إن الدولة في المجتمع الدولي كالفرد في مجتمع الدولة الواحدة ، لها حاجات ومطالب ومصالح ومرافق حيوية تفتقر إلى الوفاء بها ، وهي من الكثرة والتنوع والتجدد بحيث لا يمكن إحصاؤها ، كما لا يمكن أن تستقل دولة بتحقيقها دون اللجوء إلى غيرها من الدول ، حسب النظرية الخلدونية القائلة [ الاجتماع البشري ضروري ] .

وقد يظهر هذا الاجتماع – الذي أشار إليه ابن خلدون – في شكل الأسرة أو العشيرة أو القبيلة أو الدولة،  فنشوء العلاقات بين الناس أمر محتوم ولا بد منه،حتى يكمل كلٌ الآخر ، فما من دولة أو تجمع بشري على وجه الأرض مستغن بنفسه عن الآخرين مهما عظم وكبر وتطور وازدهر .

والإسلام كدين عالمي إنساني جاء رحمة للناس كافة ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )الأنبياء : 107 ،  حمل على عاتقه تبيليغ الدعوة لكل الأمم وفي أرجاء المعمورة ، مما يستلزم معرفة الآخر والتقرب منه والتعايش معه والتوقف على حضارته ومعالم وجوده وعمرانه ، لذا جعل القرآن من أهداف وحكم تنوع البشرية إلى أعراق وقبائل وألوان :التعارف والتقارب والوئام وليس التباعد والتناحر والتنازع  ، قال : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ً وقبائل لتعارفوا ) الحجرات : 13 .

 

إن التعارف والتواصل بين الحضارات الذي أرسى قواعده القرآن الكريم ،  قد أسس للشراكة الحضارية والتبادل في الخبرات والانفتاح في التعاطي مع الآخرين على شتى الصعد والمستويات ، من أجل إعادة صياغة جديدة للعلاقات السائدة في العالم ، ونقل تلك العلاقات من إطار الصدام إلى الحوار والتعارف والانفتاح وتعميم معرفة الآخر وتصحيح الصور المسبقة عنه وتشجيع فكرة الانتفاع المتبادل بخيرات الأرض ، إنها نقطة انطلاق لفهم الآخر والتعرف على ما عنده والتفاعل مع حضارته ، بدل الانعزال والإنغلاق على الذات .

إن الاختلاف بين الناس من بعض الوجوه ، يوحي بالحاجة إلى الآخر ويوجب التعاون معه والتبادل والتكامل الحضاري والعمراني والثقافي ، والاستفادة بكل جوانبها للنهوض بالتكاليف والوفاء بالاحتياجات قال تعالى  :        ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة : 2.

وقال عليه السلام : [ الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها ] الترمذي .

 

 إنه أساس من أسس العلاقات الدولية ومبدأ من مبادئ السلام العالمي المنشود ، وبعد عن سياسات القهر والاستعباد والاستعمار .

لكن هذا التعارف والتقارب والاستفادة من الآخر والتبادل الثقافي والتعاون  لا بد له من روح باعثة وأخلاق ضرورية لجعله حقيقة وواقعا ً وسلوكا ً ، لا نظرية ووهم وخيال ، لذا وجدنا الإسلام في سبيل ذلك قرر ما يلي :

  • حرية الاعتقاد : حيث احترم الإسلام عقائد الآخرين احتراما ً كاملا ً، ومنع الإكراه في الدين وقرر حقيقة : ( ولو شاء ربك لآمن من الأرض كلهم جميعا ً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) يونس 199 .

وهذا يمثل اعتراف وتفهم للآخر وقبول للتعددية في الثقافات ، بل عمل الإسلام على حماية هذه الحرية وشرع لذلك الجهاد العسكري .

ومن آثار الحرية الدينية ما رسمه القرآن من أدب المناقشة الدينية ومجادلة الآخرين بطريقة أساسها العقل والمنطق وعمادها الإقناع بالتي هي أحسن ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) العنكبوت : 46 .  

بل إنك تجد من أروع صنوف الحرية واحترام معتقد الآخر قوله تعالى ( و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) التوبة  6 .

حيث لم يكتف أن يجير المسلم المشرك بل تكفل بالأمن والحماية دون أن يجبره على الاتباع لديننا ، بل مجرد الإسماع الموجب للقناعة والهداية .

  • المساواة : فقد ساوى ديننا الحنيف في تطبيق نظمه وقوانينه وحقوقه بين المسلم وغيره ممن يساكنهم في ديارهم ، ودعا إلى معاملتهم بالقسط والعدل والحسنى :

( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )الممتحنة 8 .

فما داموا يشاركوننا في الأصل الإنساني فهم مستحقون للإحسان والتعامل بالحسنى والبر. بل إن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لما مرت به جنازة يهودي قام لها ، فقيل له : إنها جنازة يهودي ! فقال : [ أليست نفسا ] ؟!.  مسلم .

 

والله سبحانه لما أكرم البشر ، أكرمهم بوصفهم البشري لا بوصف ديني و لا بقيد عقدي . قال:( ولقد كرمنا بني آدم )  الإسراء : 70 . فالإكرام مرتبط بالآدمية .

  • الإنصاف : فالإسلام أنصف الكافر كما أنصف المسلم ، ولم يغمط أحدا ً من الخلق حقه ، فالحق أحق أن يتبع ويقال ويقر به ، لذا دعانا إلى الحكم العادل المنصف على الآخرين وعدم الخلط والتعميم الذي يشمل الظالم والمقسط ( ليسو سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون .. ) آل عمران 113( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ًوأنهم لايستكبرون ) المائدة 82 .

والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام قا ل عن أحد أحبار يهود وهو مخيريق : [ مخيريق خير يهود ] السيرة النبوية لابن كثير . لأنه أخلص العهد للمسلمين

وتحلى بمكارم الأخلاق .

  • التسامح : حيث وجدنا الدين وسيرة خير المرسلين مليئة بصور مشرقة في التسامح والعفو عن المسيء وإيثار السماحة وحقن الدماء والرفق واللين .

فالرسول الكريم سن قوانين التسامح والصفح في عالم مليء بالتعصب والعنف والغلو والحروب ، ومعلوم موقفه النبيل مع أهل مكة بعد فتحها وقد فعلوا فيه

الأفاعيل ، حيث قال وأعلن [ أقول لكم ما قاله أخي يوسف لأخوته : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ] .

إن تعارف الحضارات تتضمن تحقيق التقارب والتسامح وفك عقد هيمنة القوي ، وتجاوز الصراع بين المختلفين . ولا يفهم من ذلك إلغاء الفارق في خصوصيات العقائد والحضارة والثقافة ، فلا سبيل لإلغاء مثل ذلك من واقع الحياة .