هل يجوز للشريك أن يحصل على مبلغ معجل في مقابل حصته من الربح ؟ وهل يعّد هذا من التخارج ؟

التخارج

هل يجوز للشريك أن يخرج عن حصته المتوقعة من الربح في مقابل مبلغ معجل ؟ لنرى أولا  معنى التخارج . التخارج بالمعنى الاصطلاحي في علم الميراث هو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم . والصلح يقصد به رفع النـزاع .

ويقال : تخارج الشركاء إذا خرج أحدهم من الشركة بالبيع . وتخارج القوم إذا أخرج كل منهم نفقة على قدر نفقة صاحبه (نفقة متساوية). والتخارج لغة : تفاعل ، وكذلك المخارجة: مفاعلة ، مثل : تنافس ومنافسة ، حيث ينافس كل منهم الآخر. قد يقال هنا: إن صيغة التخارج في الميراث لا تفيد التفاعل، فهو يقتصر على خروج شريك واحد أو أكثر، وليس المعنى أن كل شريك يخرج عن الآخر، فصيغة التخارج أو المخارجة هنا قد تكون مشابهة لصيغة المزارعة أو المضاربة، حيث لا يزارع كل منهم الآخر ولا يضارب. فالتخارج هنا لا يزيد على معنى الخروج أو الإخراج . لكن قد يقال إن الصيغة فيها معنى التفاعل من حيث إن الشريكين يصير كل منهما خارجًا عن الآخر، أو كأن كل شريك خرج عن صاحبه. ولعل معنى التخارج هو إيجاد مخرج للشركاء من التنازع، وعندئٍذ تكون صيغة التفاعل مطبقة .

هذا هو التخارج بالمعنى اللغوي والاصطلاحي .

مشروعية التخارج

يروي الكاتبون في التخارج خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه طلق امرأته تماضر في مرض موته ، ثم مات وهي في العّدة، فورثها عثمان رضي الله عنه مع ثالث نسـوة أخر، فصــالحوها عن ربع ثمنها  على 83 ألف من الدنانير أو من الدراهم (الموسوعة الفقهية الكويتية 5/11). ولكن الموسوعة أحالت على فتح القدير 409/7 والسراجية ص 236 ، ولم تحل على كتب الأحاديث والأخبار والآثار . ولم أجد هذا الخبر اللهم إلا في كتاب سنن البيهقي أو ما يشـبهه من الكتـب، ولم يرد فيه عبارة : ” فصالحوها … ” ، كما أن هذا

الأثر مروي عن عثمان رضي الله عنه ، وليس حديثا للنبي . ولم يبين الكاتبون في التخارج درجة صحته. وأرجو أن لا يفهم القارئ أنني ضد التخارج بإطلاق ، فلا شك أن هناك صورا جائزة منه، حتى ولو لم تكن مؤيدة بنص شرعي . وليس ههنا مجال الحديث عن التخارج إلا في حدود الصورة المبحوثة .

حقيقة التخارج

حقيقة التخارج أنه عقد صلح بين الورثة. ويعدّه العلماء بيعاً إن كان البدل من خارج التركة، وقسمة ومبادلة (سنشرح معنى المبادلة في آخر الكلام) إن كان البدل من مال التركة، وهبة أو إسقاطًا للبعض إن كان البدل أقل من النصيب المستحق. وقد رأيت بعض العلماء يحدد التخارج بهذا المعنى الأخير . وسكت العلماء عن التخارج إذا كان البدل أكبر، لأن هذا لا يقع (غير واقعي).

ويجب أن يكون الحق في التخارج موضع نزاع، أما إذا كان واضحا لا نزاع فيه فلا يجوز. والصلح عن المجهول جائز، كما إذا صالحت الزوجة عن صداقها الذي لا علم لها ولا للورثة بمقداره .

رأي الزحيلي رحمه الله

يقول وهبة الزحيلي في ورقته : ” الشروط المستحدثة ” ، لدى كلامه عن : ” شرط تنازل الشريك عن الأرباح التي قد تتحقق مقابل مبلغ مقطوع ” : ” قد يحتاج الشريك إلى المال في ظروف معينة، ولا يتمكن من انتظار تصفية الشركة ، وظهور الأرباح التي يستحقها الشركاء في المستقبل ، فيعلن للشركة رغبته في التنازل عن نصيبه من الربح المتوقع مقابل مبلغ معين ( … ). وهذا لا مانع منه شرعا ، لأنه نوع من الصلح بالتراضي.

وقد قرر الفقهاء مشروعية هذا الصلح في التنازل عن حصة أحد الورثة عن نصيبه في التركة ، وسموا هذا الصلح مخارجة أو تخار ًجا ” (حولية البركة ، العدد الخامس ، رمضان 1424هـ ، ص 123).

مناقشة الزحيلي :

1 – ثمة خطأ يجب تصحيحه في كلامه حيث قال : ” التنازل عن حصة أحد الورثة عن نصيبه في التركة ” ،

والصواب : ” تنازل أحد الورثة عن نصيبه في التركة ” .

2 – يلاحظ أنه ليس ثمة تنازع حتى يتم اللجوء إلى التصالح والتخارج ، ومن ثم فال حاجة للتصالح والتخارج .

3 – حصة الشريك ليست مجهولة حتى يكون هناك صلح وتخارج ، بل إنها ستكون عند التصفية معلومة له ولسائر الشركاء .

4 – العملية التي يتكلم عنها الزحيلي ذات شقين :

(1) نصيب الشريك المتوقع من الربح: مبلغ مستقبلي احتمالي .

(2) مبلغ معجل مقطوع يحصل عليه في مقابل حصته المتوقعة .

فالعملية إذن هي مبلغ نقدي معجل معلوم في مقابل مبلغ نقدي مؤجل احتمالي وغير معلوم . فما يحصل عليه الشرك هو القيمة الحالية لهذا المبلغ المقدر غير المعلوم .

5 – نقل الزحيلي، بعد النص الذي أوردناه عنه، عن الحنفية مذهبهم في التخارج، استنادا إلى كتاب اللباب ، وتكملة حاشية ابن عابدين ، وههنا ترد الملاحظات التالية :

(1) لم يذكر غير مذهب الحنفية .

(2) لم يطبق مذهب الحنفية على المسألة التي نحن بصددها، وهي مسألة الشريك الذي يتعجل نصيبه من الربح . ولعله طبقه في ذهنه ولم يكتبه في الورقة، وكان تطبيقه غير موفق .

(3)  بين أن الحنفية يشترطون التقابض إذا كانت العملية في التخارج صرفًا، وفي مسألة الشريك: العملية صرف وليس هناك تقابض !

(4) أوضح أن التركة يجب أن تكون معلومة ، وفي مسألتنا لا يزال الربح غير معلوم بالنسبة للشركاء . والربح في الشركة يقابل التركة في الميراث.

(5) ذكر أنه يجب أن يعلم المتخارج بنصيبه من التركة خشية الغرر، والشريك هنا لا يعلم نصيبه بعد، ومن ثم فالغرر موجود ، ولا أدري كيف أجاز العملية ؟

(6) ذكر أنه يجب عدم الوقوع في الربا، والربا هنا في المسألة موجود: مبادلة شيئين متماثلين،

أحدهما معجل والآخر مؤجل، والمعجل أقل، فكيف أجاز المسألة؟ والشيخ الزحيلي هو ممن يمنعون الربا والفائدة، لأنه عضو في الهيئات والمجالس الشرعية والمجامع الفقهية، فهل نمنع الفائدة قولا ونبيحها عملاً؟

(7) ذكر خبر عثمان رضي الله عنه مع امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولم يخرجه، ولم يبين صحته، ولا أقوال الأئمة والعلماء فيه.

(8)  قال في تكملة مذهب الحنفية : ” (إذا كان) التخارج على مبلغ من النقود الورقية، والتركة نقود ورقية ، من جنس واحد ، فلا يصح بأقل أو أكثر من الحق أو النصيب الذي يستحقه الوارث ، تحاشيًا للربا”  (الورقة نفسها ص 124). وههنا إيرادان :

أ – يتكلم الزحيلي هنا عن ربا الفضل: نقود ورقـية بنقود ورقية أكثر منها أو أقل، والصحيح أن الكلام يجب أن يكون عن ربا النسـيئة ، لأن هناك نساءً : بدلا مؤجلا بالإضافة إلى الفضل، وربا النسيئة هو الذي يجتمع فيه الفضل والنساء مًعا. ومسائل الربا مسائل دقيقة تحتاج إلى فهم عميق وتعبير دقيق .

ب – لو طبق قوله هذا، مع ما فيه من خطأ أو نقص، على العملية التي نحن بصددها، لما أجازها لما فيها من ربا. وهذه العملية، بالإضافة إلى ربا النسيئة (ربا الديون) فيها غرر .

وهكذا ترى أن مذهب الحنفية الذي اقتصر عليه الزحيلي وحده كافٍ للحكم على تحريم العملية، وليـس للحكم بجوازها، كما ذهب إلى ذلك. فلماذا هذا “التمرير” ، وما المصلحة الخاصة والعامة من ورائه ؟

الحل البديل المقترح

المخرج هنا هو اللجوء إلى دفعات على الحساب يأخذها الشركاء لسد حاجتهم إلى المال. وتحدد الدفعة بصورة تناسبية مع حصصهم في الربح، وتقدم لهم في وقت واحد مراعاة لمبدأ حصة الزمن (القيمة الزمنية للنقود)، وابتعادًا عن ربا النساء القائم على أن المعجل خير من المؤجل .

وتسوى هذه الدفعات، التي يسميها رجال المحاسبة: مسحوبات الشركاء، عند اقتسام األرباح. وهذا هو السائد في العرف الذي لم يدرسه الزحيلي نظريًا )في القانون التجاري ولوائح الشركات أو في المحاسبة )،ولم يقف عليه عمليًا، والحاجة لشرطه المشبوه ربًا وغررا.

المبادلة

ورد لدى الكلام عن حقيقة التخارج أنه قد يكون قسمة ومبادلة . وأي متمعن من الفقهاء أو الخبراء لا بد أن يسأل عن معنى المبادلة هنا. لم أجد في الموسوعة الفقهية الكويتية مادة المبادلة، ولا البدل ، ولا حتى في الألفاظ ذات الصلة بالبيع . كما لم أجد هذه المادة في معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء لنـزيه حماد ، ولا في غيره من المعاجم المتخصصة. لكني وجدت شرحًا لها عند الزحيلي ، وسأعود إليه بعد قليل .

المبادلة يرد ذكرها في مباحث الربا والقسمة (والمهايأة وهي نوع من القسمة) وربما في مباحث أخرى . وقد يبدو بادئ ذي بدء أن المعاوضة هي في معنى المبادلة ، فكثيراً ما استخدم الفقهاء العوض بمعنى البدل. وقد يكون لها معنى آخر مختلف. فالبيع والمقايضة يدخلان في المعاوضة ، ولكنهما لا يدخلان في المبادلة بالمعنى الاصطلاحي المقصود في هذا السياق . ولهذا ربما قال ابن جني : إن العوض أشد مخالفة للمعَّوض منه من البدل (لسان العرب). فالمبادلة تختلف عن المعاوضة من حيث إن الأولى متطابقة البدلين بخلاف الثانية. فإذا اقتسم الشريكان مالا ما مناصفة مثلا، وأخذ كل منهما النصف فإن كل واحد منهما يكون قد بادل نصفه بنصف صاحبه. وفي المهايأة إذا انتفع كل منهما بنصف الغرفة مثلا (مهايأة مكانية) فهذه مبادلة أو قسمة ، وليست بيعا ، لأنه ليس فيها ربح ولا خسارة ، بخلاف البيع . وربما صارت المبادلة تطلق على البيع وغيره على سبيل التسامح لا على سبيل الدقة .

وفي الحاوي للماوردي 656/5 (ضمن كتاب الزكاة) نجد أنه يعرف المبادلة بأنها مبايعة الشــيء بمثله. وهناك تسـامح في قوله : ” مبايعة” ، ولعل الأفضل أن يقال: “إعطاء”. ولعله ذكر المبايعة كي لا يكرر لفظ المبادلة في التعريف والمعرَّف ، مع أني أرى أن هذا جائز ، لأن التعريف قد يكون جزئيًا ، يقصد به مجرد التمييز بين مبادلة وأخرى .

كما عرف الماوردي : “المناقلة” ، وهي من مصطلحات الأوقاف ، بأنها مبايعة الأرض بأرض مثلها (الحاوي 170/4). وقد لا ترد الملاحظة نفسها حول كلمة: “مبايعة” ، لأن الأرض تباع هنا ويشترى أرض غيرها، والمقصود بالمثل هنا: الأرض ، أي أن تباع الأرض ولا يحتفظ بالنقود ، أو أن تباع الأرض ويشترى بدلا منها أصل أو مال آخر غير الأرض.