هو لا يشفي منه، أو أن تدبيرا زراعيا أو تجاريا أو صناعيا يؤدي إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو أن تدبيرا عسكريا أو إداريا سينتج مصلحة معينة، أو يدفع ضررا معينا، فإذا هو لا يفعل،فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره؛ مما أدى إلى نتائج معينة. فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد.

وقد صرح بأصل هذا المذهب، دون تفاصيله: القاضي عياض، والقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي والشيخ محمدأبو زهرة. وظاهر حديث “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”: أنهكغيره من الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزراعاتهم قد يكونون أعلم منه بدقائقها، إلا أنالقاضي عياضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً، لا كثيرايؤذن بالبله والغفلة.

ويحتج لهذا المذهب بأدلة، منها:

أولا:حديث تأبير النخل في صحيح مسلم، “قدم النبيالمدينة، فإذا هم يأبرون النخل -يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر”. وشبيه به قول رسول الله: “إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب”.

ثانيا:إن النبي قال: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار”.

واختار د. محمد سليمان الأشقر المذهب القائل بأنأقوال النبيوأفعاله الدنيوية ليست تشريعًا، واستدل لذلك بالأدلة الآتية:

ا- قوله تعالى:(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) وقوله: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)، وقد تكرر التأكيد على بشرية الرسول. بخلاف أمور الشريعة، فإن كلامه فيها لا يستقر فيه خطأ، كما هو ثابت في علمأصول الفقه.فالأصل استمرار حاله في أمور الدنيا كما كان قبل النبوة، لما لم يدل على انتقاله عن ذلك دليل. وقد أكدتالسنة النبويةما بينه القرآن من ذلك. كما يأتي.
2- قوله:“إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر”، وفي رواية: “أنتم أعلم بدنياكم”. وبهذا الحديث، برواياته المختلفة،يؤصل النبيأصلا عظيما في الشريعة، ويبينه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحيانا أعلم منهبما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعي شرعا لالتفاتهم إلى ما يصدر عنهمن ذلك إلا كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.

3- إن الحباب بن المنذر، قال في سياقغزوة بدر: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله: لقد أشرت بالرأي.

وقالت عائشة: “كان رسول اللهيسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات، وكنت أعالجها له”.

ابن خلدون: الطب المنقول في الشرعيات ليس من الوحي في شيء. وإنما هو أمر كان عاديا للعرب .. فإنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره.

وممن صرح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبار. وصرح بها حديثا الشيخ ولي الله الدهلوي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ فتحي عثمان.
ابن خلدون: الطب المنقول في الشرعيات ليس من الوحي في شيء. وإنما هو أمر كان عاديا للعرب .. فإنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره.

قال ابن خلدون: “الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) ليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبيمن نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجِبِلَّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنهإنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره منالعاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم). قال: فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه”.

قال القاضي عياض: “فمثل هذا وأشباهه منأمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها: يجوز عليهفيها ما ذكرناه [أي الخطأ]، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وشغل نفسه بها، والنبيمشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثيرالمؤذنبالبله والغفلة”.

وبينشاه ولي الله الدهلويأنعلوم النبي على قسمين: أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة والآخر: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله: “إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر” وقوله في قصة تأبير النخل.. قال:ومنه الطب.

وقالالشيخ محمد أبو زهرةفي شأن حديث تأبير النخل: “الحديث يتعلق بالصناعات وفنون الزراعة، وتثمير الأشجار، فهل يتصور أن النبي يمكن أن يكون حجة وذا خبرة في فنون الزراعة والتجارة، وصناعة الزجاج والجلود، ونسج الأقطان والحرير، وغير ذلك مما يتعلق بالمهن المختلفة!؟.

والأمور الدنيوية التي هذا سبيلها، ووردت فيها أحاديث نبوية، هي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول:الأمور الغائبة عنهمما شأنه أن يعرفه من رآه أو سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر، كمعرفة ما في بيت مغلق، أو معرفة ما يجري في مكان بعيد من أرض الله. فهذا من علم الغيب، لا يعلمه إلا الله، لقوله تعالى: (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ)، وقوله: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) فلا يعلم النبيمثل ذلك إلا بطرق المعرفة المعتادة، ما لم يخبرنا أن الله أطلعه عليه وأوحى إليه به.

النوع الثاني: أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم، وما عملوا في حال غيبتهم، فلا يُعلمُ النبيُّ قال ذلك بغير إطلاع خاص من الله تعالى، كما أطلعه على حال بعض المنافقين. ثم قد يعتقد الشيء من ذلك الذي لم يوحَ إليه به على غير ما هو عليه؛ لقوله: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي…”.

وكانيُجري أحكامه على الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو يمين الحالف، أو مراعاة الأشبه، أو معرفة القرائن. ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته، ولكنه غيّب عنه ذلك.

النوع الثالث: ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، وهي ما يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك، أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة، أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.

ويشمل هذا النوع الأضرب التالية:
الضرب الأول:الأمور الطبية، فقد تناول النبي، أو أعطى غيره، أو وصف له، أطعمة وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصحة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها. وكذلك تعاطى أو أعطى أنواعا مختلفة من العلاج.

الضرب الثاني:شؤون الزراعة.

الضرب الثالث:الصناعة.

الضرب الرابع:التجارة.

الضرب الخامس:أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.

الضرب السادس:مثل التدابير الفنية التي اتخذهافي الحرب، من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها.

الضرب السابع:مثل التدابير التي اتخذهافي الإدارة المدنية، من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء، وكذلك الأعلام والشعارات، والمرافق من الطرق والحصون وغيرها.

فهذه الأضرب وأمثالها قد وقع من النبيالكثير من أفرادها، ونقل إلينا أشياء من ذلك.

والنظر فيالأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأحاديث من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: (أصل) الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك: تعتبر أقوالهفي ذلك حجة يجب اعتقادها واتباعها، ويستفاد من الأحاديث القولية والفعلية في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يرتقي إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه ودلالة نطقه في ذلك.

وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”، فهذا في الصناعة، وقال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقينيوم القيامة“، فهذا في التجارة، وورد في الزراعة وغيرها أحاديث أخرى، وتأتي الأحاديث التي تأمر بالتطبيب والعلاج.

الوجه الثاني: إرشادات وتوجيهات شرعية في ممارسة تلك الأعمال، كتجنب البول وقضاء الحاجة تحت الشجر المثمر، ووجوب إحسان الذبح، وتحديد الشفرة لئلا يتعذب الحيوان المذبوح، وإمكانية استعمال المنجنيق في الحرب، وتجنب قتل النساء والأطفال فيها، ونحو ذلك، فهذا شرع يؤخذ كما يؤخذ غيره من الشرع في العبادات ونحوها.

الوجه الثالث: الأمر الذي عمله بخصوصه، هو مباح له، وقد يكون مستحبًّا له، أو واجبا عليه، لاعتقادهأنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب.

أقواله (ص) وأفعاله المبنية في الأصل على التجارب الشخصية: ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها.
أقواله (ص) وأفعاله المبنية في الأصل على التجارب الشخصية: ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها.

ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك؟كما لو شرب دواء معينا لعلاج مرض معين، فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم لا؟ هذا ينبني على القاعدة التي سبق تحريرها، وقد رجحنا فيها قول من قال من العلماء: إنأقوالهوأفعاله في ذلك الباب ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية للنبيمن حيث هو بشر، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة.

ونبه د. محمد الأشقر هنا إلى أنه إذا نص القرآن على أمر دنيوي فهو حق لا مرية فيه؛ لأنه من الله تعالى الذي لا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض. فإذا كان الحديث النبوي في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلق بذلك الأمر، فيكون الفعل بيانا أو امتثالا للقرآن، ويحمل على الشرعي. ولعل خير مثال على ذلك شربهالعسلللتداوي، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). وشبيه بذلك ما أخبرأنه فعله عن وحي من الله تعالى.

كما نبه الأشقر إلى أمر آخر وهو أنه إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيويا أو دينيا، حمل على الديني؛ لأنه الأكثر من أفعاله. والله أعلم.

أحاديث الطب النبوي الواردة في شأن الطب والعلاج

بعد تأصيل القواعد العامة التي ذكرت، والتي تصدق على جميع الأحاديث النبوية المتعلقة بالشؤون الدنيوية المختلفة، نخص بالكلام الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية بالذات، بتطبيق القواعد السابقة عليها فنقول:

إن أحاديث الطب النبوي المذكورة نوعان رئيسيان:

أولهما:ما يعتبر شرعا يتبع، ويعمل به، كسائر الأحاديث الواردة عنهفي شؤون الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأحكام المختلفة التكليفية والوضعية.

والآخر:ما لا يعتبر شرعا، ولا يلزم العمل به، وسبيله سبيل الشؤون الدنيوية التي تقدم بيانها، يعتبر قول النبيفيها كقول سائر الناس:

1- ما هو شرع من أحاديث الطب:

النوع الأول:وهو ما ورد من أحاديث الطب النبوي ويعتبر شرعا يتبع،يشمل فئات:

الفئة الأولى:

أ- ما كان من الأحاديث الواردةفي حكم أصل العمل بالطب والمعالجات وتناول الأدوية. فهذا النوع شرع يتبع. وقد وردت في أصل العمل بالطب أحاديث منها: حديث الأمر بالتداوي، وأن الله تعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، غير داء واحد، اختلفت الأحاديث في تعيينه، ففي بعضها: هو الهَرَم، وفي بعضها: هو الموت.

ومثلها الأحاديث التي تفيد أن النبيكان إذا مرض يتداوى، وربما سأل الأطباء عن دواء مرضه، وكانت وفود العرب تصف له الأدوية، فكانتعائشة رضي الله عنهاتعالج له تلك الأدوية أي تمزجها وتهيئها، ومن ثم كان لها علم بالطب.

ب- ومنها حديث أبي رمثة أن النبيقال لطبيب: “الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها” رواه أبو داود. هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى كي تعمل عملها.

الفئة الثانية:أحاديث فيها توجيهات شرعية متعلقة بعمليةالتداويوشؤون المرضى:

أ- من ذلك حديث البخاري عن الصحابية ربيع بنت معوذ، قالت: “كنا نغزو مع رسول الله حتى نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة”. ففيه جواز مداواة المرأة للجرحى من الرجال.

ب- ومنها أحاديث الأمر بعيادة المريض، وأن النبيكان يعودهم، حتى “إن غلامًا يهوديا كان يخدم النبي، فمرض، فأتاه النبييعوده فقال: أسلم. فأسلم”، وكان إذا عاد المريض ربما وضع يده على جبهته، ومسح على صدره وبطنه، ودعا له. نقل البخاري أنهفعل ذلك عندما زار سعدًا. وربما رقى المريض. ففي صحيح البخاري من حديث عائشة: “أن النبيكان إذا أتى مريضا، أو أُتي إليه به قال: “أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا.

ج- ومنها حديث النهي عن التداوي بالمحرمات: كحديث أنهسئل عن الخمر يتداوى بها فقال: “إنها ليست بدواء ولكنها داء” رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وكحديث: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم” رواه عبد الرزاق والطبراني مرفوعا. ورواه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا.

فهذه الأحاديث هي من قبيل الشرع؛ لأنهناط الحكم بمعنى شرعي، وهو التحريم، فما كان من المواد محرما لم يجز التداوي به. ولا يعني هذا أنه لا يجوز استعماله عند الضرورة، مع عدم وجود دواء آخر غير الدواء المحرم، بل إن الضرورة تبيح المحظور.

الفئة الثالثة: أحاديث أبطلت أنواعا من المعالجاتكانت سائدة في الجاهلية، تنافي صحة الاعتقاد الإيماني؛ لأنها ليست أسبابا حقيقية للشفاء:

أ- منها “أن عبد الله الجهنيالصحابيرضي الله عنه خرج به خراج، فقيل له: ألا تعلق عليه خرزا؟ فقال: لو علمت أن نفسي تكون فيه ما علقته. ثم قال: إن نبي اللهنهانا عنه” رواه ابن جرير وصححه.

ب- ومنها قوله: “إن الرقى والتمائم والتولة شرك”. رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث ابن مسعود. ومثله حديث: “من علق تميمة فقد أشرك”. والمراد بالرقى الرقى المجهولة، وما كانت الاستعاذة فيها بغير الله تعالى، بخلاف الرقية بالفاتحة والمعوذتين والأدعية المشروعة. والمراد بالتمائم الأحجبة التي تعلق على الأطفال والبيوت والسيارات ونحو ذلك، يزعم الجهلة أنها ترد العين، أو تمنع المرض والحوادث. والتولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها.

الفئة الرابعة:أحاديث أمرت بأدوية ومعالجات ربطتها بأحكام تعبدية وشعائر دينية

أ- من ذلك حديث أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا: “السواكمطهرة للفم مرضاة للرب”، وفي صحيح البخاري أيضا “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة.

ب- أحاديث الاسترقاء، منها ما في صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسول اللهإذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ(قل هو الله أحد) والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده.

ج- ومنها أحاديث الدعاء للمريض، كقوله: “اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.

د- ومنهاحديث “داووا مرضاكم بالصدقة”“.

الفئة الخامسة:أحاديث مبنية على النص القرآني:

فمن ذلك أحاديث التداوي بالعسل.

الفئة السادسة: أحاديث فيها ذكر أدوية أو معالجات يخبر النبيأنه علمها بطريق الوحي، أو إخبار الملائكة، أو أن الله يحبها، أو يكرهها، ونحو ذلك.

وإنما كان هذا النوع من الأدوية صحيحا ومشروعا لأنه منسوب إلى الله تعالى أو ملائكته. فمن ذلك أحاديث الأمر بالتداوي وأصل العمل بالطب.

ولا بد لاعتبار الأحاديث التي ضمت هذه الفئة الأخيرة حجةً في باب الطب: من أحد أمرين:

الأول: أن يكون الحديث على درجة عالية من الصحة؛ لأن تطبيقه على الأجسام الإنسانية قد يكون فيه ضرر كبير، فإن وقع الضرر فلا يكون للطبيب عذر أن يتبين كون العلاج مبنيا على حديث صحيح ظاهرا لكنه في الحقيقة موهوم أو مكذوب. ولذا أقترح أن لا يعتبر حجة من الناحية الطبية الصرفة حديث ما لم يكن ثابتا على سبيل القطع، وهو الحديث المتواتر، أو على شبه القطع، وهو ما ورد من طريقين على الأقل، منفصلين، من أول السند إلى آخره، بحيث يعرف أنه لم ينفرد برواية الحديث راو واحد في أي طبقة من طبقات السند، حتى لو كان صحابيا.

الآخر. أن يخضع مضمون الحديث للتجارب الطبية تحت نظر الاختصاصيين. فإن ثبتت صلاحيته كفى، وتكون التجارب هي الحجة في ذلك.

2- ما لا حجة فيه من أحاديث الطب:

النوع الثاني:وهو ما لا حجة فيه من أحاديث الطب وهو سائر الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج، وليس فيها ما يشعر أنها من قبل الله تعالى، أو أنها من قبيل الشرع. وقد وضح من القواعد المذكورة سابقا أن هذا النوع من الأحاديث ليس من قبيل التشريع. ونحن نذكر جملة من تلك الأحاديث على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

1- فمنها حديث مقدام بن معد يكرب عند أحمد والترمذي مرفوعا: “ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وتلث لنفسه.

2- ومنها أحاديث الحجامة، كما تقدم في الفئة السادسة من النوع الأول، إن لم يصح الحديث بأن الملائكة أمروا النبيبها.

3- ومنها حديثسعد بن أبي وقاصمرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود “من تصبّح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر”.

4 – ومنهاحديث ابن عباسمرفوعا، عند أحمد والبخاري ومسلم: “الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء”.

5- ومنها حديثأبي هريرةمرفوعا عند أحمد والترمذي “العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وفيها شفاء للعين”، وروى نصفه الثاني البخاري ومسلم وأحمد والنسائي مرفوعا من حديث سعيد بن زيد.

6- وحديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم، ومثله عند أحمد عن عائشة، وعندابن ماجهعن عمر مرفوعا: “في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام” والسام الموت.

7- ومنها حديث أحمد والبخاري وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا: “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء”. زاد أحمد في رواية: “وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء، فليغمسه كله”، وأخرجه كله أحمد والنسائي وابن ماجه من روايةأبي سعيد الخدريمرفوعا.

8- ومنها الأحاديث الواردة في العدوى:

فمنها حديث أبي هريرة مرفوعا: “لا يُورِدَن ممرض على مصح”، رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. الممرض هو الذي له إبل مريضة، نهاه أن يوردها على الإبل الصحيحة. ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبيقال: “لا عدوى ولا صفر ولا هامة.

9- ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف عند البخاري “إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”رواه مسلم.

10- ومنها حديث عندالإمام أحمدمرفوعا: “إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء.

فهذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع الثاني، ونحوها من الأحاديث التي تدخل في صلب الأمور الطبية والعلاجية، لا ينبغي أن تؤخذ حجة الطب والعلاج، بل مرجع ذلك إلى أهل الطب، فهم أهل الاختصاص في ذلك.وقد يتبين في شيء من هذه الأحاديث الخطأ من الناحية الطبية الصرفة،وكما قال القاضي عياض: ليست في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جربها.

لكن قد يبدو لبعض أهل العلم في شيء منها ملحظ صحيح يكون قرينة على أنها تشريع، فتخرج بذلك عن أن تكون من هذا النوع الثاني، وتدخل في النوع الأول، وتعتبر حجة في باب الطب، كما ظهر لنا في الفئات الست. والله أعلم.

إثبات فاعلية هذه الأدوية والمعالجات

إنه وإن قلنا في أحاديث هذا النوع الثاني وأمثالها: إنها ليست حجة في الأمور الطبية، فإنه لا ينبغي مع ذلك اطراحها بالكلية، بل ينبغي أن تثير احتمالا بالصحة، كسائر الأقوال الطبية المأثورة عن أهل التجارب والمعرفة من غير أهل الاختصاص، بل هي أولى منها، للشبهة في أنها قد تكون مبنية على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولا يخفى ماذا حدث في الطاعون المتقدم ذكره من الحكمة البالغة التي يؤيدها الطب الحديث كل التأييد.

ولذا أرى أن تخضع للتحليل وللتجارب على الأسس المتعارفة عند أهل الاختصاص. فإن وجدت صالحة أدخلت حيز العمل، ويكون التحليل والتجريب هو الحجة في صلاحيتها، دون كونها مما ورد عن النبي، خاصة وأن الكثير منها لا يثبت من حيث الرواية بطريق القطع أو شبهه على الوجه الذي تقدم بيانه.

تناول الأدوية المأثورة على أساس الاعتقاد الإيماني

ذكر ابن خلدون رحمه الله بعد كلامه الذي نقلناه سابقا حول كون الطب المنقول في الشرعيات عن النبيلا ينبغي أن يحمل على أنه مشروع، قال: “إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم في النفع، وليس ذلك في الطب المزاجي، وإنما هومن آثار الكلمة الإيمانية“. وقالابن حجر: “استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس”.

الأمور الطبية الصرفة هي من صميم الأمور الدنيوية، لا يكفي فيها مجرد الإيمان.

والذي اختاره د. محمد الأشقر أنه لا شك أن منفضائل النبيأنه يجوز التبرك بآثاره، والاستشفاء بها،لكن هل يكون ما ورد عن النبيمن المعالجات الطبية هو من جنس آثاره وملابسه ونحو ذلك، حتى يستشفى بها ويتبرك بها؟يبدو أن في هذا نظرًا [أي ضعفًا]، فإنه لما ثبت أن النبينبه على أن ما يصدر عنه في مثل ذلك هومجرد رأي يراه،وأنه بشر يخطئ ويصيب، وأن ما حدث به من قبل نفسه فهم أعلم بدنياهم،فكيف يتساوىما نبه على عدم نفعه من الشؤون التي قالها من عند نفسه، مع ما أذن فيه من التبرك بآثاره؟!.

ثم إن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقا لرسول اللهوإيمانا به، وعملا بقوله، ومع ذلك خرج ثمره ذلك العام شيصا، أي تالفا غير صالح، ولم يأت إيمانهم وتصديقهم كافيا ليصلح به الثمر؛ لأنه ليس في الحقيقة سببا لذلك. فكذلكهذه الأمور الطبية الصرفة، هي من صميم الأمور الدنيوية، لا يكفي فيها مجرد الإيمان – التصديق – مع كونها ليست أسبابا في حقيقة الأمر.

وأما القياس على الشفاء القرآني بالمواعظ فهو قياس فاسد، فإن مواعظ القرآن من لم يصدق بها لا يستمع إليها، وإن استمع إليها فإنه لا يقبلها ولا يعمل بها، فكيف تنفعه؟ كالدواء المادي إذا لم يتناوله المريض لا ينفعه. أما إن تناوله فإن تأثيره في الأجسام لا يختلف بالتصديق وعدمه.


د. محمد سليمان الأشقر – 12/08/2004