وُلد ليوبولد فايس لأسرة يهودية في عام 1900 في لفوف التي كانت يومها تابعة للنمسا.
والده كارل محام، وجده حاخام منطقة تشيرنوفيتش. سافر مع أهله إلى فينيا وبرلين وإلى جبال الألب وغابات بوهيميا وشواطئ بحر الشمال والبلطيق.. جده لأمه كان من كبار رجال المال والأعمال…ولفوف تقع في غاليسيا ولكن طفولته أمضاها في برلين وفينيا.. وعائلة والده كانوا من الربانيين..
في عمر 13 كان ليوبولد قد صار متضلعاً بكتب اليهودية (التوراة والمشنا والجماراة) وكذلك باللغتين العبرية والأرامية (ما سهل عليه لاحقاً دراسة العربية وإجادتها كأهلها). غير أنه كان كلما تعمق في اليهودية كلما نقص إيمانه بها. وهو قال لاحقاً إنه سرعان ما تطورَ لديه شعور متشكك بالعديد من مسلمات العقيدة اليهودية؛ “فقد بدا لي وكأن إله العهد القديم والتلمود كان مهتماً أكثر من اللزوم بالطقوس التي كان على أتباعه أن يتعبدوا له بها، كما بدا لي أيضاً أن هذا الإله كان مهتماً أكثر من اللزوم وبشكل غريب بمصائر شعب واحد هو العبرانيين”.
قرر ليونولد إذن ترك الطريق الذي كان مرسوماً له.وكان ذلك عند منعطف دولي تاريخي هو منعطف الثورات والحروب:مجزرة حرب ال14 التي أسقطت كل القيم التي تغنت بها أوروبا..
وثورات روسيا وألمانيا، والغليان الإيديولوجي والسياسي الذي رافقها. ولعل ستيفان زويغ وصف تلك الأيام أروع وصف في كتابه “عالم الأمس” قائلاً إنه كان عالماً وحشياً وفوضوياً..إمتزجت فيه النشوة الصـوفية بالفساد الوقح الفج.. كان ذلك عصر الحركات الكبرى كالماركسية واللينينية والتروتسكية.. وعصر البدع الكبرى كالروحانية والثيوصوفية والأنثروصوفية وقراءة الكف والعقائد الغنوصية القادمة من الشرق الأقصى..وكانت فترة بحث عن مسكنات من الآم الواقع أو عن هروب من الواقع المؤلم عبر المخدرات وحتى الإنتحار.. وإنعكس ذلك في الأدب والفن والمسرح (مع صعود الدادائية ومسرح اللامعقول) كما في السياسة (إنتصار اللينينية والستالينية والفاشية) وصارت العواصم الأوروبية مسرحاً لملايين الشباب القلق المضطرب الباحث عن نفسه وعن طريق جديد يخلصه من حيرته الروحية.. وفي ذلك كتب فايس يقول إنه “في غياب مرجعية ومعايير أخلاقية ضابطة لم يكن بإمكان أحد أن يعطينا نحن الشباب أجوبة مناسبة ومقبولة لآلاف الأسئلة التي كانت تحيرنا”..
حياة السفر والترحال مع أهله كانت سحراً فاتناً فكتب “في كل مرة تبدأ إحدى هذه الرحلات وما أن تصفر صافرة القطار الأولى أو تهتز عجلاته، كان قلبي يتوقف عن النبض توقعاً للإنتظارات الجميلة الرائعة التي كانت ستتكشف وقائعها لي”..
بعد الحرب الأولى إنتقلت عائلة فايس إلى فيينا حيث بدأ دراسة تاريخ الفنون في جامعتها؛ كما بدأ بحثه عن الأجوبة للأسئلة المحيرة التي كانت الإنتلجانسيا تطرحها في المقاهي. وقد تأثر أولاً بمدرسة التحليل النفسي وروادها يومذاك ألفرد أدلر وفلهلهم ستيكل وأوتو غروس، دون أن يؤدي به ذلك إلى إشباع نهمه المعرفي وقلقهالروحي.. وقال لاحقاً إنه شعر بممانعة عفوية ضد غرور وعنجهية هذه المدرسة التي إدعت إختزال سر وجود الإنسان في ردود فعل صادرة عن جهازه العصبي.. وأعتقد فايس أن الأمر “أعقد من ذلك وأجمل”.
وفي تلك الفترة أيضاً عرف فايس سلسلة غراميات وعلاقات بنساء كان يلتقيهن في المقاهي. وكانت تلك سمة ذلك العصر: بناء علاقات حرة دون خجل أو حياء..” في غراميات الشباب تلك ورغم قصر أمدها، كان هناك شيء من الأمل ينبض في قلبي بأن تقضي على الوحدة التي كانت تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان من خلال تلك العلاقة بين رجل وإمرأة”.. كما أنه عرف حظوة في البلاط الملكي النمساوي حيث أنه تميز كمثقف مرهف حساس..
لقاء مدام غوركي
في عمر العشرين إنفصل فايس عن عائلته وسافر إلى برلين مصمماً على العمل في الصحافة وكان في جيبه خاتم ذهب ورثه عن أمه التي كانت توفيت قبل عام، ورسالة غاضبة من والده الذي لم يرض بخياراته.. وبعد بضعة أسابيع قضاها في برلين سائحاً بالمال الذي باع به الخاتم، ساعده أصدقاء له على التعرف على المخرج السينمائي الصاعد يومها فريدريك فلهلهم مورنو (الذي صار لاحقاً أشهر مخرجي الأفلام الصامتة إلى جانب فريتيز لانغ). واشتغل فايس لمدة شهرين كمساعد خاص لمورنو متنعماً بحياة النجوم والسينما، ثم غادره ليتنقل في عدة أعمال عبر أوروبا قبل أن يستقر في مهنة الصحافة وذلك في مكاتب وكالة يونايتد تلغراف الإخبارية التي كانت بدأت عملها في برلين، وكانت مهمته قراءة عناوين الأخبار لصحف المقاطعات عبر الهاتف.
وفي أحد الأيام أخبره صديق له أن زوجة مكسيم غوركي تقيم في فندق برليني بإسم مستعار. وكانت مدام غوركي في تلك الأيام محط إهتمام شعبي وإعلامي في أوروبا بالنظر لنضالها العنيف دفاعاً عن جياع روسيا.. وقد استطاع فايس إقناعها باعطائه مقابلة صحفية أمنت له الشهرة وجعلته يصبح مراسلاً صحفياً. وحين إكتشف مديروه أنه يجيد عدة لغات جعلوه نائباً لرئيس التحرير مسؤولاً عن الصحافة السكندنافية.. غير أن هذا النجاح لم يسعده تماماً إذ كان يطمح إلى ما هو أكثر لصعود أعلى السلم مثل أبناء جيله الذين كان يجالسهم في مقاهي برلين الراقية. وهو كتب إنه لم يكن يشعر بالإنتماء إلى أحلام وآمال أولئك الشبان الذين كان يعرف أنه يختلف عنهم سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً دون أن يستطيع تحديد الى من أو إلى ماذا ينتمي هو.. وكانت أزمة البحث عن شيء يُنتمى إليه هي أساس بحث الشباب في تلك السنين..
وفي سنة 1922 تلقى رسالة من خاله الدكتور دوريان فايجغانبوم (أحد أوائل تلامذة فرويد) الذي كان يدير مصحاً عقلياً في القدس، وكان عازباً، ومعادياً للصهيونية، ولكنه في نفس الوقت لم يستطع الإنسجام مع الثقافة العربية الفلسطينية، فوجد نفسه بالتالي وحيداً.. ولذا كتب إلى إبن شقيقته مستذكراً أيامهما الجميلة في فيينا حين كان الخال يعرّف الشاب على دهاليز مدرسة التحليل النفسي وخباياها. ثم أنه عرض عليه في رسالته القدوم إلى القدس لقضاء بضعة أشهر في ضيافته مع إستعداده لدفع ثمن تذكرة السفر ذهاباً واياباً قائلاً له إنه يستطيع العودة إلى برلين وقتما يشاء إذا لم يكن منشرحاً في القدس حيث سيقيم في بيت عربي قديم من الحجر وسيتمتع برفقه خاله وبكتبه إن مل مراقبة الناس والأحداث…ولم يكن ليوبولد ليحتاج الى أكثر من ذلك ليقدم إستقالته من الوكالة في اليوم التالي لتلقيه الرسالة وليشد رحاله سريعاً إلى القدس عبر رومانيا أولاً ثم في البحر إلى الأسكندرية ومنها براً إلى فلسطين حيث كانت تنتظره إحدى أهم محطات حياته.
نبوءة أوسيخين
البيت العربي الحجري في القدس كان مطابقاً لوصف خاله له في رسالته فهو كان يقع في أعلى القدس القديمة بالقرب من بوابة يافا؛ وكان رمزاً للأرستقراطية المنقرضة ويطل على السوق الشعبي المكتظ بالناس ما أشعل نيران خيال الشاب الأوروبي القادم لتوه من برودة برلين.. ولم يكن ليوبولد ليملك أكثر من الفراغ ، وقت كثير أمضاه في مراقبة حياة الناس والمدينة المقدسة.
هؤلاء العرب الذين كانت تضج بهم القدس وأسواقها وشوارعها في تلك الأيام سحروا فايس لأنهم “كانوا يمثلون عالماً بلا حدود، إلا أنه مع ذلك ممتلئ ومتشكل ومتمحور حول نفسه وفي الوقت عينه منفتح على كل الجهات”..
ويروي فايس إنه كان يوماً يراقب بدوياً طويل القامة يقف من دون حراك وهو ينظر إليه وكأنه خارج لساعته من قلب أسطورة أو حكاية بيبلية (كتابية توراتية).. فتراءى له في تلك اللحظة أنه يرى فيه سلالة داوود وزمن داوود، وسلالة إبراهيم وزمن إبراهيم.. وإن هؤلاء الأنبياء أقرب إلى جذورهم العربية وإلى هذا البدوي العربي مما هم إلى يهود اليوم الذين يدّعون إنهم من ذريتهم…
كان يهود تلك الأيام ولما تمض غير سنوات قليلة على وعد بلفور المشؤوم يأتون بالآلاف كل عام للإستيطان في فلسطين. والموجة الثالثة من الهجرة المنظمة جلبت حوالي 35 ألف يهودي من أجلاف أوروبا الشرقية الذين كانوا ممتلئين تعصباًً وغروراً على صورة زعميهم ومثالهم يوسف ترمبلدور الذي قتل عام 1920 في معركة مع العرب في الخليل.
ولم يكن ليوبولد ليستسيغ هذا النمط من الغرور والتعصب القومي الصهيوني، وهو المثقف، المرهف الحساسية، الشديد الإستقلال العقلي والفكري، المنفتح، وصاحب الروح الطيبة القلقة الباحثة عن الحق والعدل، والرافضة للجمود والتقليد وللمحرمات، والمتأثر أيضاً بأرقى المشاعر الإنسانية الصادقة النبيلة، وقد جاء إلى فلسطين للتفكير والتأمل والكتابة؛ ولذلك وما أن شعر بخطورة ما يجري على أرض فلسطين حتى أبرق أولى مقالاته عن الشرق الأوسط إلى حوالي 10 صحف أوروبية ليتلقى رداً إيجابياً من كبريات صحف ألمانيا يومذاك (فرنكفورتر زايتونغ)، بتعيينه مندوباً لها في المنطقة وتكليفه تأليف كتاب عن الشرق الأوسط حال عودته إلى أوروبا. وطبعاً لم تعجب مقالاته الصهاينة.. ويعترف كاتب سيرته في صحيفة هاأرتز ( أمير بن دايفيد) بأنها “ما تزال إلى اليوم وبعد 80 سنة على كتابتها، عسرة الهضم وثقيلة على اليهودي والإسرائيلي..ذلك أن أفكار فايس كانت على طرف نقيض مع المثالات القومية الصهيونية لتلك المرحلة، بل وحتى للتاريخ اليهودي نفسه”..

وقد اعتبر فايس الفكر الصهيوني ليس فقط فكراً لا أخلاقياً وإنما أيضاً خطيراً. واليهود الذين رآهم يومها في القدس ( ومعظمهم من روسيا وبولندا) كانوا “يحملون معهم الكثير من الخسة وضيق الأفق من حياتهم السابقة في أوروبا ما يجعلك تشك في أن يكونوا من نفس معدن اليهود الفخورين القادمين من المغرب وتونس”.
وقد تساءل فايس يومها: “ماذا كان الأوروبي العادي يعرف عن العرب في مطلع القرن العشرين؟ تقريباً لا شيء ! فهو حين جاء إلى الشرق الأدنى حمل معه مفاهيم خاطئة أو رومنطيقية ولو كان حسن النية مستقيم الخلق لكان عليه أن يعترف بأنه لا يعرف شيئاً عن العرب. أنا أيضاً قبل مجيئي إلى فلسطين لم أكن أفكر في هذه البلاد باعتبارها عربية.. كنت بالطبع أعرف بشكل عام أنه يوجد عرب يسكنون هنا ولكنني تصورتهم من بدو الصحراء يتنقلون في خيامهم بين الواحات.. ذلك أن معظم ما قرأته عن فلسطين قبل ذلك كتبه صهاينة كانوا لا يرون الأمور إلا من زاوية مشاكلهم الخاصة وطموحاتهم القومية.. فلم أدرك قبل ذلك أن المدن كانت ممتلئة بالعرب وأنه في العام 1922 كان هناك خمسة عرب في فلسطين مقابل كل يهودي.. وأنه لذلك كان بلداً عربياً بكل معنى الكلمة وليس بلداً لليهود..وحين قلت هذه الملاحظة للسيد مناحيم أوسيخين ( وكان يومها رئيس لجنة العمل الصهيونية) مضيفاً بأنني أعتقد أن الصهانية لا يعيرون أدنى اعتبار لواقع وجود أكثرية عربية، ولا يكترثون لمعارضة العرب للصهيونية، أجابني السيد أوسيخين إجابة تدل على الإحتقار والإزدراء تجاه العرب:”لا يوجد أدنى حركة حقيقية هنا ضدنا، أي لا حركة لها جذور شعبية.. كل ما تراه وتعتبره معارضة هو في الواقع صراخ بعض الموتورين والمخربين وسيتهاوى لوحده بعد بضعة أشهر أو بضع سنوات على الأكثر”..
لقاء وايزمان
غير أن ليوبولد لم يظن أن المقاومة العربية شيء عابر.. وهو كلما تعمق أكثر في ثقافة العرب كلما إزداد إبتعاداً عن اليهود. وكان الصهانية ينظرون إليه بشك وريبة ناهيك عن إستغرابهم وإستهجانهم لمواقفه وكتاباته المعادية لهم في كبريات صحف أوروبا وعن تأييده للعرب” البرابرة الهمج”.وبحسب فايس فقد نظر الصهاينة إلى العرب نظرة الأوروبي الأبيض إلى الأفارقة السود، ولم يهتم الصهاينة أبداً لمشاعر العرب وأفكارهم وحياتهم. حتى أنه لم يكلف أحد من الصهاينة يومها نفسه عناء تعلم اللغة العربية.. وكلهم قبلوا دون نقاش مقولة أن فلسطين هي حقهم وإرثهم التاريخي وأنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.وقد إعتبر الصهاينة ليوبولد فايس خائناً إشتراه العرب أو مثقفاً غريب الأطوار جذبه سحر الشرق.. ولحسن حظ فايس فلم يكن كل اليهود من فلسطين يومذاك من الصهاينة، وهو وجد صديقاً مخلصاً في شخص يعقوب دوهان، المحامي القادم من هولندا، والمعارض للصهيونية لنفس أسباب فايس، إضافة إلى كونه من اليهود الأورثوذكس الذين كانوا يعتقدون بأن على اليهود إنتظار مجيء المسيح للعودة إلى الأرض المقدسة.وكان دوهان يعتقد بأن اليهود أخرجوا من الأرض المقدسة وتشردوا في أصقاع الأرض لأنهم لم ينفذوا أوامر الرب ولم يحملوا أمانته وهو الذي إختارهم للتبشير بكلمته غير أن غرورهم جعلهم يعتقدون أنهم إختيروا لذاتهم وصاروا أمة مختارة بمعزل عن الرسالة الموكلة اليهم.. وبهذا فقد خانوا الأمانة واستحقوا العقاب.
في البداية حاول فايس محاورة الصهاينة ومجادلتهم فاكتشف غرورهم وصلافتهم وتعصبهم وعدم إمكانية الحوار معهم…حتى ولا هرتزل نفسه كان يستطيع تغيير قناعاتهم الراسخة.. فقد سأل هرتزل يوماً أوسيخين إن كان يعتقد بإمكان سيطرة اليهود على أرض إسرائيل فأجابه الأخير بوقاحة: “بكل تأكيد، وإن كنت في شك من الأمر فليس لك مكان على رأس هذه الحركة”.وكان فايس يأمل الكثير من شخص حاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية في تلك الأيام..فهو على عكس الزعماء الصهاينة الآخرين لم يتوان عن اللقاء بالعديد من زعماء العرب في الأعوام 1916-1921، كما يذكر موسى إيلون في كتابه (الإسرائيليون: الآباء المؤسسون والأبناء): “إن وايزمان ومن خلال شخصيته الجذابة والمحببة وقدرته الكبيرة على الإقناع عمل بجهد على التخفيف من مخاوف العرب والتبشير بفكرة التعاون العربي الصهيوني ليكسب لها أصدقاء عرباً…وهو لم يتنكر للتطلعات القومية العربية..وقد إستقبله المفتي الحسيني بحرارة في القدس عام 1918 مستشهداً بالحديث النبوي عن أهل الذمة “لهم ما لنا وعليهم ما علينا””…
غير أن فايس لم ينخدع بوايزمان..فقال في وصف لقائهما: “إلتقيت الدكتور وايزمان في منزل صديق يهودي مشترك..ولا يستطيع المرء إلا تقدير الطاقة اللامحدودة لهذا الرجل وهي طاقة تظهر حتى في حركات جسمه، في الخطوات الطويلة الواثقة التي كان يذرع بها الغرفة جيئة وذهاباً، وفي قوته الذهنية وذكائه الحاد كما يتبديان من جبهته العريضة ونظراته الثاقبة، وكان يحدثني عن المصاعب الإقتصادية التي تعترض إقامة وطن قومي يهودي وعن ضعف تجاوب يهود الشتات مع هذا الحلم.. وتملكني شعورغريب وقلق بأنه حتى هو كان، مثله مثل الصهاينة الآخرين، مستعداً لتحميل العالم الخارجي كل المسؤولية عما كان يحدث في فلسطين.. ودفعني هذا الإحساس إلى كسر الصمت المهيب الذي كان بقية الحاضرين ينصتون فيه إليه، وأن أسأله: “وماذا عن العرب؟”.. ويبدو إنني إرتكبت هفوة (أو دعسة ناقصة) بإدخالي لذلك السؤال المزعج إلى قلب الجلسة إذ أن الدكتور وايزمان أدار وجهه ببطء صوبي ووضع جانباً ورقة كان يحملها بيده وكرر بصوته سؤالي: “ماذا عن العرب؟”. فأجبته “كيف يمكنك التفكير بجعل فلسطين وطناً قومياً لك في وجه المعارضة القوية للعرب الذين يشكلون في النهاية الأكثرية في هذا البلد؟”..فما كان من الزعيم الصهيوني إلا أن هز كتفيه وأجاب بجفاف: “توقعاتي أنهم لن يكونوا الأكثرية بعد بضع سنوات”..فقلت له “ربما هذا صحيح.ولكن ألا يزعجك أبداً الجانب الأخلاقي للمسألة؟ ألا تعتقد أنه من الخطأ أن تقوم بطرد شعب عاش منذ الأبد في هذا البلد؟”… “ولكنها بلادنا! وهذه أرضنا!” قال وايزمان وهو يرفع حاجبيه تعجباً، “ونحن لا نفعل سوى إستعادة حقنا المسلوب!”… وحاول فايس الدخول مع وايزمان في حوار حول الحجج التاريخية المختلفة المتعلقة بالموضوع شارحاً له إنه حتى الكتاب المقدس يقول إن أرض إسرائيل قبل وصول العبرانيين إليها كان يسكنها العموريون والأدوميون والفلسطينيون والمؤابيون وغيرهم..وهؤلاء كانوا على ما يبدو أجداد العرب الذين يسكنون اليوم فلسطين..إلا أن وايزمان إبتسم بتهذيب وانتقل بالحديث إلى أمور أخرى” (ا.ه)..(ورد النص في كتاب محمد أسد: الطريق إلى مكة، بالإنكليزية)..
وهكذا قرر فايس ترك القدس والتجول في بلاد الشرق الأوسط..وما كاد يغادر فلسطين حتى سمع خبر إغتيال صديقه دوهان على يد الإرهابيين الصهاينة(1924)..ولعله كان سيلقى نفس المصير لو أنه بقي في فلسطين يدافع عن أفكاره..والمؤكد أن أفكاره وآراءه لم تعجب أحداً من اليهود في فلسطين..فكانوا يتعاملون معه كمرتد أسلم وينبغي نبذه وتجاهله..أو قتله.. ولا توجد في الأرشيفات الصهيونية بالقدس أية إشارة عنه كما أن أعماله بما فيها كتابه الشهير والمهم إنسانياً: الطريق إلى مكة، لم تترجم إلى العبرية.وحين صدر الكتاب بالإنكليزية في نيويورك منتصف الخمسينيات من القرن العشرين تحدث حبيب كنعان أحد مراسلي هاآرتز في القدس، مع خال فايس البروفسور الطبيب آرييه نايغنباوم الذي أخبره بأن إسلام ليوبولد سببه كرهه لدينه اليهودي ولشعبه وذلك ناجم عن إحتقاره لوالده خلال طفولته وشبابه”..وعلى هذا الإفتراء رد طلال أسد (إبن ليوبولد) في حديث إلى نفس صحيفة هاآرتز: “بالطبع أنا لم أعرف جدي شخصياً ولكنني أعرف أنه كان يحب والدي كثيراً وهو كان دائماً بالنسبة إليه (ولده الحبيب)…وأذكر أن والدي كان يحمل معه أينما ذهب، صورة والده وكان يتحدث عنه وعن شقيقته دائماً بألم وحزن كبيرين.. وفي الحرب العالمية الثانية حين كنا في معسكر الإعتقال في الهند بذل والدي جهوداً جبارة لإنقاذهما…نعم كان والدي معادياً للصهيونية بشدة وكان يؤمن أن إنشاء دولة إسرائيل هو ظلم كبير، وكان شديد الإنتقاد لإسرائيل ولكنه لم يكره أبداً الدين اليهودي أو الشعب اليهودي.. وهناك أمر أشعر فيه بالفخر حيال والدي وهو وعيه الكبير بالحاجة الماسة إلى بناء تفاهم بين الأديان التوحيدية الثلاثة. كنت أعرف أنه كان يهودياً في ماضيه ولكنني لم أسمعه ولا مرة يتكلم بسوء أو قلة إحترام عن اليهودية..كان يؤمن بأن الإسلام ديانة أكثر إنفتاحاً إلا أنه آمن أيضاً بأن الإسلام أقرب إلى اليهودية في نقاط كثيرة..” (ا.ه).
بعد زيارة قصيرة إلى مصر عام 1923 سافر فايس إلى الأردن، وبمساعدة صديقه يعقوب دوهان إلتقى الأمير عبد الله الهاشمي..كانت عمان يومها بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الستة آلاف نسمة وفيها منازل قليلة صالحة للسكن..وكان عبد الله يعيش في خيمة على تلة تطل على البلدة..طبعاً الخيمة الأميرية كانت أكبر من بقية خيام المعسكر التي كانت تضم غرفاً مؤثثة بأثاث متواضع.في إحدى هذه الخيام التي كانت بمثابة “غرفة معيشة”، إستقبل الأمير عبدالله فايس لمحادثة حول الوضع في الشرق الأوسط..وقد أثاره يومها رؤيته للأمير وهو يركب حصاناً جامحاً متوحشاً..بعد تسع سنين سيسمي فايس إبنه البكر طلال تيمناً بالأمير طلال إبن عبدالله.
من الأردن رجع فايس إلى القدس ثم إلى دمشق التي كانت تحت الإنتداب الفرنسي..ومع تواصل ترحاله في المنطقة كان يكبر إعجابه بطريقة عيش العرب المتواضعة وبأسلوبهم البسيط وحياتهم المتوازنة الهادئة.وقد رأى فيهم تحقيقاً لتوازن الإنسان مع الطبيعة وللتوازن العضوي بين الروح والجسد..وهذا ما لم يكن يجده عند الأوروبيين..وبعض أفكاره هذه كان جديداً يومها على الأوروبيين ولو أنه اليوم صار موضة من خلال موجات ومذاهب “العصر الجديد”..ولكن فايس كان قادماً في النصف الأول من القرن العشرين من ثقافة الحداثة الأوروبية إلى ثقافة الفطرة العربية البدوية الإسلامية..فرأى أن هذه الأخيرة، التي اتصل بها ثم التحم بها إلى حد الذوبان، كانت إلى درجة كبيرة أكثر صحة وحيوية وإنسانية من الأولى (كما يقول إبنه طلال). وما جذبه إلى ثقافة العرب المسلمين هو الصراحة والإستقامة والبساطة والعفوية التي تميز البدوي..وهذه قيم كانت عنده أكثر من رائعة..
أسد الإسلام
في نهاية عام 1923 رجع فايس إلى ألمانيا وزار لأول مرة مكاتب الصحيفة التي كان يراسلها وينشر فيها مقالاته..ولم يصدق ناشرها الدكتور هينريش سايمون أن من كان يرسل له تلك المقالات الناضجة والذكية والعميقة شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره! فكال له المديح أمام زملائه..بعد ذلك بقي فايس يعمل في المكتب وأكمل كتابه الأول (الشرق غير الرومنطيقي)، وهو كتاب لم يحظ بدعاية أو شيوع…وفي برلين إلتقى فايس إلسا، فنانة رسامة موهوبة تنحدر من أسرة أرستقراطية، وكانت أرملة تعيش مع إبنها البالغ من العمر 6 سنوات، وتكبر فايس ب15 سنة..تزوجا بعد قصة حب وغرام إستمرت سنتين بالرغم من فارق العمر..ما دل هنا أيضاً على قلة إكتراثه بأعراف عصره الإجتماعية وحرصه ألا تتدخل في تحقيق خياراته وأمانيه..وفي ربيع 1924 زار فايس مجدداً الشرق مبعوثاً هذه المرة على حساب صحيفة فرنكفورتر زايتونغ. وفي مصر نشأت صداقة عميقة بينه وبين أحد كبار علماء الأزهر الشيخ مصطفى المراغي، (المعلم الخاص للملك فاروق لاحقاً)..وبعد عودته إلى برلين دعته أكاديمية الجغرافيا السياسية لإلقاء سلسلة محاضرات عن الشرق ..وفي عمر ال26 كان أصغر محاضري الأكاديمية.
ومع أنه حقق كل ما كان يحلم به أي شاب أوروبي في تلك الأيام : من الموقع الإجتماعي إلى المال والشهرة إلى السمعة الطيبة والمستقبل الواعد، إلا أن قلق ترحال البدوي ظل يتآكله (على قلق كأن الريح تحتي-المتنبي)..فهو حين كان يسير في شوارع برلين كان يشعر بأن كل الناس من حوله غير سعداء برغم أن تلك الفترة كانت فترة رخاء وإزدهار في ألمانيا..فصار يقرأ القرآن ويتعمق في دراسته حتى ناداه صوت من داخله لمواصلة الترحال..فعزم على المسير وخاض جدالاً عنيفاً مع رئيسه سايمون واستقال من الصحيفة ليوقع عقوداً مع 3 صحف أخرى هي: زايتونغ زيوريخ وتلغراف أمستردام وزايتونغ كولونيا. وكان في نيته العودة إلى الشرق الأوسط مع إلسا أولاً وكمراسل حقيقي ثانياً..وقبل الشروع بالسفر زار صديقاً له هندياً مسلماً ، وفي منزله وأمام شهود نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه هو وإلسا وإبنها وتسمى بمحمد أسد..
وفي العام 1927 قام هو وإلسا وإبنها أحمد بالحج إلى مكة عن طريق مصر..وكانت تلك الرحلة رحلة الألم حيث توفيت زوجته بعد تسعة أيام من وصولهم إلى مكة جراء تسمم خطير بحسب أطباء المستشفى السوريين..وقد أصابه حزن وغم على فقدانها إلا أنه قرر البقاء في السعودية مع إبنها، ثم عاد فأرسله بعد سنة إلى ألمانيا ليعيش في كنف أهلها..وهكذا عاد وحيداً في رحلته فأغرق نفسه بالقراءة في مكتبة المسجد بمكة (بالعربية والتركية والفارسية)وأمضى الأيام الطوال يقرأ المخطوطات ويكتب الدراسات والأبحاث التي كانت تنشرها كبريات المجلات في أوروبا واميركا وقد ترجمت إلى العربية أيضاً فصار إسمه معروفاً بين العرب والمسلمين.
وفي أحد الأيام قابل الأمير فيصل في المكتبة فدعاه هذا الأخير إلى زيارته في قصره ومن هناك توثقت العلاقة بينهما حتى صار ضيفاً يومياً على الأمير يتحاوران في أمور الشرق والغرب وفي الوضع العربي بخاصة..ثم أن الأمير عينه مستشاراً له مع الإذن الخاص بحرية التجول في المملكة الأمر الذي قام به على ظهر جمل..ومن جولاته هذه إزداد حبه للعرب وللبدو وللإسلام..وفي العام 1930 تزوج من السيدة منيرة إبنة أحد مشايخ قبيلة شمر الكبيرة والمشهورة.
وُلد إبنه طلال العام 1932 وكان قد إستقر في المدينة حيث صار بيته مقصداً لرجالات العرب والمسلمين يأتون إليه لمناقشة أمور الإسلام والغرب..بعدها إنتقل محمد أسد إلى الهند بناء على دعوة من علمائها ورجالها ممن زاروه في المدينة..,هناك صار مقرباً من شاعر الشرق وفيلسوف الإسلام محمد إقبال الذي يعتبر الأب الروحي لدولة باكستان..وقد مكنه إقبال من المشاركة في الحوارات السياسية حول مستقبل المسلمين في الهند وهي الحوارات التي مهدت لإنفصال باكستان بعد الحرب العالمية الثانية..وكان محمد أسد من أشد المتحمسين لفكرة بناء دولة خاصة بمسلمي الهند، ولذلك تعلم الأوردو..وقد كتب مقالات عنيفة ضد الإحتلال الإنكليزي أثناء وجوده في الهند..وفي اليوم التالي على بداية الحرب العالمية الثانية إعتقله الإنكليز ووضعوه في معسكر إعتقال وبعد سنة إعتقلوا زوجته منيرة وإبنه طلال (وعمره يومها 7 سنوات) ووضعوهما معه في معتقل جديد نقلوه إليه بالقرب من بومباي، ومعهم العديد من الأسر اليهودية من غرب أوروبا ممن كانوا يحملون الجنسية الألمانية أو النمساوية عند إندلاع الحرب..لقد هربوا من الإضطهاد النازي في بلدانهم بسبب دينهم، ليقعوا أسرى المعتقلات البريطانية في الهند بسبب جنسيتهم..ولكن وضع محمد أسد كان أكثر تعقيداً فهو كان المسلم الوحيد وزوجته كانت إبنة شيخ سعودي لحقت بزوجها الذي كان على صلة قوية بقادة المسلمين الهنود المعادين للإنكليز والمطالبين بالإستقلال والإنفصال .. لا بل أنه كان أبرز من ساعدهم ونصرهم..أما والده وأخته فقد قتلهما النازيون في أحد معسكرات إعتقالهم في أوروبا برغم محاولاته اليائسة للحصول لهما على فيزا للمجيء إلى الهند قبل إندلاع الحرب… ويذكر إبنه طلال أن المرة الوحيدة التي رآه فيها يبكي هي يوم أخبروه عند نهاية الحرب بوفاة والده وشقيقته في معسكرات النازيين.. وبعد تحريره عند إنتهاء الحرب تحول محمد أسد إلى رمز إسلامي عالمي لا بل إلى أحد قادة الحركة الإسلامية..
وقد سأل الصحفي أمير بن دايفيد، من هاآرتز، طلال أسد كيف أن والده أيد بناء دولة إسلامية في باكستان ورفض في الوقت نفسه إقامة دولة يهودية في فلسطين، فأجاب: “لقد كان والدي يحلم دائماً بباكستان دولة إسلامية لا تقيد نفسها بإثنية أوجنس أو قومية وإنما تكون مفتوحة لكل من يرغب بالمشاركة في بنائها على قواعدها ومبادئها الأيديولوجية..ولكنه بالطبع صدمه ما إنتهت إليه باكستان وكل العالم العربي والإسلامي، في الأخير..فقد كان والدي على الدوام معارضاً للقومية، وهو حين كان في موقع مسؤولية بباكستان زار مصر والتقى الرئيس عبد الناصر وانتقده بشدة على قوميته العربية ما جعل ناصر يستاء منه ويعاديه طوال حياته..أما بالنسبة للدولة اليهودية فما استثاره ضدها هو أنها كانت على حساب شعب فلسطين الذي طرد من أرضه وهذا ما لم يكن من الممكن أن يقبل به، وهو ما لم يحصل في باكستان..ولذلك فإنه لم يتعامل مع الصهيونية كحركة تهدف إلى إقامة دولة يهودية وإنما كحركة تعمل على طرد السكان الأصليين والحلول محلهم على أرضهم..وهذا الموقف هو ما بقي عليه ومات عليه”..
بعد تأسيس دولة باكستان عُين أسد العام 1948 رئيساً لقسم “إعادة البناء الإسلامي”، حيث كانت مهمته “إقامة الأسس المدنية لدولة إسلامية”..وهذا كان موضوع كتابه الشهير: “مبادىء الدولة والحكم في الإسلام”..بعدها إنتقل إلى وزارة الخارجية حيث رئس قسم الشرق الوسط وعمل على تقوية علاقات باكستان بالعالم العربي والإسلامي..وقد عينته حكومة باكستان لاحقاً سفيراً لها في الأمم المتحدة..وبحسب وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية التي كشفت لأول مرة العام 1989 (بواسطة يوسي ميلمان في هاآرتز، وبناء على القرار الرسمي بالسماح بنشر الوثائق التي تعود إلى ما قبل 50 سنة) يظهر أن الوزارة كانت متوجسة من هذا المبعوث الإسلامي اليهودي الأصل، وكانوا يسمونه في أروقتهم “اليهودي المرتد”..وقد حاولوا رشوته والتأثير عليه من دون جدوى.وفي نيويورك تعرّف بعاملة فقيرة بولونية الأصل (بولا) وتزوجها بعد أن أسلمت وصار إسمها حميدة…ولأنه تزوج من أميركية فقد أضطر إلى ترك وظيفته كسفير لدولة باكستان، وتفرغ لكتابة أشهر وأهم كتبه “الطريق إلى مكة” الذي لقي نجاحاً منقطع النظير وترجم إلى عشرات اللغات إلا أنه لم يترجم أبداً إلى العبرية..كما منعت السعودية الكتاب قبل أن تسمح بدخوله منذ بضع سنوات فقط..

من نيويورك إنتقل محمد أسد إلى الجزائر ومنها إلى الأزهر حيث صار أستاذاً يحظى بالشهرة والإحترام..وهناك كتب “رسالة القرآن”..كما أنه ترجم القرآن إلى الإنكليزية بلغة جميلة ولعلها أهم الترجمات الموجودة..وعن ترجمته هذه قال في مقابلة مع صحيفة فرنكفورتر ألجماينه زايتونغ: “كل الترجمات السابقة كانت تعرف العربية الفصحى الأدبية ولكن عربية القرآن هي لغة ذات مصادر فكرية متعددة قاعدتها الصحراء الواسعة؛ إنها لغة شعب صُوَره الروحية ترابطية وسريعة..إنها لغة تستخدم القول الملَّغز الإيجازي أكثر من إستخدامها الأفكار المتدفقة ببطء في مقولات منظمة”..
في آخر أيامه التي قضاها في أسبانيا كان محمد أسد حزيناً لما آلت إليه أوضاع العالم الإسلامي من تدهور مجتمعاته في ظل الأنظمة الفاسدة عند العرب، وقيام الديكتاتورية في باكستان بإلغاء أية إمكانية لتحرر المجتمع الذي حلم به حراً سعيداً..
ويتذكر إبنه طلال مقدار حزنه وألمه قائلاً إنه “لم يكن يعي أهمية السياسة في الحياة ولم يكن يفكر في التفاصيل التي هي أساس السياسة..إنما إنصب إهتمامه على الأفكار والمبادىء وظل يردد أن الإسلام دين عظيم أنجز تغييرات كبيرة..وكان محمد أسد يميز دوماً بين الحكومات والشعوب التي حافظت على هويتها وأصالتها وطيبتها برغم أعمال قادتها..كان متألماً للهدر الكبير وللظلم الأكبر ولكنه لم يفقد الأمل”..
يختم محمد أسد كتابه “الطريق إلى مكة” بهذا المقطع الذي حمل نبوءة سبقت 11 ايلول وما تلاه: “فوق كل شيء هناك سؤال كبير لا إجابة عليه حتى الآن: كيف ستتطور حياة العرب والمسلمين في هذا العصر الذي تسود فيه التكنولوجيا، تكنولوجيا صنعها آخرون”..ويروي لنا طلال أسد حادثة حصلت معه في طفولته حين حاول إخافة بعض الأطفال وأخبر والده بما فعل فما كان من الوالد إلا أن ضربه بيده وكانت المرة الوحيدة التي يضربه فيها..وصاح به : لا ترهب الناس أبداً..إنه أمر سيء وشيطاني أن تسبب للناس الخوف والرهبة”…