رحمة للعالمين

ألفاظ السعادة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

د.سندس عادل العبيد

ما زال الحديث موصولاً عن ألفاظ السعادة في السنة النبوية، وقلنا إن السعادة ذكرت بالاسم نفسه في أحاديث عدة في السّنّة النبوية، تحمل لفظ السعادة أو مشتقاته أو مرادفاته، منها ما هو ضعيف، وما هو مكرر بالمعنى، لذلك اقتصرت على الأحاديث المقبولة الجامعة في هذا الباب دون تكرار.

أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ

قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيِّقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوء»، هذا الحديث من جوامع كلمه – صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه جمع بين الإشباع النفسي والمادي للفرد، ومعناه أنّ حصول هذه الأمور للعبد من أمارات سعادته، وفقدانها من شقاوته، فمن سعادة ابن آدم: الزوجة الصالحة، وهي التي تسره إذا نظر، وتحفظه إن غاب، وتطيعه إن أمر، والمسكن الواسع كذلك، والجار الصالح؛ لما في ذلك من الألفة والأخوة، والمركب الهنيء السريع المريح وهو في الماضي الدابة المريحة، أمّا الآن فتنوعت المركبات، وهذه الأشياء من سعادة الدنيا، وقد تكون من سعادة الدين أيضًا؛ فإنّ من رزق هذه الأمور طاب عيشه وكملت لذته، فقد تعينه على أمور دينه فتكون سعادة في الدين والدنيا، وقد لا فتكون سعادة دنيوية فقط.

سعادة عظيمة

والإنسان يدرك أنه بهذه الأمور يرزق سعادة عظيمة، فالزوجة الصالحة مكسب وأي مكسب! تريح زوجها وتعينه، وتحسن تربية أبنائه، وتحسن عشرته وتصفح عن عثرته، والمسكن الواسع أفق ممتد للقلب، وراحة روحيّة وجسديّة، وفيه الفرح والسرور، والجار الصالح أخ معين وناصح قريب، والمركب الهنيء يسد حاجة المرء ويوصل له كل بعيد، وفي اجتماع هذه الأمور سعادة عظيمة يدرك العبد فيها حكمة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من جمعهم معًا.

التوسط والاعتدال

 وسيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – تعلمنا التوسط والاعتدال، وتعلمنا الاستعداد للآخرة مع عدم نسيان حظ الدنيا، وهذا الحديث فيه بيان توسط الإسلام واعتداله، وأنه يشمل إشباع الحاجات الروحية والجسدية معا، وأن الإسلام دين السعادة والحياة والسرور.

إشباع الجانب الإيماني

وفي الحديث بيان أن السعادة في إشباع الجانب الإيماني، كالمتعلق بالعلاقات الاجتماعية كالأسرة والجيرة والأصدقاء التي تضفي لحياة الفرد المساندة والدعم والمتعة والسرور، وفي إشباع الحاجات المادية، كالزواج، أو المسكن الواسع أو المركب الهنيء، وهذه الأمور كلها فيها سد للحاجات الحسية والتمتع بالنعيم والملذات المباحة بالقدر والكم المناسب ضمن قيد ضبط النفس، وهذه الأمور من مؤشرات السعادة في السّنّة النبوية.

أثر اجتناب الفتن في تحقيق السعادة

 قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا»، مَعْنى الفِتْنَةِ فِي كَلَام الْعَرَب الابْتَلاءُ والامْتِحَانُ وَأَصلهَا مأخوذٌ من قَوْلك: فَتَنْتُ الفِضّةَ والذَّهَبَ إِذا أذبتهما بالنَّار ليتميز الرَّدِيء من الجَيِّد، والفتنة: ما يتبيّن به حال الإنسان من الخير والشرّ، يقال: فتنت الذهب بالنار، إذا أحرقته بها؛ لتعلم أنه خالص أو مشوب.

يخبرنا – صلى الله عليه وسلم – أنّ الإنسان السعيد الذي بعد عن الفتن ووفّق للزوم بيته، وكرّر الجملة ثلاثًا للمبالغة والتأكيد، ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أوّل الفتن وآخرها، ومن ابتلي وامتحن بالفتن فصبر على ظلم الناس له، وتحمّل أذاهم ولم يدفع عن نفسه ولم يحاربهم، فهو السعيد الذي حاز السعادة الحقة، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «فواهًا» معناه: التلهُّف، وقد يُوضَع موضعَ الإعجاب بالشيء والاستطابة له، وهو المراد هنا؛ أي: ما أحسنَ وأطيبَ صَبْرَ مَن صَبَرَ عليها! وقد يَرِدُ بمعنى: التوجُّع، وقيل: معناه: فطُوبَى له.

من أهم مؤشرات السعادة

والصبر من أهم مؤشرات السعادة في السّنّة النبوية التي يحتاجها المؤمن في كل أحواله، ففيه يضبط المؤمن نفسه، ويبتعد عن العناء النفسي، وسيأتي الحديث عنه في مباحث القيم، والفتنة في الدين نوعان -كما ذكر العلماء-: فتنة الشبهات، وفتنة الشهوات.

فتنة الشبهات

وأصلها من تقديم الرأي على الشرع، وهي تأتي من ضعف البصيرة، وقلّة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، وفي هذا قال الله -تعالى-: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (النجم: 23)، وهذه الفتنة مآلها إلى الكفروالنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.

تجريد الاتباع

ولا يُنجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في أدق الدين وجلّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، لا يتلقى إلّا عنه، ولا يأخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكلّ ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عمّا سواه، ووزنه بما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فإن وافقه قبله، وإن خالفه ردّه، فهذا الذى ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.

فتنة الشهوات

تأتي من تقديم الهوى على العقل، وقد جمع -سبحانه- بين ذكر الفتنتين في قوله: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (التوبة: 69)، أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال: {وخضتم كالذي خاضوا} فهذا الخوض بالباطل وهو الشبهات.

وبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، وإذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله، وهما: الهدى، والرحمة.

الرضا

الرضا مصدر رَضِيَ، أي طيّب النفس، قانع بما لديه، وهو ضد السخط، ويكاد يتفق الفلاسفة وعلماء النفس أن السعادة هي الشعور بالرضا، وأن الرضا هو المكون الأساس للسعادة، ومن الأحاديث التي تحمل معنى الرضا، ما روي عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنه قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ»، حسنه الألباني. وسيأتي شرح هذا الحديث.

والشعور بالرضا يكون في مجالات الحياة كلها، فيرضى الإنسان بحياته كما هي، من أجل صحته النفسية وسعادته، وبهذا يكون أقرب لفظ للسعادة من الألفاظ النظيرة هو الرضا، لما تحمله السعادة من مشاعر الرضا الكبيرة، فإن كان الأمر خيرًا فخيرًا، وإن كان مالا تطيب به النفس؛ فالرضا يمسح كل حزن؛ ويرقى بالعبد لمنازل الصالحين المقربين، فاللهم اجعلنا من السعداء وارزقنا رضاك والجنة.

السرور

 السرور فرح وحبور، والسرور ارتياح ولذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه أو اندفاع ضَررٍ، والسرور من أكثر المشاعر الإيجابية المتعلقة بالسعادة؛ لما فيه من انفعالات وجدانية تحصل للسعيد، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «منْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، رواه البخاري. ومعنى الحديث: أي من أفرحه أن يبسط له في رزقه ويبارك له فيه ، وينسأ أي يؤخر في أثره، وأثر الشيء هو ما يدل على وجوده ويتبعه، والمراد به هاهنا الأجل، وسمي به؛ لأنه يتبع العمر، فمن سره ذلك فليصل رحمه.

والصلة: العطف والحنان والرحمة، وصلة الله لعباده رحمته لهم وعطفه بإحسانه، ونعمه عليهم، أو صلته له بأهل ملكوته، والرفيق الأعلى، وقربه منهم -جلّ اسمه- بعظيم منزلته عنده، وشرح صدره لمعرفته.

واختلفوا في الرحم، فقيل: كل ذي رحم محرم. وقيل: وارث. وقيل: هو القريب، سواء كان محرما أم غيره، ووصل الرحم تشريك ذوي القربى في الخيرات، وهو قد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة ونحوها.

وإن قيل: أليس قد فرغ من الأجل والرزق؟ فالجواب من خمسة أوجه:

أحدها: أن يكون المراد بالزيادة توسعة الرزق وصحة البدن، فإن الغنى يسمى حياة، والفقر موتا.

الثاني: أن يكتب أجل العبد مائة سنة، ويجعل تزكيته تعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاده الله في تزكيته فعاش عشرين سنة أخرى.

الثالث: أن هذا التأخير في الأصل مما قد فرغ منه لكنه علق الإنعام به بصلة الرحم، فكأنه كتب أن فلانا يبقى خمسين سنة، فإن وصل رحمه بقي ستين سنة.

الرابع: أن تكون هذه الزيادة في المكتوب، والمكتوب غير المعلوم فما علمه الله -تعالى- من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى ويثبت.

الخامس: أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخيرات وبلوغ الأغراض، فنال في قصر العمر ما يناله غيره في طويله.

وخلاصة ذلك كله أن الصلة والبر من أسباب السرور وسعة الرزق والبركة في العمر.

الأمان

الأمن هو عدم توقع مكروه في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة النفس وزوال الخوف، وهو من عناصر السعادة المهمة التي ركز عليها علماء النفس، وأحد جوانب الرضا التي يشعر بها الإنسان، وارتباط الأمن بالسعادة ارتباط وثيق لما له من تأثير على الشعور بالفرح والسرور، ومن الأحاديث التي ورد فيها لفظ الأمان: ما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، حسنه الألباني بمجموع طرقه. والأمان من النعم الكبيرة التي دلنا عليها النبي – صلى الله عليه وسلم -، وفيها سعادة الفرد والمجتمع، وهو من المؤشرات المهمة في تحديد السعادة.

البشارة بالخير

البُشْرى خبر سارّ ومُفرِح لا يعْلَمه المُخْبَر به، وهي خير وسرور وحسن، قال -تعالى-: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 97).

تعد السعادة انعكاسًا لمعدلات تكرار الانفعالات السارة، والبشرى أحد الأمور التي تؤثر على انفعال الإنسان؛ فيشعر بالسعادة، والبشرى لها أحوال كثيرة منها ما يكون في الدنيا، ومنها ما يكون في الآخرة.

ومن الأحاديث التي جاء فيها تبشير المؤمنين، قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – ردا على سؤال أبي ذر: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! قَالَ: نَعَمْ ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ»، رواه مسلم.

حصول البركة

البَرَكَة نماء وخير ونعمة إلهيَّة، وهي زيادة، وسعادة، وقول عبارة: «على بركة الله وببركة الله» هي عبارة تقال تيمّنًا بالخير، وتحمل البركة معانيَ كثيرة تؤدي للسعادة، ويكفي أنها نعمة إلهيّة تصيب العبد بما فيها من الخير والزيادة، والإنسان إذا عمل الصالحات يشعر ببركة هذه الأعمال الفضيلة، والفضائل هي مفاتيح السعادة كما قرر ذلك العلماء، وتعد البركة من الجانب المعرفي الذي يدركه السعيد في حياته من خلال ما يحصل له من توفيق ومعاونة وزيادة.

ومن الأحاديث التي تحمل معنى البركة: حديث أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، رواه مسلم. قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ: السَّحَرَةُ، هنا يقرر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن قراءة القرآن الكريم تؤدي إلى البركة التي فيها الخير والسعادة، ولا سيما المواظبة على تلاوة سور البقرة وآل عمران والتدبر في معانيها والعمل بما فيها فإنه بركة، أي زيادة ونماء ومنفعة عظيمة، والعبد يشعر ببركة القرآن والأعمال الصالحة في حياته، وما يناله من هذه البركة من توفيق وخير وطمأنينة وزيادة.

وفي هذا الحديث إثبات أن قراءة القرآن من مؤشرات السعادة الضرورية، التي تؤثر على شعور العبد وانفعالاته، ففي قراءة القرآن يجد العبد حلاوة ولذة وانشراح صدرٍ.

البحبوحة ورغد العيش

البُحْبوحَة سعةُ العَيْش ولينُه، وهي نعمةٌ وافرة، والبحبحة والتبحبح التمكن في الحلول والمقام، والبحبوحة من الملذات المادية التي تؤدي للسعادة، وورد لفظ بحبوحة مرة واحدة في السّنّة النبوية، في حديث يقررها في الآخرة جزاءً لمن التزم جماعة المسلمين وصفهم، أي من حافظ على مجتمعه، وسعى للصف الواحد، وأن يكون فردًا صالحًا على نهج النبي – صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، فذلك الذي له سعة العيش والنعم الوافرة في الجنة.

وجاءت هذه المعاني فيما رواه ابن عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- فِينَا فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ، أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَم الْمُؤْمِنُ»، صححه الألباني. والمراد بالجماعة كما ذكر العلماء: السواد الأعظم وما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والسلف، فمن أراد سعة العيش والنعيم في الجنة فعليه بجماعة المسلمين، بتحقيق مبدأ التعاون والإخاء، المبدأ الذي يصنع المجتمع المسلم السعيد.

وفي هذا الحديث تأكيد على تأثير الجانب الاجتماعي في تحقيق سعادة العبد، فالانتماء للجماعة مصدر من مصادر السعادة التي تؤثر إيجابا على انفعالاته وشعوره، وهو مؤشر مهم جدا، وفيه بيان ارتباط السرور والسعادة بالطاعات والخيرات، وهي مؤشرات مهمة أيضا.

البهجة

البَهْجَة: الفرح والسرور والْحُسْنُ، وابتهج القلبُ: أي امتلأ بالبهجة والسرور، والبهجة من حالات الانفعال التي تندرج تحت الجانب النفس حركي، الذي يعبر به السعيد عن سعادته، سواء بالكلام أم الأفعال أم تعبيرات الوجه، وورد لفظ البهجة مرّة واحدة في السّنّة النّبويّة في حديث آخر أهل النار دخولا للجنة، في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ، رَأَى بَهْجَتَهَا»، أي حسنها ونضارتها، والبهجة في هذا الحديث تعبير عما في الجنة من السعادة والفرح والحبور، وفي الحديث إشارة إلى أن من كمال السعادة والسرور والابتهاج الفوز بالجنة (دار السعداء).

التوفيق

التوفيق مصدر وفَّقَ، وهو سدّ طريق الشّرّ وتسهيل طريق الخير، وقول: وفقت أمرك، أي صادفته موافقا وهو من التوفيق كما يقال رشدت أمرك، والوفق: من الموافقة بين الشيئين كالالتحام، ووفقه أي ألهمه، وفهمه، ويتعلق التوفيق بالجانب المعرفي من السعادة فيما يدركه السعيد من متعة ونجاح وتوفيق، ومن وفق للخير وسهلت أموره، فلا ريب أن ذلك يولد عنده مشاعر السعادة والفرح والاطمئنان، وقد أكد العلماء أن السعادة في حصول الخيرات.

وقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فَقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ»، وهذا حديث عظيم فيه أن تسهيل العمل الصالح للإنسان خير ومنفعة، وفيه تأكيد أن الأعمال الصالحة مؤشر قوي للشعور بالسعادة.

الحلاوة

الحلو: نقيض المر، والحلاوة ضد المرارة، والحلو كل ما في طعمه حلاوة، والبناء للمبالغة في الأمر، والحُلْوُ ما تستحْليه العين، وقال ابن فارس:”حَلَوَ، الْحَاءُ وَاللَّامُ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَلٌّ، ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: فَالْأَوَّلُ طِيبُ الشَّيْءِ فِي مَيْلٍ مِنَ النَّفْسِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ – وَهُوَ مَهْمُوزٌ – تَنْحِيَةُ الشَّيْءِ”.

والحلاوة من الملذات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالسعادة، ولها تأثير وجداني على العبد، وفي هذا جاء قول الرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”.

هذا حديث عظيم وأصل من أصول الدين، ومعنى حلاوة الإيمان أي استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في الدين وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك الرسول، وإنما قال مما سواهما ولم يقل ممن ليعم من يعقل ومن لا يعقل، وفي الحديث من السعادة القدر الأكبر؛ فمن أراد التلذذ بحلاوة الإيمان والشعور بالسعادة الحقيقية عليه بثلاث خصال تضمن له السعادة بإذن الله، وهي في مقدمة مؤشرات السعادة:

– أن يكون الله -سبحانه وتعالى-، ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أحب شيء في نفسه.

– أن يحب لله، وفي الله، فتكون حياته كلها لله.

– وأن يستشعر نعمة الإيمان، فيكره العودة للكفر كما يكره الوقوع في النار.

محبة الله ورسوله

وذلك أنه لا تتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحب للآخر في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوى بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط دمه ولحمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته، والحب في الله من ثمرات الحب لله.

 ومعنى حب العبد لله: استقامته في طاعته، والتزامه أوامره ونواهيه في كل شيء ولهذا قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب، فيحب ما أحب ويكره ما كره، وأما المحبة للرسول فيصح منه الميل؛ إذ ميل الإنسان لما يوافقه إما لأنه يستلذه ويستحسنه كالمستلذات بالحواس الظاهرة أو يستلذه بحاسة عقله من المعاني الباطنة الجميلة والأخلاق الرفيعة، أو ميله لمن يحسن إليه وينعم عليه، ويدفع المضار والمكاره عنه، فقد جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها، والإنسان إذا رضا أمرا واستحسنه سهل عليه أمره، ولم يشقَّ عليه شيء منه، فكذلك المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهلت عليه طاعات ربه ولذت له، ولم يشق عليه معاناتها.

الخير

 الخير أصله من العطف والميل، ثم يحمل عليه، وهو خلاف الشر، والخير: حَسَنٌ لذاته أو لما يحقّقه من نفع وصلاح أو سعادة، اتفق الفلاسفة أن الحصول على الخير سعادة، وأن اتباع طريق الفضيلة والخير سعادة كما تقدم؛ فالإنسان إذا حصل له النفع فلا ريب أنه يشعر بالسعادة لما يدركه من النفع الحاصل له، وكذلك إذا نفع غيره فهو أيضا يشعر بالسعادة لما يترتب عن ذلك النفع من شعور غيره بالسعادة مما ينعكس على شعوره وانفعاله، وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ. قَالَ: قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا «فهذا الإنسان الذي امتدحه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بما حصل له من التجاوز عنه يوم القيامة والحصول على السعادة الأخروية، لم يكن له خير وسبب لهذه السعادة إلا أنه كان يخالط الناس، أي يصبر على أذاهم ويتعايش معهم، فهو هين سهل لين، وكان كذلك موسرا فيتجاوز عن المعسر، وجزاء لهذه الأعمال الخيرة تجاوز الله عنه وفاز في الآخرة، ومخالطة الناس بذكاء وجداني ومرونة من مؤشرات تحقيق النجاح في الحياة الاجتماعية، والفعل الخيّر مؤشر قوي للسعادة الحقيقية.

الراحة

الراحة: هي راحة البال بما تشمله من طمأنينة النَّفس، والخلوّ من الهم، ومن معاني الراحة أيضًا الهدوء النفسي، والانشراح، والتسلية، والخفة، وكل هذه المشاعر التي تشملها الراحة، هي مشاعر إيجابية وانفعالات سارة، تؤدي للسعادة، وقال رَسُول اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»، فجعل النبي – صلى الله عليه وسلم – الصلاة وما فيها من مناجاة وتعبد لله -تعالى- سبب للراحة، لما فيها من تلبية حاجات النفس بتقربها من خالقها وصلتها به -سبحانه-، والصلاة صلة بين العبد وخالقه، الذي يعلم بأموره صغيرها وكبيرها، والذي يملك -سبحانه- الأمر كله.

أساس السعادة ومصدرها

فالإنسان إذا استشعر أن هذه الصلاة التي يكررها في اليوم هي أساس ومصدر لسعادته، سيتعلق قلبه بها وستكون هي المستراح له من هم الدنيا ومشاغلها؛ لأن فيها يذكر ربه ويثني عليه بما هو أهله، ويتقرب ويتذلل إليه، ويخبر ربه -تبارك وتعالى- عما جرى له في يومه، ويسأله العافية في الدنيا والآخرة، ويتذلل له في سجوده وركوعه وخشوعه، وبهذه الحركات والسكنات والأذكار مشاعر إيجابية تضفي على قلب العبد الراحة والسكون؛ فالإنسان بطبعه يحب الأقوى منه ويلجأ إليه، وإذا تقرب إليه أحس بالفرح والسرور، والإنسان كذلك يحتاج أن يملأ قلبه بحبٍ يجعله مرتاحًا ومطمئنًا، ويحتاج أن يفضفض عن همومه، وأفضل من يسمع العبد ويعينه هو الله -سبحانه وتعالى-، لذلك كانت الصلاة قرة عين المحبين، وراحة للسعداء المقربين، والعبد إذا لم يعمر قلبه بمحبة الرب المحبوب الأعظم تاهت روحه، وصارت جائعة تبحث عن حاجتها المفقودة.

رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِي الذِّكْرَ

وروي في الأثر قول قَسَامَة بْنِ زُهَيْرٍ: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِي الذِّكْرَ»، أي أريحوها بعض الأوقات من مكابدة العبادات بمباح لا عقاب فيه ولا ثواب، فإن هذه الاستراحة بالمباح تنشط العبد للعبادة؛ فالإسلام دين الوسطية والاعتدال واليسر، نعم تحتاج النفس بعض الاستراحات بالمباحات حتى ترجع للطاعة بهمة عالية، ونفس تواقة، لكن في هذا الزمن -والله المستعان- صار بعض الناس يظن أن هذه الاستراحات هي أصل سعادته، وفاضل وقته لأداء الفرائض، ومن كانت هذه حاله فلن يهنأ بالسكينة والطمأنينة والانشراح، ولن يذوق طعم السعادة الحقيقية.

الفرح

والفرح يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْحُزْنِ، ويأتي بمعنى الْإِثْقَالُ، وهو هنا بمعنى السرور والبهجة والسعادة، والفرح من حالات الانفعال الوجداني الذي يظهر فيما يشعر به السعيد من متعة وفرح وسرور، وهي حالات إيجابية تؤثر على انفعال الفرد وسعادته.

ومن الأحاديث التي حملت معنى الفرح قول أَنَسٍ – رضي الله عنه -: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ – صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ»، فيفرح المؤمن أشد الفرح بمعية النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجنة والنجاة من النار، والدرجات متفاوتة، لذلك المراد (المعية في الجنة)، من أحب النبي  صلى الله عليه وسلم  بإخلاص، فيرجو أن يكون في دار الثواب لا العقاب.

لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا

وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»، والصيام من الأعمال الصالحة التي تربي نفس الإنسان، وتقودها للصلاح، والإنسان إذا وفق لهذه العبادة العظيمة فإن الله وعده بالفرح العظيم.

وتحصل للصائم فرحتان، الأولى: «فرحة عند فطره»، وذلك إما سروره بالأكل والشرب؛ فإن نفس الإنسان تفرح بهما بعد الجوع والعطش، وإما سروره بما وُفِّقَ له من إتمام الصوم الموعود عليه الثواب الجزيل، والثانية: «وفرحة عند لقاء ربه» يوم القيامة، وإعطائه جزاءَ صومه، يفرح فرحاً لا يبلغ أحد كنهه.

الفرح بالشرع

والفرح بالشرع مقرون بتمام العبادات، كفرحة العيدين، وفرحة الصوم، والعبد يشعر بذلك كإنجاز حققه، وعلم النفس يؤكد هذا، فإنجاز الأهداف وتحقيق الطموح، والإنجاز بأنواعه فرحة وسعادة تملأ القلب؛ لذلك علماء النفس يؤكدون أن من مؤشرات السعادة الإنجاز وتحقيق الأهداف، وهذا الأمر متحقق في السّنّة النبوية سلفا؛ فقد دعا إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – في أقواله وأفعاله وتقريراته، فدعانا – صلى الله عليه وسلم – للعمل والخير والطاعة والإنجاز لنحظى بسعادة الدنيا والآخرة، ولتمتلئ حياتنا رضا وطمأنينة.

قرة عين

القُرَّة: مفرد، والمصدر قَرَّ، ومنه قُرَّة العَيْن: وهي ما يصادف المرء به سرورًا فلا تطمح العين إلى ما سواه، وقول: هو قرَّة عين أمّه: أي سرورها وسكونها، وأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ أَعْطَاهُ حَتَّى تَقَرَّ فَلَا تَطْمَحَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَيُقَالُ: حَتَّى تَبْرُدَ وَلَاتَسْخَنَ فَلِلسُّرُورِ دَمْعَةٌ بَارِدَةٌ وَلِلْحُزْنِ دَمْعَةٌ حَارَّةٌ، وقرة العين من الانفعالات الإيجابية التي تؤدي للسعادة.

ومن الأحاديث التي حملت هذا المعنى: قوله – صلى الله عليه وسلم : “حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ”.

معنى قرة عينه

 ومعنى قرة عينه أي بَرَدَتْ وانقطع بُكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمعَةً باردةً، وللحُزْن دمعةً حارّةً، وقيل: هو من القَرَار، أي رأت ما كانت مُتَشَوِّفَةً إليه، فقَرَّت ونامت، وقيل: أعطاه حتى تَقَرَّ عينه، فلا تطمح إلى من فوقه، وقيل: أقرّ اللهُ عينَهُ: أنام الله عينَهُ، والمعنى صادف سُرُوراً يُذهبُ سهَرَه فينام، وتقر عينه بالصلاة أي تقرّ بتلذذه بطاعة مولاه -سبحانه وتعالى-، ودوام ذكره، وكمال محبّته، والأنس به، فالصلاة قرة للعين تسكن فيها النفس وتسعد، يشعر بذلك من حققها بأركانها وشروطها وبخضوعها، ويشعر بذلك القريب من الله -تعالى-، ومتى كان العبد قريبا من الله متعلقا قلبه به -سبحانه-، كانت الصلاة قرة عين له، وبها يشعر بالسكينة والسرور والاطمئنان، وهذا الشعور رزق من الله -تعالى- يرزق به الصادقين المخلصين من عباده المؤمنين.

اللّذة

اللذّة: طِيب طعم الشَّيء، وهي المتعة والشعور بالارتياح العميق الذي يُناقض الألم والبشاعة، وهي تأتي بمعنى إدراك الملائم المُشْتَهَى كالنور عند البصر وطعم الحَلاوة عند حاسّة الذَّوق «ما أجمل لذَّة النُّور بعد الظَّلام!

واللذة والملذات من الأمور التي قررها الفلاسفة وعلماء النفس في مفهوم السعادة، وهي تنقسم إلى ملذات حسية وملذات معنوية، والملذات المعنوية أرقى من الملذات الحسية المادية.

يَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِي

ومن الأحاديث التي حملت هذا المعنى: قوله – صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. قَالَ اللهُ: إِلَّا الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ الطَّعَامَ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ الشَّرَابَ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ أَجْلِي، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ»، والفرق بين السعادة واللّذة أنّ السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأنّ رضا النفس بها تام، في حين أنّ اللّذة حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأنّ رضا النفس بها مؤقت، ومن شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تمامًا ودائمًا.

واللذة الحسية من سعادة الدنيا المشروع للعبد التمتع بها ضمن إطار المباحات، واللذة المعنوية تكون في القلب من خلال معرفة ربه واستقرار الإيمان في قلبه فيتلذذ بعبادته، وفي اللذة المعنوية يتميز الإنسان عن باقي المخلوقات بخلاف الملذات المادية المؤقتة.

النعيم

المصدر نَعِمَ، والنُّونُ وَالْعَيْنُ وَالْمِيمُ فُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ، وعَلَى كَثْرَتِهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى تَرَفُّهٍ وَطِيبِ عَيْشٍ وَصَلَاحٍ، والنعيم: هو حسن الحال وراحة البال، وما يُتلذّذ به المرء من الصَّحة والفراغ والأمن والمطعم والمشرب، والنعيم من الأمور الإيجابية التي تحصل للفرد، وبها يشعر بالسعادة وتحصل له الانفعالات الوجدانية والمعرفية.

ومن الأحاديث التي حملت هذا المعنى: « أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، خرج على الصحابة وعليه أثر غسل، وهو طيب النفس، فظنوا أنه ألم بأهله، فقالوا: يا رسول الله، نراك طيب النفس! قال: أَجَلْ وَالْحَمْدُ لِلهِ، ثم ذِكْرِ الْغِنَى، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ»، وطيب النفس من النعيم؛ لأنه من روح اليقين على القلب وهو النور الوارد الذي قد أشرق، فأراح القلب والنفس من الظلمة والضيق.

 لا بأس بالغنى، أي أن الغنى مظنة خطر إلا أنه لا خطر فيه ولا بأس لمن اتقى الله فيه، فيبذله في وجوهه ويشكر نعمة الله فيه، وصحة البدن لمن اتقى الله خير من الغنى؛ فإن صحة البدن قوة على الدين وهي أشد إعانة على التقوى من الغنى، وإذا انضم الغنى إلى الصحة وإلى التقوى، كان ذلك من تمام النعمة كلها في الدارين، وطيب النفس بانشراح الخاطر والقناعة بما أعطي، من النعيم العاجل للعبد، فإن القلب إذا استنار وزالت عنه ظلمة الشهوات والشبهات أدرك النعم حقيقة.

مفهوم شمولي

وأخيرًا فمفهوم السعادة مفهوم شمولي، يجمع خيري الدنيا والآخرة، وهو مفهوم عميق يحمل في طياته معاني راقية، وهو شعور دائم يحظى الإنسان به؛ لما فيه من مشاعر الرضا والقناعة، التي تمسح كل حزن وترقى بالعبد لمنازل الصالحين المقربين، فاللهم اجعلنا من السعداء وارزقنا رضاك والجنة.

الزيادة

 الأصل في الزيادة الفضل، وهي نموّ وارتفاع وكثرة وعطاء وتحصيل، والزيادة تدخل بمفهوم السعادة بما يدركه السعيد من نفع ونمو وكثرة تحصل له، ومن الأحاديث التي ورد فيها هذا اللفظ: حديث أَبي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا»، وفي هذا الحديث بيان أن الصبر على المظلمة، والإنفاق على الناس يزيد العبد زيادة معنوية برفع شأنه، وزيادة مادية التي تتمثل في البركة بماله.

السكينة

السكينة: طمأنينة وهدوء واستقرار وراحة بال، ومن معاني السكينة المهابة والوقار، {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} (سورة الفتح: 4)، والسكينة من المشاعر الإيجابية التي تحصل للعبد، وهي نوع من الانفعالات الإيجابية التي يحياها العبد، وتجعله ينظر إلى الحياة بنظرة مشرقة متفائلة، لسكون نفسه وتعلقها بخالقها، وعلمه أن أمره كله بيد الله، فيستقر الإيمان في قلبه، وتظهر السكينة والوقار على جوارحه.

السكينة والرحمة والغفران

 وقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».

وفي هذا الحديث بيان أن السكينة والراحة والرحمة والغفران والقبول، يكون جزاء لمن اجتمع على ذكر الله -تعالى-، وهذا يؤكد للمسلم أن ذكر الله -تعالى- من أعظم أسباب السعادة في الداريين، ففي الدنيا تسكن روح العبد وتطمئن لذكره -سبحانه-، وفي الآخرة تفوز بالجنة بما نالته من الأجر والمثوبة من ذكر الله في الدنيا.

السلام

المصدر سَلِمَ والسِّينُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ مُعْظَمُ بَابِهِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، والسَّلامة والغنامة: أي البراءة والعافية والرزق، ومعاني السلام كثيرة، وهو يحمل مشاعر إيجابية متنوعة، تحصل للفرد ولأسرته ومجتمعه بأكمله، وتظهر مشاعر السلام فيما يدركه السعيد من نفع له وتوفيق وعافية واستقرار وأمان، وكلها انفعالات إيجابية، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا»، وهنا يؤكد – صلى الله عليه وسلم – على السلام بمعانيه، ولا يقتصر على السلام التحية، بل السلام بمعنى الأمان والسلامة من كل مكروه، ونفع الناس والتعاون معهم، وتحقيق مبدأ الإخاء، والمجتمع الإسلامي، حتى تتحقق السعادة للأفراد والمجتمع بوصفها نتيجة لذلك السلام.

الطمأنينة

الطمأنينة: سكون النفس، وعدم القلق، وقد ذكر علماء النفس أن من معاني السعادة الطمأنينة، وهي شعور إيجابي يحقق الصحة النفسية للفرد، وقال الرَسُول اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الْخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الشَّرَّ رِيبَةٌ»، وهنا يؤكد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن طريق الخير، والأعمال الصالحة مما تطمئن إليه النفس فيعرف الإنسان من راحة نفسه وسكونها أنه خير وصلاح، بخلاف الشر فانه يؤثر سلبًا على النفس ويجعلها في تذبذب وشك، وفي ضيق واضطراب، فيعرف الإنسان أنه طريق الشقاء.

الطيب، والطوبى

الطيب: الحسن والزكاة، طاب العيش حسن وزكا، والطوبى مؤنث أطيب، وهي غبطة وسعادة، وخيرٌ دائم، طُوبَى لك: لك الحظّ والعَيْش الطَّيِّب، وطُوبَى لكم: كونوا سُعداءَ جدًّا، والطُوبَى فُعْلَى من الطِّيبِ، وهي العيشُ الطيّب والخير والحسن، وطُوبَى اسمُ شجرةٍ فِي الجنَّة، الطيب من المشاعر الإيجابية التي تدخل في السعادة، وتؤثر على انفعال الفرد الإيجابي.

طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلى الْإِسْلَامِ

ومن الأحاديث التي وردت بهذا المعنى: قول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بِهِ»، طوبى لمن هدي للاستقامة في الدين، فإنه قد فاز بالحظ الذي يربح به في الدارين، وبالقناعة يفوز المرء بالأجر؛ لعلمه بأن الله -تعالى- عالم بالأصلح له خبير بأحواله؛ ولأنه يريح قلبه ويتفرغ لعبادة مولاه، فإن من زاد ماله زادت أشغاله وذهبت عنه عافيته.

والكفاف: ما كف به المرء عن الناس، وأغنى به نفسه، أي قدر كفايته لا يشغله ولا يطغيه، فقليل يكفيك خير من كثير يطغيك، والطوبى: الخير والعيش الهنيء، وهي إحدى مظاهر السعادة في السّنّة النبوية، ومن الطرائق للوصول إليها: الاستقامة في دين الله -تعالى-، والقناعة، والكفاف في الرزق.

وظائف الطاعة

قال القسطلاني: «فأصبح لما وفق له من وظائف الطاعة التي تسرع به إلى مقام الزلفى وترقيه إلى السعادة العظمى»، وصلاة الصبح أمرها عجيب، إذا ابتدأ العبد يومه بها أحس ببركتها، وبتسهيل أموره وبطيب نفسه وانشراح قلبه ونشاط بدنه، فالله -سبحانه- وعد ووعده الحق، قال -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)، والعبد كلما كثرت أعماله الصالحة زادت سعادته وراحته، وطيب النفس من مظاهر السعادة التي يحظى بها المؤمن الحق، ومن المؤشرات المستفادة من الحديث: المحافظة على الصلاة، والوضوء والذكر.

الفأل

الفأل قوْل أو فِعْل يُستبشر به، وضدّه شُؤْم، وهو ما يتفاءل به، والفأل والتفاؤل من التفكير الإيجابي الذي يدعو إليه علم النفس، فهو شعور يُعلم الفرد العيش بنظرة إيجابية، وأكثر ما يطلق عليه في المنهج النبوي حسن الظن، وهو من أهم مكونات السعادة في علم النفس، ويعد التفكير الإيجابي في السّنّة النبوية من المؤشرات المهمة لتحقيق السعادة الحقيقة، وقال ابْن عَبَّاس – رضي الله عنه – يصف النبي – صلى الله عليه وسلم  -: «كَانَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَتَفَاءَلُ، وَيُعْجِبُهُ الِاسْمُ الْحَسَنُ»، وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ»، كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا سمع كلمة حسنة حملها على معنى يوافق، ولا يتشاءم، وكان يحب الاسم الحسن؛ لأن محبة الحسن من كل شيء من طباع ذوي الكمال، وقد كان يحول الاسم القبيح إلى الحسن، ليس من باب التشاؤم، ولكن لأن القبيح مكروه غير محبوب، وهذه الأمور من التفكير الإيجابي، وهو من أكبر أبواب السعادة، وأكثرها تأثيرا على انفعال الإنسان.


المصدر : مجلة الفرقان الكويتية

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات