لم تكن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنوات فتوحات واتساع فحسب؛ بل واجهت الدولة في عهده أزمات شديدة، كان من أعظمها عام الرمادة وطاعون عمواس، وقد وقعا في حدود سنة ثماني عشرة للهجرة كما ذكر المؤرخون. ومع اختلاف طبيعة الأزمتين إلا أنهما أظهرتا جانبًا مهمًا من فقه عمر في الحكم، وقدرته على إدارة الدولة في أوقات الشدة.
عام الرمادة: تسعة أشهر من الشدة
أصاب الحجاز في أواخر سنة سبع عشرة وأوائل سنة ثماني عشرة للهجرة قحط شديد، انحبس فيه المطر، وهلك الزرع والماشية، واشتد الجوع بالناس، وعرفت هذه المحنة في كتب التاريخ بـ “عام الرمادة”. أما سبب التسمية فقد روى ابن سعد عن عوف بن الحارث: “سمي ذلك العام عام الرمادة؛ لأن الأرض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد، وكانت تسعة أشهر”. وذكر ابن كثير قولًا آخر: بإن الرياح كانت تسفي ترابًا كالرماد، ثم قال: “ويمكن أن تكون سميت لكل منهما”؛ ومن هنا فلفظ “العام” في الاسم لا يعني أنها استغرقت سنة كاملة، وإنما هو إطلاق على الفترة التي وقعت فيها النازلة؛ فقد استمرت الشدة نحو تسعة أشهر. ويصف ابن كثير شدة الأزمة فيقول: “كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعًا شديدًا”، حتى وفدت القبائل والأحياء إلى المدينة بعد أن نفد ما عندهم من الطعام، وأصبحت مواجهة الأزمة مسؤولية مباشرة للدولة.
حشد موارد الدولة للإغاثة
بدأ عمر رضي الله عنه بما تحت يده، فأنفق على الناس من بيت المال، حتى ذكر ابن كثير أنه “أنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده”. لكن استمرار الأزمة واتساعها جعلا إمكانات المدينة وحدها غير كافية، فاستنجد عمر بالأقاليم التي لم يصبها القحط؛ فكتب إلى ولاته يستغيث بهم للمسلمين، ومن أشهر ما ورد في ذلك: أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري في العراق، وإلى عمرو بن العاص في فلسطين قائلاً: “يا غوثاه لأمة محمد”، فأرسلت الأقاليم قوافل الطعام، ووصلت إمدادات عمرو بن العاص بحرًا إلى جدة ومنها إلى الحجاز.
ولم يكن دور الدولة ينتهي بوصول الطعام؛ بل كان من سياسة عمر أن نظم توزيع الطعام، واستعان برجال يتابعون أحوال الناس والوافدين، كما راعى أثر المجاعة في بعض الأحكام؛ فأخر أخذ الزكاة في تلك الشدة، روى ابن سعد: “أن عمر أخر الصدقة عام الرمادة فلم يبعث السعاة”، وأوقف العمل بحد السرقة وقال: “لا يقطع في عذق، ولا في عام سنة. هكذا واجه عمر المجاعة باستنفار موارد الدولة، والتنسيق بين أقاليمها، وتنظيم الإغاثة، ومراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها الناس.
كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم؟
وفي عام الرمادة ألزم عمر نفسه أن يعيش قريبًا من مستوى الناس الذين أصابتهم المجاعة؛ فامتنع عن السمن واللبن واللحم حتى يحيى الناس، ولما اشترى له غلامه سمنًا ولبنًا بثمن مرتفع أمر أن يتصدق بهما، وقال كلمته الدالة على نظرته إلى الحكم: “كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم!”. ويذكر ابن كثير أن عمر كان يأكل الخبز بالزيت والخل حتى تغير جسمه واسودَّ من شدة ما أصابه، واستمر على ذلك حتى انكشفت الأزمة. ثم إنه مع كل الخطوات التي اتخذها رضي الله عنه في التعامل مع هذه النازلة؛ كان رضي الله عنه لا يفتر عن الدعاء والصلاة أن يرفع الله عنهم هذه الشدة، ويتضرع إلى ربه ألا يكون هلاك أمة محمد ﷺ على يديه؛ وبعد تسعة أشهر من هذه الشدة؛ أنزل الله تعالى الغيث رحمة بعباده، فأخضبت الأرض، وكشفت بنزوله الشدة.
لم يكن موقف عمر عام الرمادة مجرد زهد شخصي، بل كان تعبيرًا عن شعوره بمسؤوليته عن الرعية؛ فالحاكم الذي يعيش بعيدًا عن معاناة الناس قد لا يدرك حقيقة ما يمرون به، أما عمر فاختار أن يصيبه من الشدة شيء مما أصابهم.
طاعون عمواس أزمة من نوع آخر
ذكر ابن كثير وغيره أنه في سنة ثماني عشرة للهجرة وقع في بلاد الشام وباء شديد عُرف بـطاعون عمواس، نسبة إلى بلدة عمواس في فلسطين التي نسب إليها ظهوره ثم انتشاره في الشام، وقد مات في هذا الطاعون خلق كثير، ومن كبار الصحابة مات أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم، وقد كان عمر قد خرج إلى الشام، فلما بلغ سرغ لقيه أمراء الأجناد وأخبروه بوقوع الوباء؛ فلم ينفرد برأيه لاتخاذ القرار، وإنما دعا المهاجرين الأولين فاستشارهم فاختلفوا، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كذلك، ثم استشار مشيخة قريش من مهاجرة الفتح؛ فاتفقوا على ألا يقدم بالناس على الوباء فقرر الرجوع، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه: “أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله”، وضرب له مثلًا بمن له إبل أمامها أرض خصبة وأخرى جدبة؛ فأيًا منهما اختار فإنما يرعى بقدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان غائبًا، فأخبرهم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه». فحمد عمر الله وانصرف. رواه البخاري. فلم ير عمر في تجنب الوباء ضعفًا في التوكل، كما لم يتخذ القرار منفردًا، وإنما شاور أهل الرأي، ثم جاء النص النبوي مؤيدًا لما انتهت إليه المشورة.
وبعد الوباء معالجة آثاره
لم تنته الأزمة بانحسار الطاعون؛ فقد ترك الطاعون وراءه عددًا كبيرًا من الوفيات، ومات فيه عدد من كبار قادة المسلمين وأمرائهم، وكان لذلك أثر في إدارة بلاد الشام وفي الأموال والمواريث التي خلفها الموت الجماعي؛ ولهذا توجه عمر بعد الطاعون إلى الشام لمعالجة ما ترتب عليه من آثار، وإعادة ترتيب بعض شؤونها، وتسوية أمور الناس ومواريثهم؛ وهنا يظهر جانب مهم من إدارة الأزمات عنده؛ فالأزمة لا تنتهي بزوال سببها المباشر، وإنما تبقى بعدها آثار تحتاج إلى معالجة وإعادة تنظيم.
هكذا واجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أزمتين مختلفتين: ففي عام الرمادة واجه الجوع باستنفار موارد الدولة، وتنظيم الإغاثة، ومشاركة الناس شدتهم. وفي طاعون عمواس واجه الوباء بالشورى، والأخذ بالأسباب، والالتزام بالتوجيه النبوي، ثم معالجة آثاره.